Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

'هذا حدث مهمّ للغاية، يبدو الأمر مشابهاً نظرياً لما حدث في آب 1945، استخدم أحدهم سلاحاً جديداً بالكامل لإحداث دمار'"، هكذا يعلّق مايكل هايدن على حادثة STUXNET الشهيرة."

حسين عمار

حرب السايبر ما بعد الحاج قاسم سليماني

"

"هذا حدث مهمّ للغاية، يبدو الأمر مشابهاً نظرياً لما حدث في آب 1945، استخدم أحدهم سلاحاً جديداً بالكامل لإحداث دمار"، هكذا يعلّق مايكل هايدن على حادثة STUXNET الشهيرة.

الجنرال مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن القومي الأميركي من عام 1999 حتى عام 2005، لا شكّ وأنّه يعرف تاريخ الولايات المتحدة الأميركية تمام المعرفة ويدرك تمام الإدراك ما ينتظرها من تحدّيات، يضع استهداف المفاعل النووي الإيرانيّ – بهدف تعطيله أو تدميره جزئيّاً -  بنفس المرتبة مع حادثة إلقاء قنبلةٍ ذرّيةٍ على هيروشيما نهاية الحرب العالمية الثانية. وجه المقارنة هنا لا يمكن أن يكون في الأضرار المباشرة. بالنسبة للدول المتصارعة ولمهندسي عالم ما بعد الحرب، ما يهمّ أكثر من المئة ألف قتيلٍ وأنقاض مدينةٍ كاملةٍ هو: "كيف تمّ ذلك؟". السلاح النوويّ دخل حيّز الفعل، قام بالقتل والتدمير، لقد أصبح حقيقةً يجب التعامل معها. عام 2010 أيضاً، انتقل سلاح السايبر من مرحلة تهكير الحسابات وسرقة الأموال والحقوق الفكريّة وتعطيل واختراق الأجهزة الإلكترونية إلى مرحلة إصابة وتدمير أهدافٍ عسكريةً واستراتيجيّة. وبمعزلٍ عن حجم تصنيف الهدف، فإنّ برنامج STUXNET بذاته يُعتبر فيروساً ضخماً ونوعيّاً، يقول إيريك شيان المدير التقني في شركة SYMANTEC: "بلغ حجم STUXNET أكبر 20 مرة من حجم أيّ فيروس آخر شاهدناه!".

شرح تقنيّ مبسّط لما جرى، ستظهر لكم ضرورة معرفته تباعاً: يقوم البرنامج المعدّ للتخريب بالانتقال تلقائياً من الوسيط الذي تم تخزينه عليه، ثم يبدأ بالبحث عن أي جهازٍ يحمل نظام Siemens SIMATIC Step7 الألماني، هذا النظام يقوم بتشغيل وإدارة ما يعرف بـ Programmable Logic Controllers - PLC، الـ PLC تؤمّن بدورها وظائف الكثير من المعدّات والأجهزة التقنيّة المعقّدة، مثل: المعامل الكيميائية، خطوط أنابيب الطاقة، مصانع الجمع والتركيب، أجهزة الطرد المركزية وغيرها. هذا الجهاز الصغير موجودٌ في أغلب الأحيان حيث توجد وظائف تقنيّة صعبة، ويمكن اعتباره هدفاً ثميناً لأيّ هجوم سيبرانيّ. بعد أن تمّ إطلاقه، خرّب STUXNET حوالي 200 ألف جهاز حول العالم، و14 منشأة صناعية في إيران، وعطّل 984 جهاز طرد مركزي في مفاعل "نتانز" خلال خمسة أشهر وفقاً لتقرير تشرين الثاني – 2010 الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

أدخل ذلك الهجوم إيران في قلب المعركة، ووجدت نفسها أمام سؤالٍ كبير: كيف يمكن ردم الفجوة مع القدرة السيبرانية الأميركية؟

ولا بدّ هنا من إجراء تشريحٍ سريعٍ لموازين القوى بين الطرفين في هذه الحرب الذكية:
تنطلق الإدارة الأميركية في مشروعها من فكرة الاقتصاد المفتوح أو السوق العالميّة الموحّدة، على أن تكون هي المسيطرة. هنا تكمن قيمة العولمة حيث تنكشف لنا في شتّى المجالات، فأميركا ترى العالم متجراً واسعاً، وكلّ ما فيه من سلعٍ يجب أن يُتداول بعملتها – بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشر - وتحت نظرها. وكما هو معلوم، فإنّ الكيان الأميركيّ العميق لا يقتصر على المؤسستين العسكرية والسياسية فحسب، بل يشمل كبرى الشركات الاقتصادية والأمنية والتسليحيّة، التي ترسم بدورها جزءاً لا يستهان به من سياسات الإدارة الأميركية وتؤثر في قراراتها أيّما تأثير. هذا الفرع من الدولة العميقة هو المعنيّ بإدارة السوق العالميّ، لذا فهو يحتاج لأن يبقى متّصلاً فيه على الدوام، أضف إلى ذلك ارتباطه الوثيق بالمؤسسة الأمنيّة، نفعاً وانتفاعاً. بناءً على ما تقدّم، يمكن القول بأنّ الحاجة الملحّة لدى الشركات للحضور داخل السوق، تجعل من "دولة" الولايات المتحدة هدفاً دائم الحضور أيضاً، بمعزل عن إمكانية الوصول إليه. أستشهد هنا بكلامٍ لإدوارد سنودن، الموظف السابق في وكالة الأمن القومي والعميل السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، الذي سرّب في العام 2013 تفاصيل عن برنامج يقوم بالتجسّس على نطاق عالمي لصالح الـ
NSA، يقول سنودن: "الدفاع عن أنفسنا أمام الهجمات التي تتم عبر الانترنت أهم بكثير من قدرتنا على شنّ الهجمات. لأنّنا - عندما يتعلق الأمر بالإنترنت وباقتصادنا التقني - لدينا ما نخسره أكثر من أيّ أمّة أخرى على هذه الأرض. لذا لا يجدر بنا جعل الانترنت منطقة عدائية وعدوانية أكثر، بل يجب أن نجعله محيطاً موثوقاً وآمناً".

في مقابل شبكة المصالح المعقدة والواسعة تلك، نرى منظومةً موحدة منسجمةٌ على المستوى الرؤيوي والاستراتيجي قادرةً على إدارة خلافاتها دون جنون. المنظومة الإيرانية لم تترك لأعدائها كثيراً من الأذرع خارج نطاق سيطرتها المحكمة، بل من الأجدر القول أن أعداءها ساعدوها على إنشاء أذرعها قريباً من الرأس، وذلك بفعل الحصار القديم المستمر. وإذا كان المعسكر الأميركيّ قد راهن بذلك على دفن إيران في بئر التخلّف وقَتْلِ أيّ احتمالٍ لديها للّحاق بركب التقدّم التقني والنووي، فقد لمس خيبته في ماضٍ ليس بقريب. لكن  يبقى الفارق في الموارد والمقدّرات هائلاً بين الطرفين، وإذا ثبت أنّ حادثة مفاعل نتانز الأخيرة هي هجوم سيبرانيّ وليست عملية تخريبٍ مباشرٍ في الموقع، أو حادثٍ عرضيٍ نتيجة خللٍ في اجراءات الأمان أو ما شابه، فهذا يعني أنّ أميركا – أو "إسرائيل" – قد دخلت من نفس الباب الخلفيّ الذي دخلت منه عام 2010، حين استهدفت أنظمة الـ PLC في المفاعل عبر STUXNET، لكن هذه المرّة ببرنامجٍ آخر. وهذا يعني أنّ إيران ما زالت غير قادرةٍ على منع استهدافها في نقطةٍ هي تعرفها. قد يكون هذا طبيعيّاً من الناحية التقنيّة نظراً لصعوبة الحفاظ على السيطرة الوقائية طوال الوقت، لذا ستجد إيران نفسها أمام خيار الهجوم المضاد كوسيلةٍ للدفاع، يبقى أن نسأل: هل تملك إيران القدرة على الهجوم؟

خلال مشاهدتي لمقابلة أمين عام حركة الجهاد الإسلامي زياد النخالة التي أجراها بتاريخ 19/7، لفتني طرحه لمسألة توازن القوى، حين أتى على ذكر "فنّ الممكن" وسأل مستنكراً كيف لهذه الدول العربية بكلّ طاقاتها ومقدّراتها البشرية والاقتصادية أن لا تستطيع خلق "ممكن" يمكن الدفاع عنه؟ استناداً على النخالة، نرى أنّ هذا بالضبط ما فعلته الجمهورية الإسلامية الإيرانية فيما يخصّ صراعها السيبرانيّ مع الولايات المتحدة الأميركية. حادثة STUXNET كانت بوّابة الدخول في مرحلة صناعة الممكن، تمهيداً لبلوغ الفاعلية الحقيقيّة وإعادة تشكيل موازن القوى. بعد عامٍ واحدٍ فقط استطاع الجيش الإيراني إسقاط طائرة استطلاع حربي تابعة للجيش الأميركي من طراز RQ-170 كانت قد دخلت الأجواء الإيرانية، لقد بدؤوا من تحت الصفر، لكن اتساع رقعة الاستهداف المحتملة للأمريكي منح إيران رافعة مهمة، إلى أن حانت شهادة الحاج قاسم سليماني التي أعلنت بداية زمنٍ جديد.

منذ بداية العام 2020، بتنا نشهد مستوىً متطوراً من الجهمات السيبرانية على محور الولايات المتحدة – "إسرائيل"، تطورٌ من ناحية تصنيف الهدف، القيمة المادية للأضرار والأهم من ذلك كله الدلالة الاستراتيجيّة. فبعد أن كانت تلك الهجمات تستهدف مؤسّسات ماليّة وتقنيّة وإعلامية خاصة وأهداف أخرى ذات أهميّة متواضعة نسبياً (عملية إسقاط الطائرة كانت دفاعيّة بامتياز ولا تندرج ضمن هذا السياق)، بدأنا باكتشاف بنك أهدافٍ استراتيجيّ. في العمليتين الأبرز مؤخراً نجد هدفين هما: البارجة الأميركية الحربية USS Bonhomme Richard التي ظلّت تشتعل لأربعة أيّامٍ في سان دييغو، إضافة لاختراق شبكة المياه والصرف الصحي في الكيان المحتلّ. الهدف الأوّل أصاب سلاح البحرية الأميركيّ، الإبن المدلل للأمبراطورية، وبحسب التقديرات فإن البارجة المتضررة تبلغ فيمتها 761 مليون دولار أميركي. أمّا في حال عدم القدرة على إعادتها للعمل فإنّ كلفة استبدالها ستبلغ قرابة 4 مليار دولار. الهدف الثاني أصاب العمق الاستراتيجيّ للدولة الصهيونية؛ البنية التحتية. بالعودة إلى المقارنة التي أوردتها عن هايدن في مطلع المقال، يجوز أيضاً أن نقارن استهداف شبكة المياه بأوّل صاروخٍ نزل على حيفا بداية حرب تمّوز 2006، بشرط أن يقتنع الإسرائيلي بأنها لم تكن ضربة حظ وأن من فعلها مرة قادرٌ على فعلها مرة أخرى. من الجيّد في مثل هذه المسائل التخلي عن الواقعية وهوس الحقائق بعض الشيء، فلا أحد فينا يملك دليلاً على وقوف الجيش الإيراني أو قوّة القدس مثلاً خلف هذه الهجمات، ولا أحد فينا يدرك حقيقة القدرة الإيرانية في هذا المجال. ما بين أيدينا ليس سوى مؤشرات وتحليلات. في هذا النوع من الحروب، يتجنّب الطرفان التبنّي غالباً والاتهام كثيراً، لعدّة أسباب منها عدم إلزام الطرف الآخر بالردّ أو تركه في حيرةٍ من أمره أو تفادي تحشيد الرأي العام الدولي ضدّه. لكن، حين ينسب العدو فضل الهجوم لإيران، فهو يقرّ بقدرتها على الفعل، وهل تحتاج أكثر من ذلك لتشكيل موازين القوى وصناعة الممكن!

"

كاتب لبناني