En العدد الأخير
En العدد الأخير

ما معنى أن أكون عربياً في زمن تطويع الجنسيات وجعل جنسية الدولة مرادفاً للهوية؟ ما معنى أن أكون متسامحاً مع الآخرين؟ وهل التسامح دليل على تقدّم الكائن ورقيّه ومواكبته للحاضر المعاش؟ أعتقد أنّ هذه الأسئلة كلّها ناقصة والإجابة عليها بلا معنى دون وضع المفاهيم في سياق تاريخي يصب في المجرى التي تشكّلت من خلاله الأحداث الراهنة

علي عاشور

التسامح في زمن تشذيب الهويات

ما معنى أن أكون عربياً في زمن تطويع الجنسيات وجعل جنسية الدولة مرادفاً للهوية؟ ما معنى أن أكون متسامحاً مع الآخرين؟ وهل التسامح دليل على تقدّم الكائن ورقيّه ومواكبته للحاضر المعاش؟ أعتقد أنّ هذه الأسئلة كلّها ناقصة والإجابة عليها بلا معنى دون وضع المفاهيم في سياق تاريخي يصب في المجرى التي تشكّلت من خلاله الأحداث الراهنة.

اليوم، أن أكون عربياً يعني أن تكون فلسطين جزء من هويتي التعريفية في المقام الأول. لا مساومة في ذلك. فتعريف الإنسان لذاته وتقديمها يشترط وجود ذاكرة ثقافية وتاريخية تحدد سمات وخصال الهوية المعرّفة. وذاكرة العالم العربي الحديثة هي ذاكرة تشكّل المجتمعات التي تمحور بناؤها في الوقت الذي يذبّح ويهجّر ويسلب ويباد فيه الشعب الفلسطيني. هي ذاكرة الحروب والصراعات التي لم ترتبط بفلسطين على مستوى حق الأرض، بل حق الوجود بكون الفلسطيني العربي هو. ولأنّه عربي، أي لأنه هو هو، يبيح العالم جريان الأحداث عليه. إذاً، يبيح العالم جريان الأحداث على كل عربي، وإن لم تكن جرافات الاحتلال تهدّم بيته وقريته. فالعالم الذي أباح قتل العربي ومحو قراه عرّفه تعريفاً مسبقاً.

ولأنّنا نعيش زمن إعادة تعريف وإنتاج الهويات، بل إن صح التعبير نعيش زمن نضال الهويات في تعريف ذاتها المسلوبة وذاكرتها المشوهة، حان الوقت لطرح الأسئلة وخلق خطاب عربي متعدّد الأصوات. وأقول متعدّد الأصوات لا بالمعنى الليبرالي السطحي لمصطلح التعدّد، بل بالمعنى العربي المغموس بملح البحر، ورطوبة الطين، وحرارة الصحراء، وهواء الجبال. بالمعنى العربي لثقافة الفلاح والبحّار والغوّاص والرحّال والبدوي والمهني والعامل. بالمعنى العربي للطوائف، متحاربةً كانت أم متعايشة. فجميعنا أبناء طوائف، أبناء قرى وبوادي وصحاري وجبال وسهول وسواحل ومدن. إغفال هذه الأبعاد، بقصد أو بغير قصد، هو إقصاء لذاكرتنا الثقافية بالضرورة.

هذا التعدد المنشود لا يقاس بمقياس التقدّم والتخلّف، المقياس الذي أخضع الهوية إلى التقنيات الآلية والمادية دون التفات إلى المفاهيم المسلوخة من ذاكرة الإنسان العربي. بل يقاس هذا التعدد ضمن خمسة أبعاد تحليلية – وهذا لرسم الإطار التحليلي لا لحصر القراءة وتقنينها.

أولاً، مركزية التاريخ العربي الإسلامي بما فيه من امتداد ما يتجاوز ألف وأربعمائة عام. أي صراعات القوى والطوائف والقبائل والفرق ضمن رؤيتها في تمثيل الإسلام، وتمثيل العرب، على مدى هذا التاريخ. فنحن اليوم، بالضرورة، وبجميع دياناتنا وتوجهاتنا العقائدية والأيديولوجية، نتاج لهذه الصيرورة الطويلة التي صيغت في مدار مركزية الجزيرة العربية، واتّساع التحولات من الخليج إلى المحيط. هذه المركزية التي انسبكت في مخطوطات وكتب التراث – التاريخية والأدبية والفلسفية والدينية والمعرفية – ضرورية في فهم أبعاد الهوية العربية الأم وتشكلاتها. وأقول الهوية العربية الأم لوعيي التام باختلاف وتعدد الهويات الخاصّة ضمن إطارٍ عربيٍ عام. أعي تماماً أنّ تاريخ المنطقة يمتد إلى آلاف السنوات قبل الإسلام. ولكن صراعات الحاضر لا تذهب إلى أبعد من ذلك إلا في السياق القراءات التاريخية لسكّان المنطقة وحضاراتها ولغاتها، وأثر هذا السياق الممتد من القدم فيما وصلنا من مواد يمكننا التعامل معها مباشرةً.

ثانياً، قراءة دور الاستعمار في بناء دول العربية وجيرانها وآثاره في تشكيل مجتمعاتنا ورؤيتنا إلى أنفسنا وإلى العالم.

ثالثاً، إعادة قراءة ما كتبه الآخرون عن العرب، سواء في تاريخ الشعوب – قديماً وحديثاً – إضافة إلى تاريخ الاستعمار والمستشرقين، قراءة تحليليّة لتفكيك المفاهيم التي أُسقطت على العرب وهويتهم وتاريخهم، وبالتالي قراءة الأدوات المعرفية التي صوّرت وعرّفت الهوية العربية بشكلها الحالي في العالم اليوم.

رابعاً، فهم آلية المنظومة الاقتصادية ومركزيتها الغربية. فبناء الدول العربية هو بناء قائم على شبكة العلاقات التي تدير هذه المنظومة الاقتصادية ومركزيتها.

خامساً، فلسطين البوصلة. ولكن، اليمن عمق الأصالة. فصل البوصلة عن عمق الأصالة هو فصل في كنه المكونات للهوية العربية.

هذه الأبعاد التحليلية سترسم طريقاً لتسامحنا مع ذواتنا ومن ثم مع هويتنا الضاربة في تاريخ المكان. أي إعادة تعريفنا لذواتنا سيكون خارطة الطريق لإعادة تشكيل علاقاتنا العربية العربية أولاً، ومن ثم علاقاتنا مع المحيط قريب والمحيط البعيد.

كيف يمكن أن يتسامح العربي دون أن تكون هويته معرّفة ومحترمة؟ بمعنى آخر، كيف يمكن للعربي أن يتسامح من موقع الضعف والقهر المفروضين عليه، لا من موقع يسمح له بالاختيار طوعاً؟

عزّة الإنسان العربي كانت دليله في المواقف، ودليله في تعريف ذاته. فقدانها يعني فقدان المكانة التي يخاطب منها الآخر. وفقدان المكانة يعني فقدان لحق اتخاذ القرار في تحديد المصير. وفقدان هذا القرار يعني الانقراض الثقافي، أي انقراض الهوية العربية.

كاتب وناشط سعودي