En العدد الأخير
En العدد الأخير

تبدأ القصة، مع الاقتناع بأن مبدأ كسب الشرعية عبر الممارسة الديمقراطية أصبح أمراً ضرورياً، في سبيل تحقيق الأهداف السامية التي تسعى الى تحقيقها هذه الجماعة-الحزب، وتعد الخطط اللازمة لذلك، وينطلق العمل والجهد المطلوب لتوفير ما هو ضروري

أسامة مخ

كازينو الديمقراطية

ابتزاز الشرعية

يُعتبر نشر الديمقراطية في العالم، ومبدأ احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية[1] أحد المرتكزات الأساسية التي تعمل منظمة الأمم المتحدة لتحقيقها من خلال "المفوضية السامية لحقوق الإنسان والديمقراطية"، والتي يصدر عنها تقارير بشكل دوري، تعنى بملاحظة مدى التزام الدول الأعضاء بمبدأ الديمقراطية، الأمر الذي نشأ عنه مراكز متخصصة لدراسة ومتابعة أحوال الديمقراطية في العالم.[2] 

هذه المقدمة قد تستفز عقل القارئ للسؤال حول موضوع ذي أهمية بالغة في فهم قضية الديمقراطية من زاوية التعاطي السياسي من قبل المجتمع الدولي، خاصة من قبل تلك المؤسسات التي تلتزم في خطابها السياسي والدبلوماسي مبدأ نشر الديمقراطية في العالم.

هل أن هذه الدولة التي تحركها- ولا تتحرك إلا وفق سياسات - تستند إلى مصالح حقيقية في داخلها وعلى صعيد تواجدها في العالم وحجم طموحاتها أيضاً، قد أصبح شكلاً من اشكال ضمان النفوذ لها في العالم والدول التي تلتزم بمبادئ الشرعية الديمقراطية؟

هنا بالتحديد الكلام عن الولايات المتحدة الأميركية، كازينو العالم الحديث، التي تمارس قيادتها على هذا العالم عبر أدوات متنوعة، تلعب فيها "قضية الديمقراطية" دوراً مهماً في تحقيق مصالحها، بشكل أو بآخر.

لتوضيح هذا الأمر، لا بد لنا من الالتفات بشكل مرهف الى المواقف الدولية، التفاعل، وأساليب التعاطي مع الانتخابات، التي أصبحت تمثل حدثاً له وقع خاص نتيجة التغطية الإعلامية التي تُسخّر لخدمته، قبل وإبان، وبعد حصوله.

فإذا ما أخذنا واقعنا اللبناني، و"العرس الديمقراطي" الذي نحن بصدده، وتوقفنا للحظة عن التفكير الجدي في خلفياته وتبعاته، فضلاً عن الرسائل التي يراد توصيلها، مع إلغاء مضمونها، نستطيع أن نجد أن المحور الأساس لهذا الحدث، توجيه رسالة "قوية" إلى المتغطرس الأميركي، وكسب المزيد من الشرعية الديمقراطية في الساحة اللبنانية، وأقصد بذلك أولئك الذين يعتقدون أنهم في صراع مع النفوذ الأميركي في المنطقة.

 

للأسف الأمر ليس كذلك – كنت أود لو أنها صفعة – بل إن واقع الحال، هو أشبه بمظاهرة اعتراضية يؤججها مجموعة من طلاب الجامعة الأميركية المتحمسين ضد النفوذ الأميركي في لبنان. نعم، إن المشهد هو بهذه الدرجة من السريالية القاتمة، وانعدام الحيلة، فنحن هناك نهتف شق حناجرنا ضد هيمنة أميركا، وفي عالم الحقيقة، تتقاضى الجامعة الأميركية أقساط التعليم المفروضة على هؤلاء الطلاب بتحقق أرباحها المعتادة، فتضمن بذلك استمراريتها، وتمنح طلابها من خلال البرامج التعليمية المعدة بطريقة ناعمة الكفاءة اللازمة لقيادة المجتمع اللبناني. 

 

ابتزاز الشرعية، هو المفهوم الذي يتبادر إلى ذهني لتوصيف ما يحصل، فالأمر لم يعد مجرد قدح شربه مؤمن تقية من ظالم، بل قد غدا فيها خياماً ونواسا. فمع بداية الانخراط في مبدأ الشرعية، تكون الأماني والحلوم معلقة بضرورة هذا العمل، إلا إن سنوات الممارسة والانخراط فيها، يظهر تأثيراً مختلفاً.

 

فالأرقام، التحالفات، المقاعد النيابية، رئاسة المجلس، اللجان النيابية، الحكومة والوزراء، البيان الوزاري ورئاسة الجمهورية، هي الأمور التي باتت تشغل ذهن من تجرعها.  هذه هي المفردات التي يريدها الأميركي لنا، وسوف نريدها لنا دون أن نشعر. 

 

التحوّل:

 

تبدأ القصة، مع الاقتناع بأن مبدأ كسب الشرعية عبر الممارسة الديمقراطية أصبح أمراً ضرورياً، في سبيل تحقيق الأهداف السامية التي تسعى الى تحقيقها هذه الجماعة-الحزب، فتعدُّ الخطط اللازمة لذلك، وينطلق العمل والجهد المطلوب لتوفير ما هو ضروري.

 

تحت قبة الديمقراطية اللبنانية، تبدأ بالتكشف الثغرات التي يجب ملؤها، كتأسيس كتلة، الذي يتطلب بعض التنازلات. من ثم العمل في اللجان، من ثم الثقة للحكومة، وانتخاب الرئيس، كل هذا له ضريبة من التنازل.

 

تأتي الحكومة، وضرورة التواجد فيها، وزير او وزيرين، حقائب فارغة او مليئة بالترهات لا يهم، الضروري الآن هو " البيان الوزاري " وجدول أعمال للحكومة، وحفنة وحفنات من التنازل.

وأمام استحقاقات كبرى، يظهر ان الثلث المعطل خطر محدق، وهو يستحق قدراً أكبر من التنازلات، ولا ضير في ذلك. وانتخاب الرئيس المناسب، وتأمين الأصوات اللازمة، ولعمر الله هو مما تجود له التنازلات.

إلا أن أبرز ما أسعفنا الزمان به، هو بلوغ تلك المرحلة التي عرفنا فيها أن "الإمضاء" الخاص بوزير المال الشيعي يعادل عمل الثقلين، وهو ما لا يمكن لنا أن نضاهيه باي أمر آخر، لأنه القادر على تثبيت قدم راسخة في هذا النظام.

 

الواقع:

 

هذا النظام هو قسم من الكازينو الذي يديره الأميركي حول العالم، ويرسم له قواعده المتينة لتحقق مصالحه، كيفما كان. فها نحن الآن، على بعد سنين طويلة من السهر على طاولة " البلاك جاك " والمقامرة بالتنازلات والمبادئ في سبيل القضية، نذهب الى العرس الانتخابي، بلوائح، اسماؤها فرغها الزمان إلا من الثقة، تلك الثقة التي أصبحت إحدى نتائج اللعب الديمقراطي والتنازل المستمر.

لقد انتهت القضية إلا في الخطاب، فالواقع هو تنازلات ترفع " يافطة " عليها قضية، وفقط.

 

في الأحد، سنذهب ملء الأرض، بقبضات تضاهي السماء، لنكسر إرادة أميركا في العالم أو المنطقة، أو لبنان،  لا أعلم. إلا أني أعلم أن الكازينو دائماً يعرف أنه لكي يبقى الكازينو قوياً لا بد أن يخسر بعض الأموال، ليكسب في النهاية. يقول دي نيرو في فيلم كازينو "القاعدة الرئيسية للكازينو هي جعلهم يستمرون باللعب، وكلما طال لعبهم زادت خسارتهم وفي النهاية نحصل على كل شيء".





[2] مجموعة الايكونوميست كمثال على ذلك https://www.eiu.com/n/

كاتب وباحث لبناني