En العدد الأخير
En العدد الأخير

شهدت السنوات الأخيرة تغيرات عدّة على المستوى السياسي في منطقة غرب آسيا، كانت بدايتها اندلاح الحرب في سوريا. على المستوى العربي تم قطع العلاقات مع دمشق، ومع هذا التحوّل السياسي الذي طرأ نتيجة الحرب

حسين شكرون

سوريا والإمارات: رؤية واقعية

شهدت السنوات الأخيرة تغيرات عدّة على المستوى السياسي في منطقة غرب آسيا، كانت بدايتها اندلاح الحرب في سوريا. على المستوى العربي تم قطع العلاقات مع دمشق، ومع هذا التحوّل السياسي الذي طرأ نتيجة الحرب، واتساع نفوذ روسيا وإيران في سوريا، رأت الإمارات أن غياب الدور العربي في سوريا يفقد الدول العربية التأثير السياسي والأمني في المشهد السوري بعد كل محاولات إطاحة النظام التي باءت بالفشل.

بناء على ذلك استأنفت الإمارات العلاقات الدبلوماسية أواخرعام 2018، وأعادت فتح سفارتها في دمشق، وفي 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، التقى وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد مع الأسد في دمشق، وهي أعلى زيارة تقوم بها الإمارات للنظام السوري بعد 10 سنوات من القطيعة، وفي سياق متصل أقدم الأسد على زيارة الإمارات في 18 آذار/ مارس 2022، وهي الزيارة الأولى له لبلد عربي منذ عام 2011.

على ضوء هذه المعطيات، نطرح الأسئلة التالية:

-          ما هي المنطلقات الرئيسية التي أدّت بالإمارات لاستئناف العلاقات مع سوريا؟

-          كيف تلقّفت الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا الزيارات المتبادلة؟

-          ماذا أظهرت الصحافة الأجنبية تعليقاً على هذا التقارب؟

 

منطلقات الإستدارة الإماراتية

أولاً: القيام بتعديلات مفصلية في إدارة البلاد:

ترى الإمارات أن العزلة العربية قد فتحت مساحة لتركيا و"التدخل" الإيراني في سوريا. فتحولت أولوياتها الى تقديم الدعم الدبلوماسي لحكومة الأسد ضد التهديدات التي يشكلها النفوذ الإيراني والتوسع التركي. مع إدراكها عمق العلاقة المؤسساتية التي تجمع سوريا وإيران. يُضاف إلى ذلك دعم أمن "الكيان المؤقت" في المنطقة، بعد تطبيع العلاقات واستكشاف استراتيجيات مشتركة معه.

ثانياً: الطموحات الإقليمية:

أبدت الإمارات في السنوات الأخيرة تحركات نشطة على المستوى الإقليمي، حيث تسعى الإمارات للخروج من دائرة القوة الصغيرة التابعة للرياض، ويتجلى ذلك بطموح الدولة على رأسها ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد لأداء دور الوسيط القوي في المنطقة، عبر السعي لإصلاح العلاقات مع الأعداء التقليدين، وتعزيز قوة الدولة الناعمة في الشرق الأوسط لتتحول إلى لاعب اقليمي رئيسي.

ثالثاً: العامل الاقتصادي

 

مع استئناف الخطوط الجوية السورية رحلاتها الجوية مع الإمارات، وإعادة فتح السفارة في دمشق عام 2018 زادت التجارة بين البلدين، حيث بلغت في النصف الأول من عام 2021 حوالي 272 مليون دولار. وعلى الرغم من العقوبات الأمريكية على سوريا، التزمت الإمارات مواصلة تعزيز العلاقات الإقتصادية مع سوريا، وتقرر إحياء مجلس رجال الأعمال السوري الإماراتي، والعمل بنشاط على بناء علاقات تجارية. أما أهم الشبكات التي يفترض استخدامها للاستثمار الإماراتي في سوريا، فهو مجتمع الأعمال السوري في الامارات.

بالإضافة الى الاستفادة من العائد الاقتصادي وإعادة البناء الذي سيتأسس بعد الحرب. يعّد دخول أبو ظبي إلى سوريا بهدف إعادة الأعمار، في ظل قانون قيصر، وجه آخر للمساومة على انهيار البلاد من خلال فتح أبواب الخصخصة ودخول منظمات المجتمع المدني.

وفي هذا السياق، قد تستغل الولايات المتحدة الأمريكية ضعف الدولة الإقتصادي فتعمل على فرض هيمنتها الاقتصادية في حال انسحابها العسكري الكامل من دمشق، لأن تقييد دور الدولة والحدمن اتساع صلاحيات النظام يخوّل الولايات المتحدة من التحكم بالشركات المحلية والقطاعات الإنتاجية والمؤسسات العامة. تظهر هذه القوة بما تمتلكه أمريكا من سلطة عبر الشركات المتعددة الجنسيات، وهو طريق يشق لها مسار للسيطرة بشكل جديد وبأقل تكلفة من الحروب.

 

ردّ الزيارة

إن زيارة الرئيس بشار الأسد إلى دولة الإمارات  في 18 آذار/ مارس 2022، يعتبر خطوة نحو كسر الجدار السياسي على دمشق، وبلحاظ ضيق الخيارات إذا ما حصلت دمشق على بعض الامتيازات الاقتصادية والاستثمارات في هذه المرحلة بالذات فهذا انجاز يسجل لها. ومن المتوقع في المرحلة القادمة أننشهد انفتاحاً لدول الخليج على دمشق، على غرار الإمارات.

 

قلق وخيبة أمل نيد برايس

تعليقاً على الزيارة الأولى في دمشق، صرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية نيد برايس في مؤتمر صحافي: "نحن قلقون لورود تقارير عن هذا الاجتماع والإشارة التي يبعث بها" واصفاً بعدها الرئيس السوري بأنه "دكتاتور وحشي".

وأعاد شجبه للزيارة الثانية في الإمارات حيث استدعى ذلك بياناً قال فيه "نشعر بخيبة أمل وانزعاج عميقَين من زيارة الأسد"، واصفاً إيّاها بأنها "محاولة واضحة لإضفاء الشرعية على الزعيم السوري الذي يظلّ مسؤولاً وخاضعاً للمساءلة عن وفاة ومعاناة عدد لا يحصى من السوريين".

تدرك إدارة الإمارات العربية المتحدة الضعف العالمي للولايات المتحدة، وتراجعها العسكري في المنطقة، وعلى الرغم من ردت الفعل السلبية الظاهرية للإدارة الأمريكية، إلا أنها افتقدت الحسم، سواء على المستوى الخطابي أو التنفيذي، يرجع ذلك الى استكمالها محاولة التخلص من العلائق المنهكة في المنطقة.

هذا التراجع نتج عنه تقارب دولة تابعة للولايات المتحدة الأمريكية مع دول معادية لها. وتشبيك مصالح معها تحولت بها الإمارات إلى مقاربة متعدد الأقطاب للسياسة الخارجية، لا تستبعد البدائل، بهدف سعيها للريادة الإقليمية في الفترة المقبلة.

 

روسيا الحذرة

تحذر روسيا من تأثير الإمارات في سوريا، مع أن بوتين قد صرح بأن "الدبلوماسية الروسية يجب أن تستمر في المساهمة في تطبيع العلاقات بين سوريا والدول العربية"، إلا أنه قد تبدأ الإمارات في لعب دور الوسيط بين نظام الأسد وتركيا، ومن شأن جهود الوساطة الإماراتية بين دمشق وأنقرة والمعارضة السورية، والتي يمكن أن تنضم إليها السعودية وقطر لدعم المشروع السياسي الانتقالي في سوريا، أن تقلل من الدور العام لروسيا في الشؤون السورية السياسية.

لاشك أن الحرب الروسية في أوكرانيا، ستفاقم تلك التطورات وتدفع لحصول المزيد من التسويات على صعيد العلاقات الدولية والإقليمية، مع ولادة قواعد اشتباك مختلفة، تعيد خلط الأوراق من جديد وهذا سيشمل منطقة غرب آسيا بأكملها.

 

عين على الصحافة الأجنبية

تظهِر الصحافة الغربية التقارب الإماراتي السوري، في ظل تحذير الولايات المتحدة، بأنّه سعي لترسيخ الإمارات مكانتها ودورها الإقليمي، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، في مقابل النفوذ الإيراني والتوسع التركي والتطرف الإسلامي.

أمّا الصحافة التركية، فتحاول إظهار هذا التقارب على أنّه ورقة ضغط للابتعاد عن إيران بموافقة روسية - إسرائيلية، حيث أن الوجود الإماراتي الروسي في سوريا يفيد مصالح أمريكا في المستقبل بالحدّ من النفوذ التركي والإيراني. ومن جهة الصحافة الروسية، فإنّ التقارب الإماراتي مع سوريا مخطط ذات هدف اقتصادي سياسي توسعي. لا تأبه من أجله الإمارات إلى تحذيرات واشنطن، ولا إلى انعكاسه على موسكو. تظهر الإمارات على أنّها قوى استثمارية في سوريا؛ تسعى إلى مواجهة أردوغان ومشروعه "العثماني"، تماماً كما تسعى إلى حصر النفوذ الايراني.

وعليه، يظهر الهدف الإماراتي بالدرجة الأولى في الحدّ من النفوذ الإيراني في سوريا هدفاً مشتركاً تلتقي حوله كل من الصحافة ومراكز الفكر الغربية والتركية والروسية.

 

خاتمة:

تعتبر هكذا خطوات واقعية، من خطوات السياسة الخارجية البراغماتية لأبو ظبي ودمشق. تعكس سياسة طموحة للإمارات في النظام الإقليمي، والسعي إلى تعبئة هوّة الفراغ الذي خلفه الانكفاء العسكري الأميركي في منطقة غرب آسيا. وبموازاة ذلك يحاول الأسد- بعد التقاط الأنفاس- تأسيس مرحلة جديدة على المستوى العربي من بوابة الإمارات، التي تسعى الى طرح استراتيجية تقليص النفوذ الإيراني في سوريا وتحدي عمقه الذي اختبر في أحلك الظروف.

كاتب لبناني