Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

كاتب هذا النص لا يأخذ بعين الاعتبار قيم الغرب ولا مقدساته. كما أنه لا يتعبد بمقولات حقوق الإنسان ولا بالمؤسسات الدولية ولا حتى بشرعة حقوق الإنسان. والكاتب أيضاً لم يتأمل يوماً بضمير المجتمع الدولي ولا بمؤسساته الحقوقية. لذا، بإمكان المؤمن بأي من المفردات الآنفة الذكر الإعراض عن هذا النص، أو إدانته والاعتراض عليه من قبل أن يقرأه

بشار اللقيس

بيان إرهابي

تنويه:

كاتب هذا النص لا يأخذ بعين الاعتبار قيم الغرب ولا مقدساته. كما أنه لا يتعبد بمقولات حقوق الإنسان ولا بالمؤسسات الدولية ولا حتى بشرعة حقوق الإنسان. والكاتب أيضاً لم يتأمل يوماً بضمير المجتمع الدولي ولا بمؤسساته الحقوقية. لذا، بإمكان المؤمن بأي من المفردات الآنفة الذكر الإعراض عن هذا النص، أو إدانته والاعتراض عليه من قبل أن يقرأه. فالنص موجه أصلاً "للإرهابيين"، ويتمنى أن يصل إليهم في العالم أجمع، وكاتب هذا النص يغبط هؤلاء على ما هم فيه من انسجام وهدوء وعزيمة، وهو يعتبرهم إخوة له "وإن أخطأوا". فهم بشر بالمحصلة، يصيبون ويُخطئون، وهذا كل ما في الأمر.ا

***

في نقده الاستعمار يتوقف أشيل مبيبي عند مسألتين لم يوفِّهما فرانس فانون حقهما برأيه: إنتاج الرغبات والاستيهامات لدى المستعمَر، وممارسة عنف الجهل/ التجهيل له. بالنسبة لمبيبي، يدير المستعمر الرعب والفساد من خلال تحوير مفهومَي الخطأ والصواب. فهو يُنتج أشياء لا يقدر المستعمَر على نسيانها لذهوله بها. الاستعمار آلة مدهشة، والذهول وتدفق الرغبة شرط نجاحها. فالأخيران يعيدان إنتاج مفهومَي الخطأ والصواب، والأخطر، يعيدان تشكيل المخيلة.ا

أما عنف الجهل فقد تعمد المستعمِر استخدامه كآلية إخضاع. ينقل مبيبي في كتابه "نقد العقل الزنجي" عن ألكسيس دي توكفيل كيف أن الفرنسيين لم يكونوا يعرفون شيئاً عمن يستعمرونهم، "كانوا يجهلون اللغات والأجناس والقبائل التي تقطن المستعمرة (حتى أواخر القرن الثامن عشر)، وحتى البلد ذاته وديانته ومدنه ومناخه... وإحقاقاً للحق، لم تكن تهمهم معرفتها"،[1] فالمستعمرة ميدان قتال يعود النصر فيها للأقوى فقط. الفكرة في جانب منها مرتبطة بتمييز مبيبي بين المشاهدة والرؤية. يشاهد المستعمِر مستعمراته ولا يراها. والمستعمِر هو من يقرر ما هو مرئي وما هو غير مرئي. "يشترك الفعلان، شاهد ورأى، في تطويق ما يُرى أو ما لا يُرى داخل شبكات معنى معقدة للغاية". في التوزيع الكولونيالي للنظر يوجد على الدوام رغبة في تشييء، محو، تملك، أو حتى اغتصاب المستعمَر. باختصار للنظر الكولونيالي وظيفة حاجبة، تتمثل في سلطان القوة على أن ترى أو لا ترى، وهذا أعمق أنواع العنف. يمارس الغرب هذا النوع من العنف في كل مرة يستحضر خطاباً عن الإرهاب (أو شعوبنا). الإرهابي هو من ينبغي أن تشاهده ولا تراه، وأن تختزله بسمات مختصَرة، أسمر، غرائزي، همجي، لا أهل يفقدون غيابه ولا مجتمع يتبنى قضاياه (تُختصر كل تلك السمات عند وصفه بعبارة "ذئب منفرد"). بالأصل، تميل الرأسمالية لطرح الظواهر مختصرة بأشخاص أو سمات. "الرأسمالية ماكينة لعدم الإبصار، والعمى هو آخر أشكال التصنيع" يقول بول فيريليو. الكارثة أننا ورثنا نحن المستعمَرين منظار المستعمر في رؤيتنا لبعضنا البعض. ولسنا بحاجة إلى كثير من "أدبيات ما بعد الاستعمار" لاكتشاف الأمر. في المشرق العربي مثلاً، تعيد الطوائف إنتاج ذاتها والآخر وفق ذات الفهم العنصري الذي أصبغه "الأبيض على الزنجي". استيهامات الرجل الأبيض العرقية نعيد إنتاجها بحذافيرها في نظرتنا لبعضنا البعض. تستمد الطائفية، كما العنصرية، الكثير من أدبياتها مما يمكن أن نسميه "القلق الجنسي" أو "الغيرة الجنسية" (سبي العرض وهتك الحرائر مادة أصيلة في الخطاب الطائفي). فالطائفية فعل تخيّل وفعل تنكر/ تجهيل في نفس الوقت. والطائفية - كما العرق - لا تثير العاطفة وحدها، لكنها "تسخّن الدم" وتقود إلى ارتكاب أفعال وحشية. لذا ليس غريباً أن يكون "القتل خارج القانون" أول أفعال الحروب الطائفية، وأن يكون القتل خصائياً (كالتمثيل بالجثث واستئصال أعضائها الجنسية كما حصل في الحرب الأهلية اللبنانية والحرب السورية) سعياً لحماية النقاوة المفترضة لأبناء الطائفة وإبقاء الآخر عند مستوى موته الجسدي والرمزي.ا

الكارثة أن الأمر لا ينحسر بالطوائف فحسب. الإسلاميون عامة، مارسوا بحق بعضهم البعض نفس آليات التجهيل والاستيهام التي مارسها الخطاب الغربي تجاه المستعمَرين (بالأساس يعيد المستعمَرون النظر إلى أنفسهم بنفس منظار المستعمِر بعد أن يعيد الأخير تشكيل خيالهم السياسي). نفس استيهامات الإنسان الغربي تجاه "الزنوج" والمستعمَرين أسقطناها على بعضنا البعض. وبالمحصلة كان المستفيد من كل ما حصل كولونيالية الرجل الأبيض.ا

***

عشية الثاني من أيار/ مايو 2011، كان البيت الأبيض قد اتخذ قراره بتصفية الشيخ أسامة بن لادن. أطلقت المخابرات الأميركية آنذاك اسم "جيرونيمو" على العملية. جيرونيمو هذا، كان زعيم قبيلة الأباتشي، إحدى كبريات قبائل "الهنود الحمر" منتصف القرن التاسع عشر. التسمية التي أثارت حفيظة الجمعيات المؤيدة لحقوق السكان الأصليين كانت تختصر المنظور الأميركي لشعوبنا. نحن لسنا غير "هنود حمر" بحسب المنظار الأميركي، ومخطئ من يعتقد أن أسى يصيب الأميركيين عند مشاهدتهم إبادتنا. على العكس تماماً، إن مقارنة بين مواقف بايدن النقدية لسياسة نتنياهو في طوفان الأقصى ومواقف مارك توين (كاتب أميركي ساخر) مع يوليسيس أس غرانت، وزير الحرب الأميركي عام 1867، تؤيد ما نذهب إليه. كان اقتراح توين آنذاك على وزير الحرب جمع كل الهنود في مكان مناسب وذبحهم مرة واحدة وإلى الأبد. " لا يوجد شيء أكثر إقناعاً للهنود من مذبحة عامة. وإذا لم يكن ذلك ممكناً فإن البديل الناجع هو الصابون والتعليم. الصابون والتعليم أنجع من المذبحة المباشرة وأدوَم وأعظم فتكاً. فالهنود قد يتعافون بعد مجزرة أو شبه مجزرة، لكنك حين تعلم الهندي وتغسله فإنك ستقضي عليه عاجلاً أم آجلاً". (أليست هذه هي الخلفية الذهنية التي يتطلع من خلالها بايدن للفلسطينيين اليوم؟).ا

إن تاريخنا لا يتحقق بالمنظور الأميركي إلا باعتبارنا "مادة قابلة للإبادة". هذا هو بالتحديد "المعنى الإسرائيلي لأميركا". فأميركا منسوجة من لحم فكرة إسرائيل التاريخية (احتلال أرض الغير،  واستبدال شعب بشعب وثقافة بثقافة وتاريخ بتاريخ)، ومن عقيدة الاختيار الإلهي، والتفوق العرقي، وقدرية التوسع اللانهائي، وحق التضحية بالآخر.[2] ا

مرة أخرى، ليست "مشكلتنا" مع الولايات المتحدة، بل في تعاطينا نحن كشعوب مع ما تفرضه الولايات المتحدة من زاوية نظر ورؤى. ففي الوقت الذي تخوض أميركا حربها ضدنا باعتبارنا "هنوداً حمراً"، نتعاطى نحن - وهنا المشكلة - بنفس ما تعاطى السكان الأصليون/"الهنود الحمر" مع الاستعمار الأميركي. لم يخسر السكان الأصليون معاركهم مع الأميركيين لأسباب عسكرية بالضرورة. ففي كل معارك نهر باودر كمثال، بين القوات الفيدرالية الأميركية وقبائل لاكوتا، الشايان، وأراباهو، وسو (في ولايات مونتانا ونبراسكا وداكوتا الجنوبية) بين عامي 1865 و1876، كان النصر حليفاً للقبائل، وكانت المعارك أشبه بسلسلة متتالية من الهزائم القاسية للقوات الأميركية. غير أن الأميركيين غالباً ما كانوا يعودوا لينتصروا باستفرادهم بالقبائل واحدة تلو الأخرى، لا بالقتل بالضرورة، بل بوعود المكاسب ليس إلا.ا

***

 بعيد حرب "إسرائيل" على لبنان في تموز/ يوليو عام 2006، وجه الرجل الثاني – وقتها – في تنظيم القاعدة الشيخ أيمن الظواهري رسالة صوتية دعا فيها إلى تحالف الجهاديتين السنية والشيعية. نادى الظواهري آنذاك، بلغته، أبناء علي والحسن والحسين ليكونوا عضداً لأبناء صحابة رسول الله في صف واحد لقتال أميركا و"إسرائيل" (كان الظواهري وفياً في تلك الرسالة لمقولاته الأولى مرحلة الثمانينيات، عندما أعلن الحرب على الشيوعية والرأسمالية و"إسرائيل" و"أعوان الأخيرتين" في محكمة القاهرة سنة 1981). وبغض النظر عن مآلات تلك الدعوة ومؤداها، إلا أنها شكلت خروجاً عن نسق الخيال السياسي الذي ارتسم في منطقتنا منذ سقوط بغداد عام 2003 بيد الأميركيين. ومع علمي بالعقبات التي تعتري مثل هذه الأفكار أو المشاريع. ومع علمي أيضاً بصعوبة التجاوز النظري والعملي لـ"ربقة الإرهاب" ومفاعيلها (ومع علمي أيضاً بأن القارئ سيضمر تهمة الطوباوية أو فقر الخبرة السياسية، لي شخصياً، عند قراءة هذه السطور) إلا أن حاجة لا بد من أن يفرضها طوفان الأقصى على الأمة جمعاء. ومن الكارثة (أعلم أني استخدمت هذه العبارة كثيراً) استمرارنا بنفس النحو وذات الآليات التي حكمت منطقنا ما قبل 7 تشرين/ أكتوبر 2023. على الإسلاميون اليوم التعاطي بحد أدنى من المسؤولية الأخلاقية والسياسية، فإذا لم يكن إمكان النصرة لأهل فلسطين متحققاً، فإن إمكانية إيقاف مسلسل الدم العبثي في ما بينهم أمر لا يختلف عليه اثنان في كونه الحد الأدنى الذي يفي شهداء فلسطين حقهم. عجباً عجباً، تقاتلهم أميركا جمعاً ويقاتلونها شتى!، إنها لكارثة أخرى... وقد تكون الأخيرة.



[1]  أشيل مبيبي، نقد العقل الزنجي، ص 161.
[2]  راجع: منير العكش في "أميركا والإبادات الثقافية"، ص 9، 10.

رئيس تحرير صحيفة الخندق