Ar Last Edition
Ar Last Edition

Download Our App

تكشف سياسات روسيا الأفريقية، امتداداً من ليبيا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى ومساعي موسكو توظيف الدور الإقليمي الجنوب أفريقيا سواء في أفريقيا الجنوبية أم في بقية الدول الأفريقية لصالح أجندتها، وما ورد عن تقارير تسليح روسيا لمجموعات عسكرية غير نظامية في العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك ليبيا حيث تقاربت روسيا تقارباً غير مسبوقاً مع المشير خليفة حفتر قائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي

محمد عبد الكريم

أفريقيا والجنوب العالمي: على عتبات مكر التاريخ

قدم سمير أمين في نقده لأندريه جوندر فرانك (التاريخ العالمي: نظرة من الجنوب) طرحاً مهماً في تصور التاريخ كدورة أبدية، وأن التاريخ منذ بدايته يتعامل مع نظام لطالما كان عالمياً، بمعنى أن تطور أقاليم العالم المختلفة لم يحدد على الإطلاق بتفاعل قوى داخلية بالمجتمعات المعنية، لكن بتفاعل قوى تعمل في النظام العالمي، وهو عالم، حسب فرانك، ظل كما هو منذ نشأته، ومن ثم فإن تحقيب تطور العالم (على سبيل المثال الفترة من العام 1500 حتى العام 1800) تظل مسألة متوهمة ولا توجد في الواقع. وللمفارقة فإنه رغم هامشية تناول أمين في عمله ذلك، أو فرانك في العمل الذي حرره حول النظام العالمي (بالتعاون مع باري ك. جيلز- 1993)، لأفريقيا وموقعها كمنطقة أو إقليم في هذا "التاريخ/ النظام العالمي"، تأتي أفريقيا في قلب عملية التأثر بالقوى الخارجية وتحديد ماضيها ومستقبلها ربما أكثر من أي إقليم آخر من جهة قياس العوامل المؤثرة في تطورها/ تخلفها.

وبعيداً عن تبني مستويات من خطاب الاستعمار، وما بعد الكولونيالية، أو حتى فكرة "الاستعمار الجديد" التي عول عليها الأفارقة لعقود في تفسير تخلف قارتهم، تأتي تفاعلات ما يعرف "بالجنوب العالمي" الراهنة، والتي تقودها الصين ثم روسياوالبرازيل بالأساس (تحت مظلة البريكس، ودون تبني أيديولوجية واضحة مناهضة لمقولات النظام العالمي الذي تقوده واشنطن)، ثم جنوب أفريقيا باسم بقية دول القارة، لتعمق، خلافاً للصورة الرائجة إعلامياً، أزمة القارة الأفريقية وهامشيتها وتبعيتها في عملية تطور النظام العالمي الجارية. فأفريقيا، باستثناء بارز لجمهورية جنوب أفريقيا ولأسباب تاريخية واقتصادية مفهومة من بينها الطبيعة الرأسمالية/ الغربية الجوهرية لهذه الدولة وتحولاتها الاستيطانية منذ منتصف القرن السابع عشر، تظل عالقة في حديقة هذه التفاعلات الخلفية بشكل لا تخطئه العين. وبدا ذلك واضحاً في حدود التنافس، وليس الصراع، الصيني- الأمريكي في القارة منذ إطلاق عملية شنغهاي 1974 والتي توصل البلدان بمقتضاها لتفاهمات في سياساتهما الخارجية وملفاتها المختلفة من بينها أفريقيا.

وبشكل محدد، تبرز حقيقة تجاور المصالح الصينية والأمريكية في العديد من النقاط الساخنة (سياسياً واقتصادياً وجيوسياسياً) في أفريقيا، مثل جيبوتي وأنجولا والكونغو الديمقراطية وراهناً في إقليم الساحل وأطرافه، واستمرار وجود مستويان من التنافس الصيني- الأمريكي في أفريقيا: ظاهري وهو جدية هذا التنافس، وربما وصفه بالصراع في أجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تميل لطروحات صدامية وشعارات شعبوية تزيد من قوته التفاوضية لاحقاً؛ وضمني أو باطني، وهو وجود تفاهمات عملية بين البلدين في تقاسم المصالح والنفوذ والنهب في القارة، بل وتوطئة كل منهما لمصالح الآخر في بعض الحالات مثلما يجري حالياً فيما يعرف بممر لوبيتو الذي يربط الكونغو بزامبيا وانجولا؛ ففي الوقت الذي يواجه فيه التمويل الأمريكي والأوروبي مشكلات في المشروع، ولاسيما في زامبيا، تلقت الأخيرة دفعة قوية من الصين عقب زيارة وزير خارجيتها (نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر 2025) للوساكا للمرة الأولى منذ ثلاثة عقود تقريباً حاملاً معه تأكيدات بزيادة القروض التنموية الصينية لزامبيا (التي وصلت حتى نهاية العام الجاري إلى 5.7 بليون دولار)، ومساعدة بكين للوساكا في تجاوز أزمتها المالية، ويتوقع أن تكون تلك المساعدات من أهم أدوات مساعدة زامبيا في تمويل التزاماتها في ممر لوبيتو بشكل أو بآخر، أو حتى في تمويل عملية سداد زامبيا (الغنية بموارد النحاس) لديونها المستحقة للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ مما دفع البنك الدولي لتوقيع أن تسجل زامبيا نمواً في الاقتصاد بنسبة 6.5% في العام المقبل 2026، وهو ما يفوق متوسط النمو في العقدين الأخيرين (وقف عند 5%).

كما تكشف سياسات روسيا الأفريقية، امتداداً من ليبيا إلى جمهورية أفريقيا الوسطى ومساعي موسكو توظيف الدور الإقليمي الجنوب أفريقيا سواء في أفريقيا الجنوبية أم في بقية الدول الأفريقية لصالح أجندتها، وما ورد عن تقارير تسليح روسيا لمجموعات عسكرية غير نظامية في العديد من الدول الأفريقية، بما في ذلك ليبيا حيث تقاربت روسيا تقارباً غير مسبوقاً مع المشير خليفة حفتر قائد ما يعرف بالجيش الوطني الليبي، وهو وثيق الصلة بأجهزة الاستخبارات الأمريكية وينفذ سياسات خارج حدود ليبيا على نحو يتسق مع مصالح وأهداف قوى إقليمية تنتقص بدورها من سيادة الدول الأفريقية (مثل التفاعلات الجارية على الحدود السودانية التشادية، والمثلث الحدودي بين ليبيا ومصر والسودان). وتشي هذه الخريطة المعقدة لسياسات روسيا العسكرية والأمنيةبالأساس في أفريقيا باستبدال روسيا- بوتين سياسات الاتحاد السوفييتي الأفريقية المتشحة بقيم ومبادئ أيديولوجية ثابتة نوعاً ما، بأجندة مرنة للغاية لا تتورع عن التلاقي مع مصالح أمريكية- غربية، أو مصالح ما يمكن وصفها بقوى الإمبريالية الفرعية، وهو وصف دقيق للغاية يسري على الدول الفاعلة في الشأن الأفريقي حالياً مثل الإمارات والسعودية والهند وتركيا، والتي تتسق أدوارها تماماً مع أدوار القوى الكبرى في القارة: الولايات المتحدة والصين

وبغض النظر عن ضعف المساهمة الأفريقية في عملية الجنوب العالمي، بوعي أو بدونه، ونزع الصين لأي توجه أيديولوجي مناهض للنظام العالمي، بمفهومه الرأسمالي، عن منصة "الجنوب العالمي"، فإن أفريقيا تواصل لعب دورها في خدمة تاريخ القوى الكبرى، وعملها مساراً أو جسراً ناقلاً لتفاعلات هذه القوى. كما تكشف نظرة أعمق عن تحول أفريقيا تدريجياً إلى أن تصبح الساحة الخلفية لمنصة أو عملية الجنوب العالمي ذاتها، ويمكن تلمس ذلك في عدة ظواهر: أولها نجاح إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كشف الضعف البنيوي لاقتصادات العديد من الدول الأفريقية، وإجبار الأخيرة على السعي للانضواء تحت مظلة "السلام الأمريكي" مثل جمهورية الكونغو الديمقراطية وبوتسوانا ونيجيريا والسودان مؤخراً مقابل تقديم واشنطن مساعيها لتحقيق الاستقرار والسلام في تلك الدول، وتقديمها بالتبعية تنازلات اقتصادية وجيواستراتيجية مؤلمة، فيما لم تعر الصين وروسيا (قطبا الجنوب العالمي كما يفهم من دينامياته) اهتماماً لهذا التطور، الأمر الذي يفهم ضمنياً على أنه يتسق مع تقسيم ما للعمل داخل النظام الدولي الراهن؛ وثانيها تزايد اعتماد الصين على البترول الأفريقي منذ العام 1993 مع تحول الصين لمستورد صاف لهذا المورد الهام منذ أكثر من ثلاثة عقود (1993)، وجهودها الحثيثة لتغطية وارداتها منه (وهي أكبر مستورد للبترول في العالم وتليها الولايات المتحدة) بتصدير السلع والخدمات للأسواق الأفريقية بشكل متزايد، وهي الاستراتيجية التي تطلبت من الصين مرونة ملحوظة في التنسيق مع الولايات المتحدة في عدد من أهم نقاط ارتكازها التقليدية في القارة مثل إثيوبيا وكينيا وغانا وغيرها، وربما في بعض الأحيان دعم الجهود الأمنية والعسكرية الأمريكية في عدد من الدول الأفريقية بشكل غير مباشر عبر تزويد الأخيرة بمعدات عسكرية ضرورية لتطوير أداء جيوشها وقواتها الشرطية، وبأسعار تنافسية. وثالثها عدم ترجمة تعاون الجنوب- الجنوب في شكل تراكم تنموي أفريقي، إذ تتحول أفريقيا إلى مستورد كبير عاماً بعد آخر للواردات الصينية (بلغت زيادة الصادرات الصينية لأفريقيا في الشهور الثمانية الأولى من العام الجاري حسب تقديرات نوفمبر 2025 حوالي 28% مقارنة بالفترة نفسها عن العام الماضي)، كما يؤشر تحول دور الصين في أفريقيا من مشروعات البنية الأساسية التي ترعاها الشركات الصينية المملوكة للدولة إلى الاعتماد على سلع الاستهلاك الخاص، مع تدهور الاستثمارات الصينية في أفريقيا بنحو 40% مقارنة بذروتها التي وصلت لها في العام 2015، يؤشر كل ذلك إلى طبيعة موقع أفريقيا في "نظام الجنوب العالمي" كمتلق صاف، دون مبالغة، لتفاعلاته السياسية والاقتصادية.

لكن لا يمكن النحو باللائمة كاملة على أطراف الجنوب العالمي غير الأفريقية على تراجع مكانة أفريقيا في هذا الترتيب "الفرعي" الدولي؛ فالدولة الأفريقية نفسها تعاني من أزمات مزمنة، ودون أفق لحلها، منذ الاستقلال، ولم تنجح إلا في حالات استثنائية في تجاوز علاقات التبعية الكاملة مع "الخارج"، أو ان تطرح نظم الحكم المتعاقبة في هذه الدول نفسها كمشروع وطني بعيد المدى لتحقيق تنمية حقيقية وتوزيع عادل (نسبياً بطبيعة الحال) لمكاسب هذه التنمية بين المواطنين. إضافة إلى أن عسكرة هذه النظم، حتى بواجهات مدنية، كرس استمرار الوصاية الأمنية والعسكرية على المجتمع وعلى جموع المواطنين، ومن ثم تكريس علاقات التبعية، ربما وصولاً إلى تمثل هذه النظم الكامل لفكرة الاستعمار الداخلي من أجل تحقيق استدامة هذه النظم وشبكات مصالحها كما تكرر في أكثر من مثل من بينها انقلاب القصر الأخير في غينيا بيساو. ويلقي كل ذلك، بإيجاز، ظلالاً على أي دور مستقبلي للقارة في منصة الجنوب العالمي، كما يهيئ أيضاً تقبل فكرة بقاء أفريقيا في الساحة الخلفية لهذه المنصة، وبقاء القارة على هامش النظام العالمي بتفسيريه: التاريخي والآني، وكافة مظاهره ومن أبرزها هنا: الجنوب العالمي.

 

أستاذ جامعي وباحث مصري