En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

في المشهد الختامي من فيلمه الروائي الأول بيروت يا بيروت - 1975 عرض المخرج اللبناني مارون بغدادي صورة معبّرة لاختلاف المآل لشخصيتين محوريتين في الفيلم؛ كمال المثقف المديني المتشبع بالفكر القومي وبالتيار الناصري، وصفوان النازح من الجنوب اللبناني المهمّش إلى الجنة الموعودة في بيروت

غريب عبد الله

مغنية في زمن البطولة

الزمن المضطرب:

في المشهد الختامي من فيلمه الروائي الأول بيروت يا بيروت - 1975 عرض المخرج اللبناني مارون بغدادي صورة معبّرة لاختلاف المآل لشخصيتين محوريتين في الفيلم؛ كمال المثقف المديني المتشبع بالفكر القومي وبالتيار الناصري، وصفوان النازح من الجنوب اللبناني المهمّش إلى الجنة الموعودة في بيروت. ينتهي الفيلم وكمال غارق في حيرة لا يستطيع الانفكاك منها لاتخاذ القرار بُعيد صدمة فقدان القائد الرمز جمال عبد الناصر. بينما يتوجه صفوان بعدما وعى بؤس وعود المدينة إلى الجنوب اللبناني حيث معركته وجنته الحقيقية فيمتزج دمه بتراب الأرض وماء النبع كمبشر بفجر جيل ثوري جديد. في أعماله الوثائقية اللاحقة "أجمل الأمهات، كلنا للوطن، عاشوراء" تطرق مخرج الحركة الوطنية اللبنانية لتمظهر جديد لحالة ثورية تتخلق بين صفوف المستضعفين من أبناء الجنوب المهمش من قبل الدولة اللبنانية المركزية والمنكوب بالعدوان المستمر من قبل الكيان الصهيوني. في منتصف السبعينات فترة صناعة فيلم بيروت "يا بيروت" كان الشاب ابن الجنوب المولود في بلدية طير دبا عماد فايز مغنية الذي لم يتجاوز الخمسة عشر ربيعاً بعد كغيره من الشباب يتلمس طريقه في إدراك الذات وسط وضع سياسي واجتماعي متشظٍ ومضطرب، بلغ ذروته مع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية. من تحت رماد عبثية الحرب الأهلية (1975 – 1990) وأنقاض الاجتياح الإسرائيلي للبنان (1982) خرج عماد مغنية كقائد عسكري، وكمنظِّم للمستضعفين في وجه الاستكبار العالمي. ورغم مرور أكثر من 14 عاماً على استشهاده في شباط – فبراير 2008، ما زال شخص الحاج رضوان "كما كان يُعرف في الدوائر الخاصة" مجهولاً والمتوفر عن حياته وتكوينه العسكري والروحي قليل جداً ومحدود. لنعرف أكثر عن عماد نتتبع في هذا المقال الظرف الداخلي اللبناني والوضع الإقليمي المصاحب لفترة نشأته لنعرف أكثر عن الرجل.

 

ابن الثورتين:

"الثورة الإسلامية هي بداية عهد جديد، ونحن نشهد تأثير نتائجها الكبيرة على العالم عاجلاً أم آجلاً. فهي لن تواجه الإمبريالية في تجليها السياسي للحضارة الغربية فحسب وإنما استهدفت الإجهاز على العقل المنتج لهذه الإمبريالية".

مرتضى آويني – التنمية وأسس الحضارة الغربية

***

كانت الثورة الفلسطينية المحفّز والرافد الرئيس في تشكل وعي نضالي أممي فترة السبعينات من القرن المنصرم. خلقت الثورة روابط نضالية بين المستضعفين من شتى بقاع الأرض وكان لبنان البؤرة التي تلاقت فيها القوى الثورية المقاتلة كتجسيد، بشكل ما، لنظرية ريجيس دوبريه عن البؤرة الثورية التي مثّلتها كوبا يوماً ما في أميركا الجنوبية. في معسكرات الجبهة الشعبية وفتح تدرّب عدد كبير من المقاتلين الأمميين من تركيا، إيران، ألمانيا، إيطاليا وصولاً إلى السلفادور واليابان.  بالنسبة للمقاتلين الإيرانيين، شكّل وجود حركة المحرومين وفاعلية الإمام موسى الصدر في ساحة النضال المطلبي نقطة قوة جعلت من أرض لبنان نقطة تلاقي الحركات اليسارية والإسلامية الإيرانية المعارضة لحكم الشاه وقتها. على أرض لبنان تلاقى مصطفى شمران، جلال الدين فارسي، وغيرهم من الفاعلين في السياسة الإيرانية لاحقاً بعد سقوط نظام الشاه. في ظل الوضع المفعم بالمد الثوري انضم عماد لحركة فتح للتدريب مع مجموعة من الشباب وكان مدربه الأول أنيس النقاش الذي ذكر أن عماد كان مهتم منذ البداية بالاستراتيجيا والتخطيط ولم يكن كغيره من الشباب المهتم أكثر بفعل إطلاق النار ونشوة قوة السلاح. شكّلت لحظة انتصار الثورة الإيرانية لحظة فاصلة في حياة جيل عماد بما وضّحته الأخيرة من قدرة المستضعفين على إشعال وقلبِ كيان نظام الشاه الذي كان "جزيرة الاستقرار في المنطقة" بحسب تعبير كارتر، كما كان للثورة الإيرانية أن تبشر بفجر جديد للمستضعفين. سبق الثورة حراك فكري كبير داخل المؤسسة الدينية الشيعية تزامن وحراك لاهوت التحرير في أميركا الجنوبية. فجهود آية الله الخميني وآية الله محمد باقر الصدر من النجف، كما وجهود اية الله مطهري وعلي شريعتي في إيران والإمام موسى الصدر في لبنان لعبت دوراً محورياً في تثوير الإسلام وخلق قراءة إسلامية من منظور المستضعفين والمحرومين.

 

تخلّق الروحية:

"مشهد ذلك الأخ وهو يجلس في الغرفة، في النزع الأخير من الليل، و يقرأ القرآن و يبكي، و هو الذي كان ماركسياً قد استوقفني، وولّد لدي شعوراً بأن قلبي ليس بذلك الحنان. حينها بدأت رحلة شاقة جديدة بالنسبة لي

منير شفيق – من جمر إلى جمر

***

شكلت نهاية السبعينات فترة عودة لبروز المقدّس وأثر التجربة الدينية في المجال العام. كان أثر تخلّق هذه الروحية واضح في حياة الحاج رضوان وجيله خصوصاً في تجربة الكتيبة الطلابية لحركة فتح و التحول من الماركسية الماوية الى الإسلام. وإن لم يكن عماد متأثراً مباشرة بالتوجه الماركسي في بدايات تكوينه حيث أن المعلومات المتوفرة عنه تشير إلى أنه كان يعمل ضمن مجموعة من الشباب المؤمن منذ بداية انضمامه لحركة فتح إلى أنه كان شاهداً ومراقباً للتحولات المتسارعة نحو الإسلام وبناء الروحية في الساحة التي أدت لخلق روحانية مبارِزة وتدين ثوري.

 

العمل في الخفاء نحو هدف واضح محدد ودقيق:

"هكذا أصبح للقبو السري لافتة تدل عليه من بعيد بعدما تحول الى جاليري الثورة"

خالد عودة الله – صديد

***

في كتابه الجاسوس النبيل في تتبّع حياة ومقتل ضابط المخابرات الأميركية ومسؤول الشرق الأوسط روبرت أيمز يوضح الكاتب الأميركي المقرب من الدوائر الاستخبارية الأميركية كاي بيرد التحول الكبير داخل البنية الأمنية في منظمة التحرير الفلسطينية مع التركيز على الانتقال من التمحور حول العمل العسكري كالطريق لتحرير الأرض إلى الدبلوماسية السياسية وفتح دوائر اتصال مع القوى الغربية لحل القضية. ركز الكاتب على شخص علي حسن سلامة المؤسس والقائد للقوة 17 قوة العمليات الخاصة لحركة فتح والمسؤول عن تأمين قائد منظمة التحرير وقتها "الختيار" - أبو عمار (ياسر عرفات). في الكتاب يعرض المؤلف للمرحلة الأخيرة من حياة علي وهالة الشهرة المصاحبة له قبل اغتياله من قبل الموساد الإسرائيلي فرغم طبيعة عمله الأمنية كان شخص علي معروف ومكان إقامته محدد ومعروف وطريق حركته روتيني وثابت. بالإضافة لعلي حسن وقع إيليتش رامريز سانشير الشهير بكارلوس في نفس فخ نجومية وشهرة المناضل الأممي. فكارلوس المقاتل في صفوف التنظيم الخارجي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحت قيادة وديع حداد وقع تحت أضواء الشهرة بعد عملية اختطاف الوزراء من اجتماع منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) في فينا. ما يميّز عماد مغنية عن علي وكارلوس بشهادة مطارده والرجل الذي أوكلت إليه مهمة اغتياله ضابط الاستخبارات الأميركية روبرت بير هو قدرة عماد على التخفي والعمل في الظل بعيداً عن أضواء الشهرة وعين أجهزة الأعداء المترصدة وسمعها. فرغم الضربات الكبيرة التي تلقتها قوة الاحتلال الإسرائيلي على أرض لبنان من تفجير مقر الحاكم العسكري إلى الضربات القاصمة التي تلقتها القوة متعددة الجنسيات من تفجير مقري المارينز الأميركيين والمظليين الفرنسيين لم يكن شخص الحاج رضوان أو طبيعة منظمته؛ منظمة الجهاد الإسلامي، معروفَين لخصومه حتى كشف عنصر من المخابرات الجزائرية تفاصيل عنهم للاستخبارات الأميركية بعد اختطاف مسؤول محطة بيروت رجل الاستخبارات الأميركية وليام فرانسيس بكلي. كانت منظمة الجهاد الإسلامي مجموعة من الشباب المؤمن العامل على موجهة الاحتلال والهيمنة الإمبريالية تحت هدف واضح محدد ودقيق هو تصفية وجود الاحتلال الإسرائيلي من أرض لبنان وإخراج القوات الأجنبية متعددة الجنسيات، وهو ما تم بإخراج القوات المتعددة أولاً ثم مع التحرير الكبير عام 2000. من بين الشخصيات المحورية في فترة عمل منظمة الجهاد الإسلامي يبرز أسم الشخصية الغامضة علي رضا أصغري ضابط الحرس الثوري الإيراني والمقرب وقتها من مجموعة محمد منتظري ومهدي هاشمي الساعيين لخلق امتداد أممي للثورة الإسلامية مطلع الثمانينات. لاحقاً أصبح أصغري جنرال في حرس الثورة ونائب لوزير الدفاع في حكومة محمد خاتمي لكنه كان خارج الحكومة في فترة رئاسة أحمدي نجاد واختفى في ظروف غامضة في إسطنبول في العام 2005 حيث تتضارب المعلومات حول اختطافه من قبل الموساد أو انشقاقه للعمل مع الاستخبارات الأميركية مع ترجيح فرضية الانشقاق من قبل صحفيين مقربين من الدوائر الاستخبارية ككاي بيرد، رونين بيرغمان، وصموئيل كاتز. يجمع هؤلاء الصحفيين على الدور المركزي الذي لعبته المعلومات التي توفرت من أصغري في الوصول للحاج رضوان واغتياله. لكن ما تناسته الأجهزة التي قامت بالاغتيال انهم وإن وصلوا للجسد وأفنوه فإن الروحية هي الباقية وأنها هي وحدها المحرك للأجيال القادمة في طريق التحرير.

"ثم، متى كان الشهيد غائباً؟

ومن قال أن حضور المرء إنما يكون بجثمانه لا بالقيم التي يمثلها؟

لا، الشهيد حاضر وخالد..." علي شريعتي – الشهادة

***

"يا منشدين الملاحم في سائر الأزمان

رضوان عريس المقاومة وهو ضيف رضوان

والجنة هي العروسة والضامن الرحمن

يا فص عين الحقيقة يا ابن الحسين يا شهيد

عقد اللولو نادى لك لبيت نداه من بعيد

وصبحت في العقد حبة وفي المسيرة نشيد"

أحمد فؤاد نجم

 

 

كاتب سوداني