En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

لن أدّعي بأية طريقة من الطرق أن المكتوبَ هنا، هو مقال صحفي. فأنا، ومنذ خططتُ كتاباتي الأولى، لا أضع ما أكتبه ضمن إطار معيّن. وإن كان لا بد له من إطار، فأفضلُ دائماً إطار الحب والعاطفة

حسين مالك عبدالله

مظفر النواب: قافية الحزن الوردي

لن أدّعي بأية طريقة من الطرق أن المكتوبَ هنا، هو مقال صحفي. فأنا، ومنذ خططتُ كتاباتي الأولى، لا أضع ما أكتبه ضمن إطار معيّن. وإن كان لا بد له من إطار، فأفضلُ دائماً إطار الحب والعاطفة.

مات النوّاب إذن، وكان الخبر أكيداً، اعتدنا سماع هذا الخبر منذ أعوام، ولم نعوّل على صحّته، ولكنه اليوم صحيحٌ بقدر صحّة الغصة الّتي يحملها.

مات النّوّابُ إذن، وسأحاول أن أبتعدَ هنا من وصفه بتلك الأوصاف المُنمّقة المعتادة، كنهر العراق الثالث. سأتكلم عنه كما أحبه، وكما عرفته.

كشاب من جيلي، كانت بدايات معرفتي بمظفّر النوّاب عبر منصة اليوتيوب، بين قصائده الفصيحة والعامية، ومقابلاته. شاعرٌ نحيل، رقيقُ الصوت، مفرداته حزينة كأية نسمةٍ عراقية. مترنحٌ سليطُ اللسان مُضحك، وعلى كل هذا، رجلٌ طفولي يوضّب حقائبه، ويحملها إلى أبعدِ محطات الروح الغريبة وينثرها قمحاً للمُتعبين.

ليس الشعرُ عند مظفّر النوّاب، وزناً وعروضاً، وإن أردنا أن نقرأه هكذا، سنجدُ أنه يكسر الكسيرَ من الأوزان، لكنّ ما يصلح هذا عنده، هو الفكرة المغلّفة بأقصى معاني الحزنِ البهيّ، والمُحلّاة بالصور والاستعارات السهلة غير الخارجة عن المشهد الشعري العام لتجعلَ من نفسها حلية وصنعة مادية مستهلكة.

لا يمثل مظفّر حزنه الشعري، ففي قصيدة غزلية مثلاً، لا شك سترى مفردات الحزن جليّة، سواء بالعامية أو الفصيحة "أنا قتلك مو حزن لكن حزين"، الحزن عنده أسلوب حياة، والقصيدة عنده لا تأخذ من الحزن موضوعاً موحداً، بل يجعل القصيدة مشكّلة ضمن قالب الحزن الذي يراه مناسباً لغرضه الشعري، أليس هو من قال للحسين: "لست أبكي، فإنّك تأبى بكاء الرّجال

ولكنّها ذرفتني أمام الضريح عيوني".

وبالحديثِ عن الحسين، لا يكتب مظفّر النّواب قصيدته عن الحسين، بل يكتبها للحسين كما يراه، وإن تحدّثت أنا هنا - على المستوى الشخصي – لا أفصلُ الحسينَ – وإن غاب – عن أية قصيدة من قصائده. ولا أتكلم  هنا عن الإيمان والتدين، فقد يقف النوّاب على المنبر مخموراً، وييمم وجهه شطر كربلاء، ويأخذ فكرةَ الحسين الثّائر ليقول: "أنتَ يا رب، لا بدّ تغفرُ للكفر إن كان حراً أبياً، وهيهات تغفر للمؤمنين العبيد". وقد يكثرُ الجدال بين المُزايدين حول إيمانه أو كفره، وأنا لست هنا لأناقش هذا، ولكني مُقتنع تمام الاقتناع أنه مهما حدث ليس عبداً. فكيف من يرى القدس عروساً دائمة للعروبة أن يكون عبداً؟ وأقول هنا: إن كان للأحرار شاعر، فهو مظفّر النوّاب.

وعن المقاومة، فمن منّا لم يرهُ باكياً مُترنحاً في وصفه نعش السيد الشهيد عباس الموسوي؟ وفي قصيدته هذه، يكسرُ النوّابُ شيئاً من العروض، كما اعتدنا، ليُغلّب عنصر الفكرة، وكأنّه يقول هنا: سأكسر الوزن، لأرفع صورةَ عباس الموسوي فوق كل المعايير.

وفي معرض الحديث عنه، لا بد من التوقف عند هجائه قليلاً، ففي زمنه، وحين كان يصطف الشعراء لمدح أسياد النفط، كان النوّاب يقف جانباً، لابساً عباءة الحسين ويقول "لا". دام أصبعك الأوسط مرفوعاً في وجه أميركا.

قد يكون الحديث عن النوّاب صعباً، ولكن، من حقه على الشعر أن يُرثى، وكوني أنا حسين أكتبُ الشعر، سأقدّم هذا لمولاي:

"يا نهرَ الله

يا قافية الحزن الوردي ويا ماء الشعر

يا دمعَ الطفل الباحث عن صدر في بلد النهرين

يا خمر المحرومين

يا خبز النسوة يحملنَ  ترابَ الغيم

يحِكنه

كوفيّةَ ثائر

أتغيب؟

أينقصُ هذا البحر؟

هل يخفت صوتُ  المُستضعفُ في أرضِ النفط؟

يا عرّاب القدس

سنحمل عنك التعبَ ونمشي به بين العينين.

نم أنتَ الآن

نومَ المرتاح وخذ كف الله وقبّلها

أنفض عنك الحزنَ ودعه لنا

نحن الموتى اليوم، وأنتَ  الحي غداً"