كشفت حرب عام 2014 أثر مواقع التواصل الاجتماعي ودور الناشطين في تفنيد السردية الإسرائيلية وكشف الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني المحتل. كما تبين ازدياد التفاعل العالمي وتسارع انتشار الحقائق التاريخية للشعوب، مما دفع الكيان الإسرائيلي عام 2015 إلى إنشاء وحدة أمن سيبراني خاصة لتتبع ومراقبة المحتوى الفلسطيني الرقمي
البيانات الفلسطينية الرقمية في مصفوفة السلطة الكولونيالية
ذاع خبر حذف شركة ميتا لحساب وأرشيف الشهيد صالح الجعفراوي من منصة انستغرام على مستوى عالمي، صانعاً موجة غضب عارمة على ما آل اليه الحال في حجب وطمر الأصوات الفلسطينية وأرشيفها الرقمي. غير أن تدفق تيارات المعلومات والبيانات بشكل لا متناهي، وانشغال الناس بتتبع ما يحدث دورياً على مواقع التواصل الاجتماعي، حجب حقيقة أن إلغاء ومحو الوجود الفلسطيني والأصوات الداعمة لفلسطين من مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات الفضاء الرقمي يسبق حرب الإبادة بسنوات.
كشفت حرب عام 2014 أثر مواقع التواصل الاجتماعي ودور الناشطين في تفنيد السردية الإسرائيلية وكشف الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني المحتل. كما تبين ازدياد التفاعل العالمي وتسارع انتشار الحقائق التاريخية للشعوب، مما دفع الكيان الإسرائيلي عام 2015 إلى إنشاء وحدة أمن سيبراني خاصة لتتبع ومراقبة المحتوى الفلسطيني الرقمي، والعمل على الإبلاغ عن كل ما يعارض السردية الصهيونية بحجة دعم الإرهاب ومعاداة السامية. كما عمل الكيان على تأسيس ودعم منظمات غير حكومية لنشر الأكاذيب والبروبغاندا الصهيونية، وربط الإرهاب بالمسلمين والفلسطينيين على حد سواء.
في السنوات التالية،وسع الكيان عمل وحداته ومؤسساته وعملائه للمساهمة المباشرة بالضغط على شركات مواقع التواصل الاجتماعي، بالأخص الفيسبوك - ميتا، ومحرك البحث جوجل، لحذف كل محتوى يفضح تاريخ الكيان وجرائمه، أو يدعم القضية الفلسطينية، بذريعة التحريض على العنف ونشر الفكر الإرهابي ومعاداة اليهود. ومنذ عام 2016، عملت إدارةميتا مع الكيان بشكل مباشر على مراقبة ومحو المحتوى الفلسطيني، وتتبع أصحاب الحسابات التي تنشر محتوى معادي للكيان. كما عملت السلطة الفلسطينية على اعتقال الناشطين وحجب المواقع والحسابات التي تنتقد حكومة محمود عباس وتواطؤها مع الكيان بهدف إسكات الأصوات الداعمة للمقاومة ومشروع التحرر.
أججت حملة أنقذوا حي الشيخ جراح الإلكترونية عام 2021 تفاعلاً عالمياً غير مسبوق مع القضية الفلسطينية، لم يفتأ التصاعد والانتشار منذ ذاك، حتى أردفت الحملة بحرب الأحد عشر يوماً، المعروفة بمعركة سيف القدس. لم يبالغ بعض المحللين عندما اسموا سيف القدس بحرب السرديات الكبرى. كما لم يبالغ مسؤولو الكيان المحتل بقولهم إنها معركة الذكاء الاصطناعي الأولى للكيان. فقد جيشت منصات مثل تويتر، ويوتيوب، والانستغرام، وفيسبوك، وتيك توك لإغلاق الحسابات ومحو المحتوى الذي يفضح جرائم الكيان ويدعم الحق الفلسطيني بالتحرر والمقاومة. كما طوع الكيان كامل قدراته التقنية لمحاربة الشعب الفلسطيني في ميادين الأراضي المحتلة والعوالم الرقمية.
وثّق تقرير صادر عن حملة – المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي 500 حالة انتهاك للحقوق الفلسطينية الرقمية ما بين 6 و19 أيار/ مايو 2021، تتراوح ما بين حذف المحتوي واغلاق الحسابات وتقييد إمكانية رؤية المنشورات. كانت معظم هذه الحالات في منصات تويتر، فيسبوك، وانستغرام. كما رصد مركز صدى سوشال 700 حالة مشابهة في الشهر نفسه. تصاعدت وتيرة ملاحقة وحجب الحسابات الفلسطينية منذ ذاك، إذ بدا واضحاً أن مواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى ميادين حرب البيانات.
في دراستهما "الذكاء الاصطناعي في مصفوفة السلطة الكولونيالية"، يفكك جيمس بولدن وبوكسي أوو البنية الكولونيالية/ الإمبريالية للذكاء الاصطناعي، مؤكدان أن الهيمنة على البيانات وإعادة انتاجها وتدويرها هو امتداد للهيمنة الغربية على وسائل الإنتاج والمعرفة. وبالتالي فإن آلية عمل الخوارزميات انعكاس لهرمية علاقات القوى التي كرسها الاستعمار الأوروبي وفرضها على العالم. فاستخراج البيانات، وتخزينها وبيعها وإعادة تدويرها في السوق، باعتبارها ملكية للشركات والحكومات وأجهزة الاستخبارات، لا ينفصل عن حجبها ومحوها أو إعادة انتاجها وتصديرها بقوالب وسرديات تعزز وتوطد تماسك مصفوفة السلطة الكولونيالية. فإعادة الإنتاج المعرفي تبدأ بالسيطرة والهيمنة على البيانات، ويتجلي ذلك بآلية عمل الخوارزميات وبرمجياتها.
انطلاقاً من منظور بولدن وأوو، إن محو وحجب وإلغاء المحتوى والأرشيف الفلسطيني من مواقع التواصل الاجتماعي، واغلاق حساباتهم ومنصاتهم في عوالم الانترنت، نتيجة طبيعية لآلية عمل الخوارزميات وشبكات القوى المهيمنة على فضاء البيانات. فحذف شركة ميتا لحساب وإرشيف الشهيد صالح الجعفراويمن منصتها ليس تواطؤاً مع الكيان وجيشه الاستخباراتي، بل ناتج ومحصلة التكوين البنيوي لبرمجة الخوارزميات وسياسات ومعايير المحتوى المعرفي في أطر مصفوفة السلطة الكولونيالية.
كما يوضح منظور بولدن وأوو الجذور السياسية للحملة التي شنتها حكومة الولايات المتحدة الأميركية على الشركة الصينية بايت دانس، الشركة المالكة لمنصة تيك توك، للاستحواذ على المنصة وإجبارها على بيع 80% لنسخة التيك توك الأميركية. فالدافع الأساسي هو السيطرة على آلية عمل الخوارزميات والهيمنة على ملكية البيانات، وللحفاظ على توازن القوى في مصفوفة السلطة الكولونيالية.
لم يعد فهم ودراسة الفضاء الرقمي وبنى نظم الذكاء الاصطناعي وآلية عمل الخوارزميات ضرورة ملحة وحسب، بل شرط للتقدم في العمل التحرري للشعوب المستعمرة.
Related Posts
كاتب وناشط سعودي