Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

فيما نحن ندفن أحبّاءنا ونعتاد غياب مفقودينا ونرمّم بيوتنا، وفيما أهل السلطة يتساجلون في مستنقع دمائنا، وفيما لا يزال القاتل 'مجهولاً'"، هناك من لا ينتظر. لقد نزلوا إلى الأرض بعد أقلّ من أربعٍ وعشرين ساعة وبدأوا بالعمل، إذ لا يمكنك إلّا أن تشيد بنشاطهم وجهوزيّتهم، وبعد انفجار مرفأ بيروت كان مشهد انتشارهم على الأرض متوقّعاً جدّاً. الموقف الشعبيّ من المنظّمات غير الحكومية ينقسم إلى شقّين: هناك من يرى فيها ملاذه الوحيد في ظل غياب الدولة أو تغييبها لصالح القوى النافذة، وهناك من يرى فيها تهديداً لا ينقطع وشيطاناً لا يصدر عنه خير. والحقيقة برأيي ليست هنا أو هناك، فلا نحن نعيش في كوكب زمرّدة لنأمن مصالح الدول من حولنا ولا الأخلاق والإنسانية تبيحان لنا طرد من يقدّم العون لشعبنا دون بيّنة، خاصّةً في ظلّ قصور وتقصير الدولة وأحزابها في كفاية الناس."

حسين عمار

سباقٌ على الفراغ

"

 

 
فيما نحن ندفن أحبّاءنا ونعتاد غياب مفقودينا ونرمّم بيوتنا، وفيما أهل السلطة يتساجلون في مستنقع دمائنا، وفيما لا يزال القاتل "مجهولاً"، هناك من لا ينتظر. لقد نزلوا إلى الأرض بعد أقلّ من أربعٍ وعشرين ساعة وبدأوا بالعمل، إذ لا يمكنك إلّا أن تشيد بنشاطهم وجهوزيّتهم، وبعد انفجار مرفأ بيروت كان مشهد انتشارهم على الأرض متوقّعاً جدّاً. الموقف الشعبيّ من المنظّمات غير الحكومية ينقسم إلى شقّين: هناك من يرى فيها ملاذه الوحيد في ظل غياب الدولة أو تغييبها لصالح القوى النافذة، وهناك من يرى فيها تهديداً لا ينقطع وشيطاناً لا يصدر عنه خير. والحقيقة برأيي ليست هنا أو هناك، فلا نحن نعيش في كوكب زمرّدة لنأمن مصالح الدول من حولنا ولا الأخلاق والإنسانية تبيحان لنا طرد من يقدّم العون لشعبنا دون بيّنة، خاصّةً في ظلّ قصور وتقصير الدولة وأحزابها في كفاية الناس. 
في مطلع شهر آب أعلن مؤتمر المانحين لدعم لبنان تلقّيه تعهّدات من حوالي 30 دولة حول العالم بصرف قرابة 300 مليون دولار أميركي على شكل مساعدات إغاثية فورية، فيما تُقدّر قيمة الأضرار بحوالي 15 مليار دولار أميركي.
لن تكون هذه المبالغ مشروطة بإصلاحات كما أعلن مكتب الرئيس الفرنسي، في حين صرّح هذا الأخير تلقّيه تعهدّات أخرى بمبالغ أضخم وعلى المدى الطويل، تنتظر التغييرات التي يُفترض أن تجريها السلطات اللبنانية، وهذا ما قد يفسّر الرقم الهزيل نسبةً لتقدير الخسائر. لا ثقة بهذه السلطة، لن ينال لبنان مجدّداً "شيكات على بياض"، لذلك ارتأى المجتمع الدولي صرف الأموال تحت إشراف الأمم المتحدة وعبر مؤسسات المجتمع المدني لا تسليمها للحكومة اللبنانية. إنّ هذا الإعلان هو اعترافٌ ضمنيٌّ بتواطؤ المجتمع الدولي القديم مع السلطة اللبنانية، تواطؤٌ حمل إلى جيوب زعماء الأحزاب وحيتان المصارف مليارات الدولارات وحمّل خزينة الدولة عبئاً لا يمكن أن ينحسر قبل أجيال. ما الذي تغيّر اليوم؟ هل سقطت الحكمة على رأس الولايات المتحدة وفرنسا وسواها فجأةً؟ أمّ أنّ متغيّراً سياسيّاً دفع لهكذا خطوة؟ كلّها أسئلةٌ يجب أن تُطرح الآن، في اللحظة التي ينوي فيها أولئك الاستثمار في الكارثة، إذا كانت السلطة اللبنانية أمعنت في الإجرام الاقتصاديّ بحق شعبها فهناك من كان يمدّها بالهواء طيلة عقود، وهو أيضاً جديرٌ بالمساءلة. لو كانت النوايا صادقة والقضية مسألة ثقةٍ لا أكثر، أليس بإمكان الأمم المتحدة الاتفاق مع الحكومة اللبنانية على صيغة للإشراف الدقيق على صرف المساعدات بعد تفويضها من قبل المانحين؟ أمّ أنّ متابعة عشرات الجمعيّات بات أسهل وأكثر ضمانةً؟ المانع ليس تقنيّاً بالتأكيد.
 
لماذا المجتمع المدني؟
إنّ أغلب الأحزاب اللبنانية باتت لا تملك اليوم سوى الوقوف على الأطلال، ترفع شعاراتٍ عفى عنها الزمن وتُقدّم لجمهورها قضايا مستوردة ما عادت تلبّي طموحاته وتواكبها، خاصّةً فيما يتعلّق بجيل ما بعد التحرير. فأمست غير قادرةٍ على تعويض سوء أدائها السياسي وشحّ الموارد والتقديمات جرّاء العطب الذي أصاب المنظومة السياسية والاقتصادية اللبنانية ككلّ. يظهر هذا التحدّي جليّاً لدى الفئة الشابّة من المحزّبين، الذين وجدوا أنفسهم مضطرّين للدفاع عن قضايا لم يخوضوا فيها أيّ معركةٍ ولو بسيطة، فجلّ هؤلاء لم يشارك في حمل السلاح ولا في الهتاف ضمن تظاهرةٍ مطلبيّة ولا في أيّ حركةٍ احتجاجيةٍ من أيّ نوع. ببساطة، إنّ هؤلاء الشباب يكادون لا يجدوا داخل أحزابهم ما يروي عطشهم الثوريّ الفتيّ ولهفتهم لتحقيق أيّ إنجازٍ يشبه أيديولوجيّتهم، لم تعد قياداتهم قادرةً على منحهم سبباً ليحدّثوا من يأتي بعدهم: في عمركم فعلنا كذا وهزمنا كذا وبذلنا هنا وضحّينا هناك... خلقت هذه الثغرة فراغاً لن يبقى على ما هو عليه، إنّها كيمياء السياسة: لا شيء يتغيّر، لا شيء يضيع، كل شيء يتحوّل. أضف أنّه، وبمعزل عن الجماهير، لقد أثبت قادة الأحزاب الموالين للمحور الغربيّ فشلهم في خدمة أجندات ذاك المشروع، فلا سلاح المقاومة تمّ نزعه، ولا المقاومة ضَعُفَت، ولا استطاعوا تقديم أي مكسبٍ سياسيٍّ حقيقيٍّ يقلب موازين القوى المحليّة بشكلٍ مؤثّر.
 
بالعودة إلى الفراغ، لو أنّ الوضع السالف الذكر كان على غير حاله اليوم، لكان هناك فرصةً أمام الإدارة الأميركية لدعم حلفائها في استقطاب الفراغ واستيعابه. لكن يبدو في قراءة بعض المؤشرات – آخرها شكل زيارة الرئيس الفرنسي وتعامله مع رؤساء الأحزاب والتيارات – أنّ فرنسا وأميركا والسعودية بشكلٍ أساسيّ لديهم النيّة في تنويع الخيارات أكثر بدءًا من هذه الجولة. هذا التنويع سيكون على حساب الأحزاب التقليديّة بطبيعة الحال، لكن ليس لدرجة قطع الماء عنهم، فهم ما يزالون لغاية اليوم قادرين على تأدية الحد الأدنى من الدور المرجوّ منهم، وهو منع السيطرة الكاملة للمقاومة وحلفائها على الساحة السياسية الداخلية، إضافةً لكونهم ولغاية اللحظة يمثّلون أغلبية الشعب اللبناني، لا كما يزعم بعض الحالمين ممّن حمّستهم ليالي انتفاضة تشرين. فما المانع إذاً من الاستثمار في أحصنةٍ متفرّقةٍ تمتلك رفاهية الوقت والتجربة لاختراق المشهد الاجتماعيّ أولاً والسياسي تالياً، إلى حين ظهور تيّارٍ جديدٍ قادرٍ على النهوض بمشروعٍ بديل؟ وعلى الهامش، قد لا تكون (حركة مواطنون ومواطنات في دولة) هي ما يتطلّع إليه أولئك لاعتباراتٍ عديدة، أبرزها شخص أمينها العام الوزير السابق شربل نحّاس الذي يرفض رفضاً قاطعاً أن يكون جزءاً من صراع المحاور، لكن كما نشأت هذه الحركة من رحم الفراغ فقد تنشأ أخرى أكثر ملاءمةً لتطلّعات الاستكبار العالميّ، إذ أنّ الفراغ يكفي ويزداد اتّساعاً.
 
هذا هو ميدان المجتمع المدنيّ، الذي لا يحتاج فيه إلى سيرةٍ ذاتيةٍ عريقةٍ ولا لأيديولوجيا مقنعة ولا لمشروعٍ واضح المسار. يكفي أن تخلق مساحةً يحتاج إليها الناس، فيحضروا إليك، ثم بعدها تخبرهم بما تريد. في تعريفٍ واضحٍ لنهج المجتمع المدنيّ يقول دون إيبرلي في كتابه "نهوض المجتمع المدني العالمي": "إنّ احتضان المجتمع المدني يقدّم طريقاً محتملاً من المساعدة التقليدية إلى تنمية بشرية مستدامة قائمة على أساس المجتمع. فيتمّ توجيه المساعدة أكثر إلى بناء مجتمعات ودول صحية بدلاً من توجّهها إلى معالجة أعراض الفقر. كما أن بإمكان البرامج الاجتماعية التي تتضمن مبدأ المشاركة أن تساعد في تنمية مهارات سياسية بين الفقراء. وبعبارة أخرى، فإنّ نهج المجتمع المدني يعزّز التمكين الاقتصادي والسياسي معاً، مرسخاً قوى الديمقراطية والحرية في جميع أنحاء العالم". ألّف إيبرلي كتابه هذا ليقدّم رواية أميركا حول المجتمع المدني، حتى في نقده لأداء الإدارة الأميركية كان رحيماً، لا بل أنّه اختار عنواناً ثانوياً للكتاب: الرحمة بوصفها أكثر صادرات أميركا أهمّية. لذا، عندما يقول هذا الرجل بأنّ المجتمع المدنيّ يلعب دوراً سياسياً، تصبح هذه من المسلمّات، مع الاعتذار من الذين يعتقدون بأنّ المنظّمات غير الحكومية ومؤسسات المعونات آتيةُ لإصلاح النوافذ وترميم المنازل وتوزيع المغلفّات الملآى بالدولارات فقط. ناهيك عن حقيقةِ التزام الجمعيات بوعودها بتقديم المساعدة، إذ بدأنا نسمع أصواتاً من داخل الأحياء المنكوبة وتلك المتضرّرة تشكو عدم الشروع بتنفيذ الوعود التي تلقّاها الناس من مندوبي المنظمات والجمعيات أوّل أيّام الكارثة. لست هنا بوارد كتابة نقدٍ شامل ولن أناقش حتى بمستوى الفاعليّة والاستنسابيّة، لكنّي أشعر بضرورة تسجيل تحفّظي على قراءة هذا التوصيف دون اعتبار المعايير. نعم أنا أبحث عن العدالة الاجتماعية في بلدي وأنشدها ليل نهار، لكن هل أبحث عنها بالمعايير الأميركية أو الفرنسية؟ أو حتى السعودية والقطرية؟ هل أطلب العدالة الاجتماعية والازدهار الموجودَيْن في هاييتي وأفريقيا وأفغانستان؟
 
في بلادنا، هناك قضايا استراتيجيّةً لا يمكن للمجتمع المدني تخطّيها ولو على حساب مهامّه الأساسية. في كتابه "المجتمع المدني: النموذج الأميركي والتنمية في العالم الثالث"، يقول هوارد وياردا في سياق شرحه لعوائق تحقيق المجتمع المدنيّ للتنمية المستدامة: "عندما يحدث تعارضٌ بين الأمن (السلام في الشرق الأوسط) والجوانب المتعلّقة بالدمقرطة في سياسة الولايات المتحدة، فإنّ الجانب الأمنيّ يعلو كلّ ما عداه، وغالباً ما يكون ذلك في غير صالح الديمقراطية". حتى العمل السياسيّ المخطّط له – أي نشر الديمقراطية الأميركية - قد لا يعود ذا أولويّةٍ إذا ما اصطدم بالمصالح الاستراتيجية الثابتة. يعود ويؤكّد وياردا تلك المصالح في الصفحة التالية عبر تسمية بعضها: السلام، البترول، إسرائيل. يبدو وكأنّنا نتحدّث هنا عن نتيجةٍ معروفةٍ مسبقاً، إلّا في حال قرّرنا التخلّي عن فكرتي المقاومة والسيادة! 
 
إنّ مشكلتنا مع النظام الذي يحكمنا هي مشكلتنا نحن، نريد أن نحلّها بأنفسنا، نريد أن نفشل ثم نحاول ثم نفشل ثم نحاول من جديدٍ ونعيد الكرّة حتى نبلغ ما نريد. لا تعنينا القوالب الجاهزة التي أثبتت حقارتها في غير بلد، إذا كان هناك شيءٌ مّا يعنينا في اهتمامكم بأرضنا وشعبنا، هو أن نؤكّد المؤكّد عند كلّ تصريحٍ لوزير خارجيّةٍ أو سفير انتدابٍ أو مندوب استعمار بأنّ ماءنا لنا ونفطنا لنا وغازنا لنا وحدودنا لنا! نحن نختار موقفنا من فلسطين وسوريا، ولا يد تؤلمنا لتمسكونا بها، ثمّ بعد ذلك أهلاً بالمعونات. 

 

"

كاتب لبناني