En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

في الأيام القليلة الماضية انفجر الجدل حول فيلم أميرة الذي يشوه قضية "أطفال الحرية". ورأينا دفاع بعض المتهافتين على رضا الولايات المتحدة، وعلى القيم الليبرالية المزعومة، عن الحق المزعوم لصناع الفيلم لكي يتخيلوا ما يشاؤون على حساب قضايا شعبنا

أحمد ضياء الدين دردير

أيام مائعة: ما بين فيلم أميرة وترحيل جوليان أسانج

في الأيام القليلة الماضية انفجر الجدل حول فيلم أميرة الذي يشوه قضية "أطفال الحرية". ورأينا دفاع بعض المتهافتين على رضا الولايات المتحدة، وعلى القيم الليبرالية المزعومة، عن الحق المزعوم لصناع الفيلم لكي يتخيلوا ما يشاؤون على حساب قضايا شعبنا (لست بصدد الحديث عما إذا كان في الفيلم إبداع أم لا؛ لست ضد مشاهدته ما دام ذلك من غير الطرق الرسمية، ولكن يبدو مما سمعت عن الفيلم أنه يفتقر إلى الإبداع وأن فكرته الصادمة لا تعدو أن تكون اجتراراً لنمط مكرر ألبسه المخرج ثياياً جديدة لجذب جمهور المهرجانات الأجنبية؛ هذه تفصيلة قد تستحق الاستفاضة لكنها ليست موضوعنا. ما يعنيني في هذا المقال هو الحق المزعوم في النيل من قضايا شعبنا بذريعة حرية الرأي).

وصلت السفاهة بأحد المشاهير من أصدقاء المخرج (لن أشير لأي منهما بالاسم لكي لا أدنس المقال أو أمنحهما شهرة لا يستحقانها) بالقول بأننا لم نر الأمريكيين يتهمون الأفلام التي تنتقد دخولهم إلى العراق أو فييتنام بأنها تسيء إلى الولايات المتحدة. بالإضافة إلى سذاجة ليبرالية الأطراف التي تظن المركز الإمبراطوري جنة الحقوق والحريات، فإن هذه المقولة الساقطة تساوي ما بين بطولة شعبنا المقاوم وما بين جرائم الإمبراطورية.

وفي نفس هذه الظروف وخلال الأيام نفسها، جاءنا كالصاعقة خبر قرار المحكمة البريطانية الموافقة على ترحيل جوليان أسانج إلى الولايات المتحدة؛ الولايات المتحدة التي خططت من قبل لاغتياله، معنوياً من خلال حملة تشويه منظمة تعاون معها فيها رفاقه القدماء وصحفيو الغارديان، ثم جسدياً من خلال عملية مخابراتية لم تكتمل؛ الولايات المتحدة حيث عُذبت تشيلسي ماننج على مدى تسعة أعوام حتى حاولت الانتحار مراراً، فقط لأنها سربت لجوليان أسانج وثائق تكشف جرائم الإمبراطورية. في نفس الوقت الذي يُطلَب منا أن نقبل النيل من مقاومتنا من خلال قصص باطلة ورخيصة، تُطارد الإمبريالية بكل السبل من يكشف حقيقة جرائمها.

الباطل يدافع عن نفسه بكل الوسائل (بما فيها الوسائل التي تتعارض مع ما يتشدق به هذا الباطل من قيم ليبرالية)؛ والحق مطلوب منه أن يتوارى وراء القيم الليبرالية وأن يقبل بأنه ليس سوى وجهة نظر ضمن وجهات نظر متعددة ومتساوية.

يوما ما قال معلمنا ناجي العلي "أخشى ما أخشاه أن تصبح الخيانة وجهة نظر". تعددت أشكال العمالة يا ناجي وبدلاً من العمالة المباشرة لأجهزة أمن العدو أصبحت هناك العمالة الطوعية لشبكات التمويل الأجنبي ولمعايير الأوسكار ونتفليكس، والتمويع الطوعي للقضية لتناسب ذائقة ليبرالية أجنبية تحب القضايا المائعة في هذا الزمن المائع.

أصبح الفنانون، من حيث يدرون أو لا يدرون، يخدمون المشروع الدعائي والنفسي للإمبراطورية الذي يريد أن يزرع في نفوسنا جميعاً الشك في قضيتنا؛ في نفس الوقت الذي تصبح فيه قضية الإمبراطورية قضيةً لا لبس فيها ويتعرض من يحاول  كشف حقيقتها إلى التشويه والتشكيك ومن ثم إلى الاعتقال والترحيل ومحاولات القتل والتعذيب النفسي.

تجاوزنا أن تصبح الخيانة وجهة نظر واليوم يريدون للحق أن يصبح مجرد وجهة نظر يا ناجي، أن يقدم نفسه بأدب، وأن يقبل بنسبيته ولا يفرض روايته أو يدافع عن نفسه.

لا يحضرني هنا، سوى صوت أحمد فؤاد نجم والشيخ إمام (اللذين عبرا عن صوت الشعب المصري من دون أن يتلوث بالتمويل الأجنبي أو محاولات نيل رضى شبكات التوزيع الأجنبية) يقول في حرقة:

"ده منطق العصر السعيد
عصر الزنوج والأمريكان

الكلمة للنار والحديد

والعدل أخرس أو جبان"

باحث وأستاذ جامعي مصري