Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

الآن بينما أكتب هذه الكلمات تستباح مقدسات، ويعربد العدو على طول الجغرافيا العربية وعرضها، وتُمحى أحياء بكاملها من الوجود، ويُهجر من هم أكثر حظاً من الموتى، ومئات الأطفال يموتون كل يوم على مرأى ومسمع من الجميع. وبالتزامن مع ذلك؛ ملايين المسلمين يدعون ويبتهلون!

ص. م

صلاة المنبطحين لا تستمطر نصراً!

- يا أباه، العطش!

- اصبر بني، فإنك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله بكأسه!

فعاد الشاب وظل يكر الكرة بعد الكرة حتى رُمي بسهم في حلقه فخرقه، وأقبل يتقلب في دمه، فتلقاه أبوه وهو يقول بصوت ثاكل: قتل الله قوماً قتلوك يا بني! اندفعت من خيام النساء امرأة كأنها الشمس طالعة تنادي: يا حبيباه... يا ابن أخاه... انكبت زينب على الفتى الشهيد... ولحق به فتيان آل البيت، وأخذت زينب تتلقى هذا المحتضر من آلها أو ذاك، فلا يكاد يلفظ النفس الأخير حتى تحتضن أشلاء آخر. والرحى دائرة في جنون لا تريد أن تكف وعلى أرض كربلاء من آل البيت حي يتنفس! وبقي الحسين وحده، ووقفت أخته غير بعيد تملأ عينيها منه قبل أن يمضي، حتى إذا أثخنته الجروح وأوشك أن يهوي، خانها جلدها فلم تعد تقوى على النظر إليه، فاغمضت عينيها وأصغت بملء جوارحها إلى صيحته الأخيرة. ثم قضي الأمر، وكانت النهاية المحتومة! قتل الحسين وبجسده ثلاث وثلاثون طعنة وأربع وثلاثون ضربة. ضربت كتفه اليسرى بالسيف فقطعت، وأجهزت ضربة أخرى على الشهيد، وتقدم ثالث فاحتز رأسه! وكفت الرحى المجنونة بعد أن لم يبق من آل البيت من تطحنه، وردت السيوف إلى أغمادها حين لم يعد هناك من تذبحه، وتركت جثث الشهداء بالعراء، ومال الناس على الحلل والإبل فانتهبوها، ومالوا على نساء الحسين وثقله ومتاعه، فإن كانت المرأة لتنازع ثوبها عن ظهرها حتى تغلب عليه فيذهب به منها .. وجعلت الخيل تطأ جثث الشهداء. وغربت شمس العاشر من محرم سنة إحدى وستين، وأرض كربلاء قد تبعثرت فيها أكرم الأشلاء. وكان قرط زينب يجول بين أذنيها وعاتقها وهي تقول: ليت السماء انطبقت على الأرض. 

لكن لا! لم تنطبق السماء على الأرض، بل أسس هذا المشهد الدموي لملك عضوض، كان إيذاناً لتثبيت دولة دامت نحو قرن من الزمان، لو قيمناها بمعايير العصر الحديث وبمعزل عن الضوابط الدينية والأخلاقية لكانت فترة تأسيس لدولة فاعلة من الناحية الجيوسياسية. قد يتسلل إليك الإحساس بأن ثمة تناقض بين مأساوية المشهد وبين تقييمي لما ترتب عليه، وهذا بالضبط ما قصدته - ولعلّي نجحت!

نحن هنا نتحدث عن واحد من أكثر المشاهد مأساوية في التاريخ البشري، لو تركت عنان هواجسك وأفكارك لتساءلت لماذا حقاً لم تنطبق السماء على الأرض! لماذا انتصر الأشرار على الأخيار، وأي أخيار، إنهم آل بيت النبي! 

عن تلك النهاية المحتومة حديث يطول أتمنى لو تمهلني المقادير للكتابة عنها وفاءً بوعد ودرءاً لمزاعم. ما يعنينا الآن هو الاعتبار والعظة، قد تتساءل، وأي عظة أو عبرة مما سبق؟

في مثل هذه الأيام (أوقات الملمات والمصائب أو الأيام ذات القدسية والمواسم الدينية)، ففي العشر الأواخر من رمضان مثلاً؛ تجد من يلتقط صوراً لشروق الشمس أو متحدثاً عن عبق نسمات الصباح كعلامات على ليلة القدر، تسمع نهنهات تتصاعد وترى دموعاً تتساقط والجميع يتمنى لو يُستجاب في هذه الأيام المباركة، هناك من يتمنى على الله السعة في الرزق والستر والشفاء والزواج. وبأيام الأهوال والحروب والمصائب مثل أيامنا هذه؛ تجد من يتمنى عليه أن "يهد اسرائيل"! الصنف الأول من الدعاء أمر إلهي يكتمل به الإيمان، دعامة ليقينك بأن هناك دائماً قوة عليا محيطة تبث إليها حزنك ورجاوتك، تدعو خوفاً وطمعاً، فتطمئن نفسك منتظرة الفرج والإجابة. وهذا مفهوم ومحمود على المستوى الشخصي. أما الصنف الثاني، فقد أفرطنا فيه لدرجة الخدر! هل حقاً سيستجيب الله لهذا الشيخ الذي يرفل في ثيابه الناصع بياضها، والذي يقيم ليله في مسجد مكيف الهواء يأكل أفخر أنواع التمور والفواكه ويردد اللهم حرر الأقصى بينما ولي نعمته يمارس على أرض الواقع الدياثة السياسية؟!  كلا؛ فصلوات المنبطحين لا تستمطر نصراً!

الآن بينما أكتب هذه الكلمات تستباح مقدسات، ويعربد العدو على طول الجغرافيا العربية وعرضها، وتُمحى أحياء بكاملها من الوجود، ويُهجر من هم  أكثر حظاً من الموتى، ومئات الأطفال يموتون كل يوم على مرأى ومسمع من الجميع. وبالتزامن مع ذلك؛  ملايين المسلمين يدعون ويبتهلون!

إذن لماذا لا يُستجاب الدعاء؟! ببساطة لأن ما ينطبق عليك كفرد لا ينطبق على الجماعات والأمم، أن تدعو الله كفرد يختلف جذرياً عن الدعاء والسؤال كأمة! التناقض بين الأمرين تماماً كالتناقض بين المشهدين السابقين؛ فمأساة آل البيت لم تقف كعقبة دون تأسيس سلالة حاكمة ودولة قوية، كذلك الاستنامة إلى الدعاء - وإن كنت على حق -  لن يعيد لمقدسي أو غزاوي حياته وبيته؛ بل ستصبح العلاقة طردية بين الدعاء والاحتلال (على الهامش، لا تتخيل أن التعامل مع غزة على طريقة "انقذوا غزة" سيحدث فارقاً أو يجدي نفعاً، في أفضل الأحوال هو لتنهيدة الشعور بأنك أديت الواجب!).

في مراحل التأسيس لكل حدث درس وعبرة. فلماذا، مثلاً، لم يركن الرسول إلى الدعاء وسؤال الله؛ وهو أولى الناس بالإجابة، لماذا لم يلجأ الخلفاء من بعده إلى منزلتهم الدينية وإيمانهم بالله والدعاء في إدارة الدولة المستجدة؟ بل مارسوا السياسة واقترفوا الحرب.

بعد عام الحزن، ضاق الخناق على الرسول، شعر بالضعف والهوان والضيم. فلما ضاقت مكة بخير أبنائها خرج إلى الطائف يلتمس جوار ثقيف، فأقام فيها يسعى عند هذا ويلطف لذاك، وكلهم يرده وكلهم يمتنع عليه، إلى أن أغروا سفلة الناس وسفهاءهم، فتبعوه يؤذونه بالقول والفعل؛ حتى ألجؤوه ضعيفاً مكدوداً وكئيباً محزوناً إلى حائط بستان لعتبة وشيبة إبني ربيعة. بلغ بالرسول الحزن الذي جعله يناجي ربه بالدعاء الشهير: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس... إلى آخر الدعاء. قد نكون من كثرة اجترار هذه الأحداث لم نعد نعي حقاً وقعها وأثرها في حينه، لكنها أمور جلل، مؤسسة لمنهاج كامل متكامل يجب الأخذ بكل تفاصيلة، وليس فقط ترديد الحكايات بصوت متهجد أو متوعد يداعب سذاجة المستمعين. لم يركن الرسول إلى الدعاء فقط، لكنه أخذ بالأسباب وشرع في التحرك والتخطيط والتعامل بما يتناسب مع فداحة الخطوب وهولها. قبل وصوله مكة لم يختر أن يطبق الله عليهم الأخشبين (جبلان بمكة)، لكنه اختار المواجهة.

ذكر ابن هشام أن رسول اللهّٰ صلى اللهّٰ عليه وسلم لما انصرف عن أهل الطائف ولم يجيبوه لما دعاهم إليه من تصديقه ونصرته صار إلى حراء، ثم بعث إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فقال: أنا حليف، والحليف لا يجير، فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه إلى ذلك، ثم تسلح المطعم وأهل بيته وخرجوا حتى أتوا المسجد، ثم بعث إلى رسول اللهّٰ  أن ادخل، فدخل رسول اللهٰ فطاف بالبيت وصلى عنده، ثم انصرف إلى منزله. ولأجل هذه السابقة التي سلفت للمطعم بن عدي، قال رسول اللهٰ في أسارى بدر:

"لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء النتنى لتركتهم له".

وبعد؛

ولست أحاول إقناع أحد بما أقتنع به، بل لعلّي قد أُتهم من البعض في إيماني. لكني أبدا لن أقتنع أن التعامل مع القضايا الجمعية - حتى من الزاوية الدينية - يحق عليه ما يحق على الشئون الفردية، أبدا لن أقتنع أن التقي النقي سيساهم في إنقاذنا من مهاوي البؤس والاحتلالات بالدعاء، لكن الفاعل سيكون معتنق السلاح.

 

كاتب مصري