الحدث المحوري في القصة هو اللقاء بين الراوي عيسى بن هشام وأحمد باشا المنيكلي الذي خدم ذات يوم تحت إمرة إبراهيم باشا ابن محمد علي وتولى نظارة الجهادية ثم بعث من قبره بينما كان عيسى بن هشام يتمشى طالباً العبرة بين القبور. وهنا يورطنا النص معه في لعبة ذكية
المويلحي الذي رفض الهزيمة الحضارية
أحدث الاحتلال البريطاني لمصر قطيعة ما بين زمنين. تبنيت في المقال السابق أطروحة تيموثي ميتشل بأن استعمار مصر لم يبدأ مع دخول قوات الاحتلال وإنما مع إعادة تنظيم البلاد على النسق الاستعماري وتحت إشراف الخبراء الإنجليز والفرنسيين في دولة محمد علي. ما زلت أتبنى هذه الأطروحة ولكني عندما أمعنت النظر في الجرائد المصرية قبل وبعد فوجدت أثر الهزيمة.
جاء الإنجليز فأغلقوا الصحف المستقلة المرتبطة بالثورة العرابية وطاردوا المثقفين الذين انحازوا إليها. قبل الاحتلال الإنجليزي كانت الجرائد، بالذات التي تدور في فلك الحركة العرابية، تظهر اعتزازاً بالذات، ولا ترى غضاضة في التعلم من الغرب ولا تشعر بالدونية عندما تقتبس من علومه؛ وعندما احتدمت المواجهة مع الاستعمار وضعت هذه الجرائد ثقتها في جموع الناس وفي المجال العام الذي يحررونه من سيطرة الإنجليز وعميلهم الخديوي توفيق. بعد الهزيمة، نرى الجرائد الوطنية، حتى تلك التي تطالب برحيل الإنجليز، وقد هزت الهزيمة ثقتها بنفسها وبالجماهير الملتفة حولها. هذا هو ما حدث للنديم كما قصصنا في المقال السابق (وإن التزم بمعاداة الاستعمار سياسياً وكان آخر ما نشر في جريدة الأستاذ هو الدعوة إلى نوع من العصيان المدني في وجه الاحتلال الإنجليزي فألغت السلطات على إثره الجريدة واضطر بعدها إلى اللجوء إلى الأستانة). إلا أن عُرابيا آخر، هو محمد المويلحي، كان قد اتخذ مسار المقاومة الحضارية.
كان محمد المويلحي قد ألقي القبض عليه أثناء الثورة العرابية (وكان صبياً قيل في الخامسة عشر) وهو يوزع منشورات داعمة للثورة. حكم عليه بالإعدام ثم خفف إلى النفي إذ كان أبوه مقرباً من أسرة محمد علي الحاكمة؛ ثم عاد مع أبيه ليؤسس جريدة مصباح الشرق. وفي هذه الصحيفة بدأ في كتابة مقالات نقدية، ساخرة أحياناً، تستلهم أسلوب المقامة التراثي وتحيل على رواتها التقليديين؛ فدأب محمد المويلحي على بدء هذه المقالات بقوله "قال عيسى بن هشام" أو، على طريقة بديع الزمان الهمذاني "حدثنا عيسى بن هشام فقال"، ثم جمع بعد ذلك بعضا من هذه النصوص في كتاب "حديث عيسى ن هشام أو فترة من الزمان" الذي اعتبره البعض الرواية العربية الأولى.
يتكون الكتاب، إذن، من سلسلة حكايات تشبه المقامات، لكنها مترابطة بشكل فضفاض في سرد شامل (أو كما يعرف الآن في الدراما التلفزيونية بحلقات متصلة منفصلة). وكما تحضر المقامة التراثية في السخرية واللعب بالكلمات واستخدام السجع في بعض الأحيان، فإن الكاتب في أحيان أخرى يتحرر من قالب المقامة ليستلهم الحوار المسرحي والسرد الروائي وأحيانا المقال الصحفي.
يعقد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام" التوتر بين ثلاثة أصوات على الأقل: المؤلف، والراوي، والبطل، من خلال استخدامه لراوٍ خيالي سبق المؤلف في الوجود، ومن خلال مشاهد يجد فيها الراوي مقالات معاصرة للمؤلف نفسه (وبذلك يدمج المؤلف نفسه في السرد الواقعي لشخصيته الخيالية). وبينما يستلهم المويلحي من أجناس أدبية مختلفة، يصير الحوار في النص أكثر تعقيداً، مع تأثره بالمسرح. فمع تقدم القصة، تتراكم الأصوات ووجهات النظر في حوار متعدد الأبعاد (يكتب أحياناً بأسلوب يشبه الحوار المسرحي) حول التقليد والحداثة، الأصالة والتغريب، وما شابه. هذا التراكم الصوتي يسمح للسرد بتركيب هذه المواقف المتنوعة بطريقة تتجاوز الثنائيات البسيطة.
صحيح أن الحوارية في النص تنهار أحياناً إلى صوت أحادي عندما يستلهم المويلحي فن المقالة أو عندما يبدأ أحد شخصياته في الوعظ، لكن السمة العامة للنص تظل متعددة الأصوات، ورسالته عن الحداثة متعددة الأوجه، ومتصلة بنقد يقظ، أحياناً خفيف الظل وأحياناً لاذع، لكل من التقاليد المتحجرة والحداثة المستغرَبة.
الحدث المحفز: لقاء الماضي بالحاضر
الحدث المحوري في القصة هو اللقاء بين الراوي عيسى بن هشام وأحمد باشا المنيكلي الذي خدم ذات يوم تحت إمرة إبراهيم باشا ابن محمد علي وتولى نظارة الجهادية ثم بعث من قبره بينما كان عيسى بن هشام يتمشى طالباً العبرة بين القبور. وهنا يورطنا النص معه في لعبة ذكية، إذ يصبح الباشا ذريعة لعيسى بن هشام ليروي له، ولنا، عن "المدنية الحديثة" كأننا نراها لأول مرة، ويدعونا النص إلى أن نرى هذه المدنية من وجهة نظر باشا مات على أعتاب التحول إلى الحداثة الاستعمارية، وكأنه يريد لنا أن ننظر إلى حداثتنا بعيون غريبة عنها فنصبح أكثر نقدا لها. واللعبة/المفارقة الثانية هي أن الراوي الذي ينتمي إلى هذه المدنية ويحكي لنا عنها هو عيسى بن هشام الرواي التراثي لمقامات بديع الزمان.
من خلال رحلة الباشا وما يلاقي، نرى المدينة الحديثة بعينيه، وبعين عيسى بن هشام، ونستمع إلى عيسى بن هشام الذي لا يوفر نقداً لا لزمن الباشا ولا لزمنه، ولا للاهثين وراء حضارة الإنجليز والمقلدين لهم أو التابعين لهم في أروقة الدولة المصرية، ولا للمتشبثين بالماضي الذين يعيشون خارج زمنهم ويكتفون باجترار الذكريات في عجز.
وطوال النص، حتى عندما تتعرض الحداثة لنقد شديد، لا يُطرح مفهوم ثابت أو متحجر عن "التقليد" كبديل. بل يتحول التقليد إلى هدف متحرك، ولا تذر السخرية أي طرح تقليدي يفشل في التعامل مع الواقع الحديث.
وبينما لا يذكر النص الاحتلال الإنجليزي صراحة، فإن النص كله عن التحول الاستعماري الذي طرأ على مصر في هذه الـ"فترة من الزمان".
الأماكن الخبيثة بين الفساد الأصلي والنظرة الاستعمارية
من بداية الرحلة يشعرنا النص باستغراب الباشا من العالم الذي غيرته الحداثة (أو قل الاستعمار)؛ أو "المدنية الحديثة" كما يسميها النص وكما كانت تسمى آنئذ. ويزيد الاستغراب طرافة شرح عيسى بن هشام الذي يشرح ما استجد بوضوح ولكن شرحه لا يخلو من سخرية واستهزاء.
ومن أول ما يدهش الباشا أن البيوت لم تعد تعرف بأسماء أصحابها بل بأرقامها وأسماء الشوارع. قد ينتبه القارئ الذي مر من قبل على كتابات تيموثي ميتشل أن هذه من أول الظواهر التي تستحدثها "المدنية الحديثة" إذ تنتظم حياة الناس ضمن هذا الترقيم المرتبط بآليات الرقابة والضبط للدولة الحديثة والتي هي جزء من إعادة تعريف المكان وتنظيمه استعماريا (في الامتحان الشفوي التمهيدي لرسالة الدكتوراة حاولت أن أستعرض أمام اللجنة الممتحِنة بالربط ما بين كتاب استعمار مصر وما جاء في حديث عيسى بن هشام فقاطعني تيموثي ميتشل ضاحكا "ومن أين تظنني جئت بهذا الكلام").
تستمر رحلة الباشا وتأخذه إلى أروقة القضاء فيعجب من نظام القانون الجديد وكيف حل محل الشريعة (وبينما يشرح له عيسى بن هشام مفهوم "القانون النابليوني" فإن شرحه لا يخلو من نقد لهذا النظام المستحدث بل وللفقهاء الذين أقروه واستبدلوا الشريعة به). وهنا يكشف النص تغريب الخطاب القانوني عن حياة الناس وتحول المحامين ورجال القانون إلى كهنة يلوكون مصطلحات لا يفهمها الناس وأسماءمراجع فرنسية: فأمام مسألة قانونية تتعلق بالباشا الضائع أمام دهاليز النظام القضائي يقول مفتش وزارة الحقانية (المعادل وقتها لوزارة العدل) "إلي بدللوز وجارو" فيحسب الباشا أن هذه أسماء القاضي والنائب، فيرد عليه عيسى بن هشام بأن هذه أسماء مراجع قانونية يتخذونها بدلا من المراجع الشرعية؛ ثم ينتهي الحال بمفتشي الوزارة أن يتناقشا بالفرنسية ويضيع بينهما الباشا وعيسى بن هشام ولا يصلون إلى حل (في مشهد عبقري من مسرحية الشخص للأخوين رحباني يقوم المحامي- الذي يلعب دوره فيلمون وهبي بآدائه المميز—بتحضير "أساتذة القانون" من "الكتب العتيقة" ثم يعلن وكأن الأرواح قد حلت "حاضر علي دللوز" ويبدأ في استشارته بالفرنسية؛ وتضيع "بائعة البندورة"، التي تقوم بدورها فيروز، أمام هذه الشعوذة الحداثية المتفرنسة. وسواء تأثر الأخوان رحباني بحديث عيسى بن هشام أم لا، فإن النصين يسخران، كل بطريقته، من المنظومة القانونية الحديثة البعيدة عن مفاهيم الناس والتي قد تحول فيها الخطاب القانوني إلى طلاسم تحتاج كهنتها وسدنتها ومن كتاب دللوز بالذات).
وقد يجد القارئ، مرة أخرى، صلة ما بين ما نقول هنا وبين أدبيات نظرية أخرى في نقد الحداقة الاستعمارية، فحين درّست هذا الكتاب لاحظ بعض النبهاء من الطلبة كيف يأخذنا هذا الكلام إلى نقد وائل حلاق لتغريب الخطاب القانوني عن الناس على العكس من الخطاب "الشرعي" المرتبط بحياتهم؛ وقرأنا بطبيعة الحال كتاب "الدولة المستحيلة" في ذلك المساق إلى جانب "حديث عيسى بن هشام" و"استعمار مصر" ونصوص أخرى.
ما الذي يفسد المجال العام؟
قد نرى في النص قلقا محافظا من المجال العام؛ ولكن على العكس من ديكنز (والنديم في آخر أيامه) اللذين كانا يخشيان الناس، نرى في نص المويلحي قلقا مما تفسده الدولة الاستعمارية الحديثة. ففي السوق، وفي المحكمة، وفي مختلف الأماكن، يجد المويلحي العذر لعامة الناس حين يسيئون التصرف، ولكن ما لا يجد له عذرا هو الفساد الذي يحدثه النظام الجديد ونخبته الحاكمة: من البداية حين يجد الباشا أن فساد السوق مرتبط بفساد رجل الشرطة المرتشي الذي يراقب المكان، إلى المحكمة حيث فساد القانون ورجاله هو الذي يترك الناس في حالة هرج ومرج (على العكس من ديكنز الذي يرى الجموع وزحفها إلى المحكمة هي السبب في الهرج والمرج)، إلى العرس الذي فسد بسبب تقليد علية القوم للمظاهر الأجنبية وبسبب قدرة المجال البصري على النفاذ إلى ما كان قبل ذلك مختبئا.
لذا ينبعي ونحن نقرأ هذا النص أن نميز بين القلق من أماكن و"منافع" طرأ عليها الفساد بسبب التجربة الاستعمارية الحديثة (بما في ذلك الحدائق العامة والمسارح التي يعاملها النص كـ"منافع" في سياقها الصحيح ولكنها تفسد بفعل النخب الحاكمة المولعة بتقليد الغرب دون استيعاب ما لهذه المنافع من قيمة وفائدة في سياقها الأصلي) وأماكن فاسدة أصلا—وإن كان فسادها لا ينفصل عن شبكة فساد الحداثة الاستعمارية.
Related Posts
باحث وأستاذ جامعي مصري