Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

في كلّ أربعين ثانية، يقف رفائيل آخر من جنسية أخرى في مكانٍ ما من العالم ، يلقي حمله بين ذراعي حبلٍ، ويصفق له العابرون وقوفاً خلف جدران صفحاتهم. يهللون فخراً ، ينهون مراسم 'العزاء'" ثم ينتقلون بكلّ برودٍ لنسخ نكتة سمجةٍ من جدار آخر، ويبحثون عن فرصة جديدة للتصفيق."

فائقة مزرعاني

الانتحار.. حين يصفّق الجمهور

"

وقف رفائيل شوماشر (27 عاماً، إيطالي الجنسية) على الكرسي العتيق، تمتم بضع كلمات، لفّ الحبل المتدلي من جذع الشجرة حول عنقه، ركل الكرسي بطرف أصابع قدمه، فتدلّى رأسه معلناً استسلامه.

وقف الجميع في القاعة مصفقاً للأداء المقنع، البعض يمسح دموعه والبعض الآخر دون همس، فيما دوي التصفيق المنتظم كقطرات ماء هاربة من صنبور مكسور كانت تزلزل القاعة الحمراء.

وحده طبيب كان في المسرح استطاع تمييز وجه الفتى المتشنّج، معلناً أنه بصدد الانتحار الفعلي، بعيداً عن زيف التمثيل.. حاول إنقاذه لكن شوماشر ما لبث أن توفي لاحقاً في المستشفى.

رفائيل هذا ليس أوّل المنتحرين على خشبة المسرح، إلا أنّ حظه لم يكن كحظ سيميون (بطل مسرحية المنتحر، تأليف نيكولاي إردمان، وإخراج إبراهيم المهدي) الذي تكالب عليه المجتمع الفني، محاولاً الاستفادة من يأسه ورغبته في الانتحار لتحقيق الأرباح، لكن سيميون عاد وتراجع حين خاض جدال الموت والحياة.

ينص القانون الثالث لنيوتن على أن كلّ فعلٍ يستوجب ردّ فعل. على أنّ ردّ الفعل هوغالباً تساوي قوة الفعل نفسه لكن معاكس له في الاتجاه. وبالتالي فإن ردة فعل المجتمع على فعل "الموت"، يوازي قيمة هذا الفعل في محيطه. هذا في زمن كان للموت حرمته.

وحدها مواقع التواصل الاجتماعي التي فتّتت كل حرمة، وعقرت المجتمع في أقدس قيمه، جعلت الموت لحظة عابرة، ينبهر بها الجمهور خلف الشاشات مطلقاً تهليله للـ"الشجاع"  و"البطل" في قراره الجريء ، مصفقاً للجسد الفارغ الذي يتهادى بصمتٍ لا قوة له على الردّ.

يعتبر جويز توماس في كتابه "أساطير حول الانتحار"، أنّ أحد معايير وأسباب الانتحار هو فقدان الشخص للرابط  بينه وبين المجتمع من حوله، سواء كانوا أصدقاء أو أقرباء.

وتقول تقارير الشرطة أن معظم الأشخاص المقدمين عن الانتحار، لم يقاوموا أثناء عملية إنقاذهم، أي بمجرد مدّ يد العون لهم .

هؤلاء المصفقون وجلّهم ممن عرف "الضحية"، كانوا عمياناً لدرجةٍ لم يرووا وحدته. كان الجدار المبني بينهم كبيراً لدرجة لم يكلّفوا أنفسهم عناء نزع قناع الابتسامة. كانوا مجرّد معارف أسقطت أقنعتهم أحرفهم اللزجة التي صُفّت بترهّلٍ ناعيةً "بفخر" شريكاً في الأماكن واللقاءات، بينما لم يكن عندهم الجَلَد الكافي ليمدوا يدهم يوماً لانتشاله من بؤرة الحزن.

في كلّ أربعين ثانية، يقف رفائيل آخر من جنسية أخرى في مكانٍ ما من العالم ، يلقي حمله بين ذراعي حبلٍ، ويصفق له العابرون وقوفاً خلف جدران صفحاتهم. يهللون فخراً ، ينهون مراسم "العزاء" ثم ينتقلون بكلّ برودٍ لنسخ نكتة سمجةٍ من جدار آخر، ويبحثون عن فرصة جديدة للتصفيق.

في مشهد من مسلسل كرتوني شهير يدعى "المتحولون" (Transformers) ، تقف ساري الفتاة الصغيرة أمام جثة صديقها الآلي تبكيه، يتقدم منها آليّ آخر يخاطبها: ساري هناك تسرّب يخرج من عينيك، تجيبه ساري : هذا ليس تسرباً، نحن البشر نسميه بكاءً، يصيبنا حين نحزن على فقدان صديق أو حبيب. أنتم الآليون تتسربون.

أيها المهللون : أوقفوا تسربكم!

"

كاتبة ومترجمة لبنانية