Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

يبدو هذا السؤال مخاتلاً؛ فوقت عودة العلاقات المصرية الإيرانية قد حان منذ أمد طويل. وفي الحقيقة، ما كان لهذه العلاقات أن تقطع أبداً خاصة بين دولتين مركزيتين في تاريخ وحضارة وسياسة المنطقة. في ظل الحالة الانتقالية الطويلة التـي تعيشها المنطقة وما يصاحبها من أعراض الفوضـى والعنف والانقسام والتنافس وتبدل أسس النظام الإقليمي

محمد العربي

هل حان وقت عودة العلاقات المصرية الإيرانية؟

"

يبدو هذا السؤال مخاتلاً؛ فوقت عودة العلاقات المصرية الإيرانية قد حان منذ أمد طويل. وفي الحقيقة، ما كان لهذه العلاقات أن تقطع أبداً خاصة بين دولتين مركزيتين في تاريخ وحضارة وسياسة المنطقة. في ظل الحالة الانتقالية الطويلة التـي تعيشها المنطقة وما يصاحبها من أعراض الفوضـى والعنف والانقسام والتنافس وتبدل أسس النظام الإقليمي، تبدو حالة العلاقات المصرية الإيرانية مثل الفيل الذي في الغرفة، لا أحد يتحدث عنه، والجميع يدرك حجم تأثيره. وتبدو مسألة عودة العلاقات المصرية الإيرانية أكثر إلحاحاً في الوقت الحالي، مع عودة النشاط إلى نشاط مصر في الدائرة المشرقية من خلال مشروع "المشرق الجديد" الذي يضم العراق والأردن إلى جانب مصر، وذوبان الجليد في العلاقات المصرية التركية. 
ستضع خطة المشرق الجديد القاهرة في تقاطع واضح مع طهران. وعلى الرغم من أن التقدم الأخير في ملف العلاقات المصرية التركية كان مبادرة تركية ومحاولة من نظام أردوغان وقف نزيف الخسائر المتتالية بسبب سياساته الهجومية والداعمة للإسلاميين في المنطقة وعلى رأسهم الإخوان المسلمون، إلا أن الاستجابة المصرية لمحاولات التقارب التركية كان مؤشراً على انفتاح القاهرة على خصومها الإقليميين، واستعدادها للتعاون مع كافة الأطراف لتحقيق أكبر قدر من الاستقرار الذي افتقدته المنطقة في العشرية الأخيرة. 
إلا أن العلاقات المصرية الإيرانية تستعصـي على التصنيف. عدا الفترة الأولى من عهد الثورة الإيرانية التـي أدت إلى اتخاذ طهران قراراً بقطع العلاقات مع القاهرة، على وقع استضافة الشاه الطريد وتوقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل وبدعم من الراحل ياسر عرفات، لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً كبيراً بقدر ما كانت مجمدة.  بل كان نظام مبارك منفتحاً على محاولات التقارب الإيراني مع العالم العربي، وإن كان تقبلها بحذر زاد من حدته الانقسام الذي أثاره الدور الإيراني في العالم العربي خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، وتصاعد شكوى دول الخليج من الخطر الإيراني المحدق بأمنها. 
وعلى الرغم من عدم الاستجابة المصرية تجاه محاولات طهران للتقارب بعد ثورة يناير 2011 بسبب زيادة النفوذ الخليجي بها وصعود المد الإسلامي السلفي الذي استحضر خطابات الصراع السنـي الشيعي، إلا أن القاهرة خاصة في ظل نظام يونيو 2013 ظلت متحفظة تجاه استخدام أي خطاب تصعيدي ضد إيران، خاصة مع تقارب وجهة نظر الطرفين حول بعض القضايا الإقليمية وعلى رأسها ضرورة الحفاظ على النظام السوري في مواجهة الجماعات الجهادية المدعومة من تركيا والخليج. وعلى الرغم من الدعم المصري الواضح لأمن الخليج إلا أن القاهرة تدرك مدى خطورة الضغط على النظام الإيراني، أو ما قد يودي به التحريض ضد طهران من عواقب على أمن المنطقة خاصة في ظل إدارة ترامب السابقة. 
التعبير الأقرب إلى الدقة في وصف الحالة الغريبة للعلاقات المصرية الإيرانية هو "التباعد"، وهو تلك المسافة الآمنة بين "الخصومة" و"الصداقة." في طهران، كانت هناك دائماً دعوة ومبادرات لإعادة العلاقات مع مصر، بداية من اسم شارع "خالد الإسلامبولي"- قاتل أنور السادات- مروراً بخطاب المرشد الأعلى علي خامنئي في دعم الثورة المصرية، ثم الدعوات المتكررة للدخول في حوار أمنـي واستراتيجي بين البلدين وفي إطار السعي المشترك لإقرار الاستقرار في المنطقة. 
بالنسبة للقاهرة، فهناك حسابات عديدة ومعروفة سيكون على متخذ القرار أن ينظر فيها قبل أن يعيد النظر في حالة "التباعد" الاستراتيجي بين البلدين. أهم هذه الحسابات ردة الفعل الخليجية، والمخاوف الأمنية الداخلية، وعدم الثقة في الشريك الإيراني. أما بالنسبة للأولى، فمن الغريب أن تحافظ دول الخليج على علاقات مباشرة وجيدة نسبيّاً مع إيران، قبل حادثة القنصلية السعودية في مطلع 6201، ولا تمتلك مصر هذه العلاقات. والحقيقة أن التعظيم من شأن ردة الفعل الخليجية على علاقات مباشرة وجيدة بين القاهرة وطهران، لا يصب أبداً في مصلحة القرار المصري المستقر، خاصة أن هذه الدول كفت يدها عن دعم الاقتصاد المصري مباشرة منذ سنوات، ولا تمتلك رفاهية التخلي المفاجئ عن ملايين المصريين العاملين لديها كورقة ضغط على القاهرة. وفي النهاية، سيكون عليها التعاطي مع قرار القاهرة. 
 لدى الأجهزة الأمنية المصرية مخاوف دائماً من مخاطر "التشيع،" خاصة مع رصد العديد من الخلايا الشيعية سواء المستقلة أو المتغلغلة في الحركات الصوفية، ولم تخف بعض الشخصيات في دائرة المحدودة للغاية من الشيعة المصريين علاقاتها الجيدة مع طهران خاصة فيما يتعلق بجانب التمويل. هذه المخاوف زادت حدتها في السنوات العشر الأخيرة، بسبب الدور الخارجي الداعم لثورة يناير أو المصير الذي لاقته بعض الدول المجاورة نتيجة تغلغل النفوذ الأجنبـي. لذا، قد تكون هذه المخاوف مبررة، إلا أن التعامل مع الشؤون الدولية من خلال مخاوف الأمن الداخلي يكف يد الدول عن التعاطي بإيجابية وتأكيد مع خصومها كما مع أصدقائها. وفي النهاية، تبقى القبضة الأمنية وتزايد المحافظة الدينية حاجزاً ضد أي نجاح لتشييع المجتمع المصري أو تقسيمه طائفيّاً. 
أما فيما يتعلق بعدم الثقة في الشريك الإيراني، فحالة الفوضـى العامة التـي تعيشها المنطقة تجعل من الضروري بناء قنوات اتصال للتنسيق الاستراتيجي مع كافة أطراف المنطقة، حتـى مع انعدام الثقة، فالدول لا تختار جوارها، وعليها أن تتعامل مع العالم كما هو. وإذا أرادت مصر تأمين أمنها القومي الذي يبدأ فعليّاً خارج حدودها في سوريا والعراق والخليج وفي ليبيا والسودان وإثيوبيا، فسيكون عليها التحدث مع الجميع والانفتاح على الجميع دون أن تلقي بالاً بردة فعل عواصم الخليج التـي تدرك تماماً أن العلاقات الجيدة بين مصر وإيران ستمنح القاهرة قدرة أكبر على المناورة وعلى التأثير بدرجة أكبر في ملفات المنطقة، لذا فهي أحوج إلى استمرار التباعد بين الطرفين.
 

"

كاتب وباحث مصري