Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

إن منطقتنا اليوم تخوض مواجهة باسم خمسة مليارات إنسان مستضعف في هذه الأرض. وعلينا أن نعي هذه المسألة بعيداً عن تحيزاتنا وتلاوين انتماءاتنا. ولنتذكر دائماً، إن رأس المال الاستعمار هش أكثر من أي يوم مضى، وهو أقل جرأة على مواجهتنا أكثر من أي يوم مضى. لا تصدقوا الأساطيل. صدقوا المستضعفين

بشار اللقيس

ولّعَت... هذا زمن المستضعفين

قُبيل ستة أشهر تقريباً، تحديداً مساء السادس والعشرين من تموز/ يوليو 2023، أذاع العقيد أمادو عبد الرحمن من سلاح جو النيجر البيان رقم واحد من على شاشة التلفزيون الحكومي. قال أمادو في البيان: "على الرئيس الفاسد محمد بازوم الاستقالة فوراً منعاً لإراقة الدماء، ودعا الدول الأجنبية الداعمة للرئيس إلى وقف التدخل في البلاد فوراً". الائتلاف السياسي الحاكم (التابع لبازوم) في النيجر ندد بالانقلاب ووصفه بالجنون، المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (إيكواس) أدانت الانقلاب أيضاً. البنك الدولي، الاتحاد الأفريقي، الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، كلهم أدانوا الانقلاب وهددوا بوقف المساعدات. فرنسا نفسها حركت مجموعة دول غرب أفريقيا – الإيكواس - من أجل التدخل العسكري. حاولت باريس طوال أشهر حشد الدعم والتأييد لخيار الدم. لكن المجلس العسكري، أقلّه أمادو عبد الرحمن وعبد الرحمن تشياني (قائد الحرس الرئاسي) ثبتا على موقفهما مستندين إلى تأييد الفقراء. في الثالث من آب/ أغسطس، أي في ذكرى استقلال النيجر، خاطب عضو المجلس العسكري الكولونيل إيبرو أمادو المحتفلين "الحُفاة" في ملعب نيامي قائلاً "إن النضال لن يتوقف حتى خروج آخر جندي فرنسي من النيجر... وأنتم من ستخرجونهم". أواخر عام 2023، ومع انسداد أفق الخيار العسكري أمام فرنسا وكلفته، أعلن ماكرون سحبه آخر جندي فرنسي عن أرض النيجر. هكذا ببساطة، رضخت فرنسا "لجنون" المجلس العسكري انتصرت نيامي بإرادة فقرائها ووطنييها من العسكريين.

لم تكن النيجر حالة فارقة في محيطها الأفريقي. قبل عام تقريباً، أي في 30 أيلول/ سبتمبر 2022، قاد ابراهيم تراوري، وهو شاب في مقتبل العمر من مسلمي قبائل الديولا، انقلاباً عسكرياً ضد نظام روك كابوري الفاسد في بوركينا فاسو. انقلاب تراوري كان واضحاً في ثوريته. "معركتنا ضد الإمبريالية طويلة وصعبة، لكنها ليست مستحيلة" قال تراوري في كلمة له في 12 آب/ أغسطس 2023، " إن المعركة التي نخوضها ليست فقط من أجل بوركينا فاسو، لكنها معركة من أجل إفريقيا بأكملها".

النماذج الانقلابية لم تكن وحدها من أعلنت تمردها على الاستعمار الأوروبي. قبل نحو خمسة أعوام وخلال زيارة نوربرت لاميرت (رئيس البرلمان الألماني السابق) إلى ناميبيا، وجه الرئيس الناميبي حاجي جينجوب كلاماً قاسياً للمسؤول الألماني الذي جاء مستنكراً الحضور الصيني في ناميبيا بالقول: إن ناميبيا سهّلت للألمان ومنحتهم تأشيرات الدخول إلى أراضيها، ومع ذلك لم تتغير نظرة الألمان لناميبيا، ولا يزال أبناء الشعب الناميبي يتعرضون لمضايقات عنصرية في ألمانيا. قال جينجوب أن الصين تبني في ناميبيا طرقات ومعامل ومرافئ للدولة في الوقت الذي يُعامل فيه الألمان الجالية السمراء في برلين بعنصرية ودونية. "لا تستهينوا بقدرتنا في أفريقيا" قال الرئيس الناميبي. بُعيد مدة قصيرة، اعتذر الألمان من الناميبيين وأعلن وزير خارجية ألمانيا آنذاك هايكو ماس طلب العفو، وتقديم مبادرة بقيمة 1.35 مليار دولار لويندهوك (عاصمة ناميبيا).

الحقيقة، ثمة شيء ما يتغير في هذا العالم. أنا هنا لا أتحدث من منطلق خطاب "أفول القطب الواحد وبداية التعددية القطبية" الممجوج (شخصياً لا أرى في أي من مناهضي الولايات المتحدة راهناً القدرة على لعب دور القطب، فضلاً عن كون أغلب هؤلاء لا يسعون إلى أكثر من تكبير حصتهم من النظام الرأسمالي)، ولا أتحدث من منطلق اليسار الحالم بعودة ثورات الأممية الرابعة وسقوط الرأسمالية. كل ما في الأمر أن ثمة تغييراً في شكل محدد من أشكال العلاقات الرأسمالية. بإمكاننا وصفه، بأفول النموذج الاستعماري من رأس المال. وعندما نتحدث عن رأس المال، لا داعي للتذكير إلى أننا نتحدث عن علاقات اجتماعية لا شيئاً بذاته (تتخيل الناس رأس المال على أنه قيمة ما، بينما هو في حقيقته العلاقة الاجتماعية التي تنتج هذه القيمة بهذا الشكل من التوزيع والتمركز). وعندما نتحدث عن أفول النموذج الاستعماري من رأس المال، نحن نتحدث عن تغير بالعلاقات بين شبكة تمثل مصالح الاستعمار القديم وشبكة أخرى غير واضحة المعالم يجري تشييدها الآن. ستتمظهر هذه التحولات في مجموعة أحداث قد نراها منفصلة عن بعضها البعض، مثل: الانقلاب في النيجر على محمد بازوم، نهاية نظام روك كابوري في بوركينا فاسو، إعلان حركة حماس هجومها على "إسرائيل" في السابع من تشرين 2023، إعلان الناتو انتهاء الهجوم الأوكراني وضرورة إيجاد حل سلمي. في كل هذه الأحداث ثمة مشتركين رئيسين: رأس مال ارتبط بالاستعمار لا يعترف للناس بحقوقها، وتمرد "مجنون" قرر تحدي رأس المال هذا.

في شرحة لحركية رأس المال، يعتبر المنظّر الإيرلندي جون هولواي، أن الهروب من التمرد هو بالضبط جوهر العلاقة الحاكمة العالم طبقياً اليوم. ثمة هروب ضخم نحو الحرية تنشده الناس المستضعفة اليوم (مماثل إلى حد كبير لهروب الأقنان/ العبيد من الإقطاعيين نحو المدن في القرن التاسع عشر)، وثمة هروب كبير من التمرد ينشده رأس المال في نفس الوقت (مماثل لهروب الإقطاعيين من الأقنان إلى المدن أيضاً للتخلص من تمرد الأقنان واعتراضاتهم، ولمراكمة الثروات الطائلة في المدن أيضاً). بإمكاننا لحاظ هذه العملية المركبة في حركة رأس المال الغربي منذ أواسط الثمانينيات. كان رأس المال الغربي يهرب إلى الصين طمعاً بزيادة الربح وهرباً من مستحقات العمال العالية الكلفة في أوروبا والولايات المتحدة. أمن له هذا الهروب قدرة أعلى إخضاع "الأقنان" واستضعاف الناس في العالم. صارت الولايات المتحدة قادرة على سحب فائض قيمة عمل الناس من منطقتنا بالنحو الذي تحب. ضربت العراق مرتين، نشرت قواعدها في الخليج، أفقرت اليمن، احتلت أفغانستان، حاصرت إيران، ابتزت مصر، طوال سنوات التسعينيات ومطلع الألفية. لكن وبظرف عقدين، أفضى هروب رأس المال إلى الصين إلى نمو صيني سرعان ما تُرجم بقوة اقتصادية مكنت بكين من اقتحام الأسواق الأفريقية مثلاً. هذا الأمر بالتحديد أتاح لليد العاملة الأفريقية - ممثلة ببعض الأنظمة الوطنية - الهروب من الرأسمالية الأوروبية المستحكمة بها إلى الصين أو روسيا. إنه هروب الأقنان أو الناس المستضعفة نحو الحرية وإنْ تحوّل إلى نوع جديد من الاعتمادية. وهذا ما يفسر الفوضى التي نعيشها في قلب السيطرة الرأسمالية الحالية على العالم.

في هذه المرحلة من الهروب بالتحديد، تصير قدرة رأس المال على الإخضاع أكثر هشاشة. الأمر يشبه إلى حد كبير إقطاعياً في القرن التاسع عشر، قرر الهروب إلى المدينة ليستثمر أمواله ويراكم أرباحه فيها. في البدء، كانت آماله في مراكمة استثماره تدفعه لإذلال الأقنان العاملين في أرضه في الريف بنحو مرهق لهم. لكنه وبسبب اصطدامه بشرائط سوق العمل المعقدة وصعود منافسين له من عمال المدينة، قرر العودة للاهتمام بأرضه وإعادة تنظيم علاقته بالأقنان الريفيين. صحيح هو سيكون أكثر دهاءً هذه المرة، لكنه وفي الآن نفسه سيكون أكثر هشاشة في تحدي اعتراضهم وتمردهم. هذا بالضبط ما حصل مع رأس المال الأميركي والغربي في العقود الثلاثة الأخيرة. كانت آمال العولمة، والكلام عن تحول العالم إلى قرية صغيرة، ينقل فيها رأس المال استثماره من سوق إلى سوق، ومن بلد إلى آخر وفق شروطه، قد دفعته لاستضعاف الناس بنحو كبير. في منطقتنا مضى الغرب بإعطاء كامل فلسطين للإسرائيليين من خلال مسار أوسلو. مفاوضات الحل النهائي لم تكن أكثر من إذلال حي نشاهد مفاعيله كل يوم. إمتهان لكرامة الإنسان الفلسطيني في الاستيطان، في العمل، في الماء والمأكل، في هويته وتاريخه وثقافته ومقدسه. اليوم لم يعد الأمر بنفس الحال، يصر الأميركي على حل الدولتين فور نهاية هذه الحرب. إنه الإقطاعي العائد من حلم المدينة/ العولمة إلى واقع أرضه كما يظن. يحاول الإقطاعي إعادة تنظيم علاقته بالأقنان. صحيح، سيكون أكثر دهاءً هذه المرة، لكنه وفي الآن نفسه سيكون أكثر هشاشة في تحدي أي تمرد يواجهه.

ولّعَت:

عشية التاسع من كانون الأول/ ديسمبر، شاهدت الناس إصداراً مرئياً لسرايا القدس، الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، وفيه مقاوم فلسطيني عند تخوم مخيم جباليا يرمي دبابة إسرائيلية. يظهر في الفيديو شاب لا يملك أكثر من قاذف RBG في شارع مدمر كلياً، يخرج من المباني المدمرة وحيداً في مواجهة رتل عسكري، يصرخ الله أكبر ثم يرمي دبابة ميركافا فيصيبها. يعود الشاب إلى رفاقه طائراً في الهواء من فرحه صارخاً عبارة "ولّعَت". الفيديو الذي حفظه الناس عن ظهر قلب يختصر الكثير. بإمكان المستضعفين بإمكانات بسيطة حرق دبابة يشترك في صناعتها بالحدث الأدنى أربع من شركات التقانة الكبرى (شركة MTU الألمانية، شركتي General Dynamics Land Systems وElectro-Optic Industries الأميركيتين، وشركة Elbit Systems الإسرائيلية). والأهم، بإمكان المستضعفين تقديم الدليل على أن العلاقة الإخضاعية التي تمارسها الولايات المتحدة مع شعوبنا ليست قدراً إذا ما امتلكنا الإرادة.

ليس هذا الشاب وحيداً، هو كان له "إخوة" من قبل في الفلوجة سنة 2003، والكاظمية 2005، ووادي الحجير 2006، وغيرها من بقاع أرضنا. كل ما في الأمر، أن كثيراً منا لم يلتفت لوجوه هؤلاء من قبل. إن ترك مسألة المستضعفين لصالح التفكير في السياسة انطلاقاً من مقاربات "دولتية/ رأسمالية" أفضت على الدوام لخسارت كبرى لم نلتفت إليها. قوة إيران – كمثال - في المنطقة لم تتأت من حضورها الدولتي، أي من حضور إيران كدولة. بالعكس، كان حضورها كدولة في كثير من الأحيان ثقيل الوطأة حتى بالنسبة لبعض حلفائها. حضور إيران القوي كان على الدوام بفضل عنوان المستضعفين الذي رفعته هذه الثورة عند انطلاقتها. حماس نفسها، لم يكن لها الحضور القوي في منطقتنا بفضل رافعة الحضور الإخواني في السلطة. حماس صار لها هذا الحضور (الذي سيلهب المنطقة مستقبلاً) بفضل إقدامها على تحدي الإرادة الأميركية وحسمها خيار المواجهة مع "إسرائيل" وانتصارها لخيار المستضعفين فينا.

إن منطقتنا اليوم تخوض مواجهة باسم خمسة مليارات إنسان مستضعف في هذه الأرض. وعلينا أن نعي هذه المسألة بعيداً عن تحيزاتنا وتلاوين انتماءاتنا. ولنتذكر دائماً، إن رأس مال الاستعمار هش أكثر من أي يوم مضى، وهو أقل جرأة على مواجهتنا أكثر من أي يوم مضى. لا تصدقوا الأساطيل. صدقوا المستضعفين، هم وحدهم القادرين على رفع شارة النصر وإعادة الاعتبار لنا في كل واقعنا المدمر. صدقوا جنون فقراء النيجر وأحلام الثائرين على الاستعمار في بوركينافاسو، صدقوا حفاة اليمن المغامرين والصادقين من أبناء العراق في مواجهتهم لأميركا، صدقوا عزيزنا السنوار في وعده بتحرير الأقصى، صدقوا المقاوم الذي صرخ طائراً "ولّعَت"... هذا زمن المستضعفين.

 

 

رئيس تحرير صحيفة الخندق