En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

استخلصت تحقيقات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القوات الإسرائيلية هي من قتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة. وجاءت نتيجة التحقيقات مطابقةً لما توصلت له سبع جهاتٍ سبقتها، من ضمنها الحق، وسي إن إن، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ومتوافقًة مع ما أعلنت عنه الجزيرة منذ الساعات الأولى من استشهاد شيرين

علي عاشور

ما لا تقوله تحقيقات استشهاد شيرين أبو عاقلة

استخلصت تحقيقات مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان أن القوات الإسرائيلية هي من قتل الصحافية الفلسطينية شيرين أبو عاقلة. وجاءت نتيجة التحقيقات مطابقةً لما توصلت له سبع جهاتٍ سبقتها، من ضمنها الحق، وسي إن إن، ونيويورك تايمز، وواشنطن بوست، ومتوافقًة مع ما أعلنت عنه الجزيرة منذ الساعات الأولى من استشهاد شيرين.

من الطبيعي أن تتبادر لنا عدّة أسئلة، منها: ماذا بعد؟ ما الإجراءات التي ستقوم بها مفوضية الأمم المتحدّة لمحاسبة "إسرائيل"؟ هل سيكون هناك عقوبات تفرضها بعض الدول على "إسرائيل" للالتزام بالقوانين والقرارات الدولية، على الأقل؟ الإجابة عن هذه الأسئلة، ورفع سقف التوقعات، لن يغيّر من واقع الحال الفلسطيني – العربي الكثير، فضلاً عن تغيير أي شيء على الإطلاق. وبغض النظر عن أيّة إجراءاتٍ قادمةٍ، فقد أعطت بعض الحكومات العربية، وعلى رأسها الإمارات ومصر، وثيقة تبرئةٍ مسبقةٍ لـ"إسرائيل" لكلّ ما حدث أو ما يمكن أن يحدث، حتى وإن حصلت معركةٌ قريبة. كما أنّ البيت الأبيض عمل منذ الساعات الأولى من إعلان الاغتيال على تبرئة "إسرائيل" ودعمها، خصوصاً في تكرار رفض تصنيف نظام الاحتلال الإسرائيلي كنظام فصل عنصري.

غير إن ما لا تقوله هذه التحقيقات هو كيفيّة تعامل العالم الغربي بمنظماته ومؤسساته مع الشعوب العربية – وشعوب الجنوب عامةً - وما يجري عليها من قمعٍ واضطهادٍ وظلمٍ وحروبٍ وتهجيرٍ مدعومٍ بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ من الدول الغربية التي دائماً ما تجد ضالتها الاقتصادية وطرق تكريس هيمنتها على العالم في معاناة شعوب الجنوب. فكما كانت شيرين صورةً وصوتاً للشعب الفلسطيني في حياتها، تجلّى استشهادها صورةً وصوتاً للشعوب المضطهدة جمعاء.

فسردية البيت الأبيض التي حاولت – وما زالت تحاول وستستمر في - تبرئة "إسرائيل" من اغتيال الشهيدة لم تكن تسعى لكشف أي حقائق بأي شكلٍ من الأشكال، أو تسهيل عمليات التحقيق، بل طمرها كلياً، وإسكات الصحافة التي تسائل عن نتائج تحقيقات قتل صحفية أمريكية في فلسطين. كما أن الضغوطات التي تمارسها الصحافة الأمريكية ترتكز على جنسية شيرين الأمريكية لا هويتها العربية الفلسطينية، ولا الامتداد التاريخي للظروف التي أدّت إلى اغتيالها. وكأنّ أهمية الحدث لا ترتبط بعملية الاغتيال بحد ذاتها بل بجنسية من اغتيل. وهذا يكشف التحيّزات الضمنيّة للصحافة – والمؤسسات – الغربية التي ترتبط موضوعيتها بمنظورها الليبرالي الغربي إلى العالم، لا بدقّة الحدث كما هو وبما يحتويه من مضامين. وكأنّ هول الحدث لا بعملية الاغتيال بقدر ما هي عملية اغتيال صحافية تحمل الجنسية الأمريكية.

فتغطية الحدث والتحقيقات الصحفية، على أهميتها وضروريتها، تخفي أكثر مما تكشف بسبب طبيعة التعامل مع التحقيقات وتغطيتها من جانبٍ، وبسبب عدم وضع الحدث في سياقه التاريخي من جانبٍ آخر. فتحويل عملية الاغتيال إلى ملفٍ حقوقيًّ لا قضية شعبٍ محتلٍ يخفي موضوعية الحدث نفسه، أي دقّته. فجعل ملف تحقيقات استشهاد شيرين مرتبطٌ بحرية الصحافة وبعائلة شيرين فقط هو فصلٌ ضمنيٌّ عن كون عملية الاغتيال مرتبطة بقضية شعبٍ محتلٍ تنتمي له الشهيدة؛ أي فصلُ شيرين عن مقاومة ومعاناة الشعب الفلسطيني، وبالتالي إبعاد قضية شعبٍ محتلٍ عن واجهة الشاشات والصحف والمنظمات والبرلمانات والمدارس، مّما يكرّس لاستمرار عملية طمر تاريخ هذا الشعب وملفات قضيته.

إذاً، ما لا تقوله تحقيقات استشهاد شيرين هي قصة الشعب الفلسطيني، ومقاومته وشجاعته ومعاناته، والتي هي بالضرورة قصة شيرين.لأن استشهادها جزءٌ من تاريخ مقاومة الشعب الفلسطيني، وجزءٌ من تاريخ وذاكرة كل قضايا الشعوب المضطهدة أيضاً. لأنّ ما لا تقوله تحقيقات استشهاد شيرين لم تقله عشرات التحقيقات التي سبقتها.

أما ما يرجوه بعض العرب من الدول العربية لا يتجاوز كونه فقاعة وهمٍ كبيرٍ ليس إلا. فجميع الاتفاقيات العربية – المعلنة وغير المعلن عنها - مع المحتل الإسرائيلي لا تعمل على تطبيع العلاقات الاقتصادية والسياسية فقط، بل تهدف إلى تثبيت هذه الأنظمة من خلال ترسيخ الوجود الإسرائيلي. أي أنّها عملية متبادلة لتأصيل وجود هذه الأنظمة وكأنها النتاج الطبيعي لتاريخ المنطقة. ومن الواضح أن زيارات ستيفن هاربر، الرئيس الكندي السابق، للمنطقة، وتحديداً الإمارات والسعودية، لم تكن زيارةً عابرة.

هاربر هو رئيس اللجنة الاستشارية في شركة AWZ Venturesالكندية، وهي شركة استخباراتية يديرها عملاء سابقين للموساد والسي آي ايه. ولا تعدو الشركة سوى امتداد للشركات الموسادية الأمريكية التي تعمل على توثيق العلاقات الاستخباراتية والأمنية غير المباشرة مع "إسرائيل". وبالتالي جسّرت زيارات هاربر مع الكيان المحتل استخباراتياً عن طريق الشركة الكندية.

ربّما حان وقت الاعتراف والمصارحة العربية، بأنّ فلسطين لم تعد على قائمة أعمال الحكومات العربية إلا بكونها قضية شعبٍ يجب إسكاته وتشويه تاريخه وثقافته وحقه، والقضاء على روح مقاومته، لإبقاء المصالح الاقتصادية والسياسية قيد السيطرة والاستقرار.

فما لا تقوله تحقيقات استشهاد شيرين عربياً، قاله الشاعر العراقي الراحل مظفّر النواب:

" ما أوسخنا ... ما أوسخنا ... ما أوسخنا

ونكابر".

 

كاتب وشاعر عربي من السعودية