En العدد الأخير
En العدد الأخير

بعد مسيرة من العمل النضالي السري ضد الاحتلال البريطاني، اختار الشيخ السوري "عز الدين القسام" اللجوء إلى جنين والانطلاق منها للثورة العلنية. فجنين كانت خليةً ثوريةً يحميها الفلاحون المناضلون، كما أن موقعها الجغرافي قد مَنَحَ المقاتلين قدرةً على المناورة والاخفاء والتمويه

عطايا جمال أبو سمهدانة

جنين: حكاية ثورة

بعد مسيرة من العمل النضالي السري ضد الاحتلال البريطاني، اختار الشيخ السوري "عز الدين القسام" اللجوء إلى جنين والانطلاق منها للثورة العلنية. فجنين كانت خليةً ثوريةً يحميها الفلاحون المناضلون، كما أن موقعها الجغرافي قد مَنَحَ المقاتلين قدرةً على المناورة والاخفاء والتمويه. استُشهِدَالشيخ القسام في معركة "أحراش يعبد" (20 نوفمبر 1935)، والتي امتدت لأربع ساعات، هو ورفيقيه من "عصبة الثائرين"، الفلسطيني "يوسف الزيباوي" والمصري "محمد عطية".

قُبَيل إعدامه، طلب عز الدين القسام أن يتوضأ ويصلي، فكان له ذلك، وتقدم إلى مشنقته شامخاً صائماً وهو يقول: "مرحباً بلقاء الله، اللهم اجعل موتي فرحاً لأمتي". بعد شهادته، حمل راية الجهاد أخيه ورفيق دربه، ابن جنين، الشيخ "فرحان السعدي"، الذي لقبه المؤرخ القسامي "صبحي ياسين" بـ "المجاهد الصادق". وقد رافق السعدي القسام في معركته الأخيرة مع رفاقهم من عصبة الثائرين. الشيخ الذي كان من رموز ثورة 1929، كان له الفخر كذلك بإطلاق الشرارة الفعلية للثورة الكبرى عام 1936، بهجوم نفذه ضد قافلة صهيونية في 17 إبريل، وقد ألقت القوات البريطانية المُستَعمِرة القبض عليه في 22-11-1937، حيث حكمت عليه بالإعدام شنقاً بتهمة اغتيال الجنرال البريطاني، حاكم الجليل، "أندروز".

 

الفردوس المفقود (حزيران 1948):

قاتل الفدائيون الفلطسينيون في جنين كتفاً على كتف مع القوات العراقية المُسانِدة في معارك ضارية، حين هاجمها اليهود من ثلاث اتجاهات. فبعد أن احتل اليهود قريَتَيْ جلمة وصندلة؛ تقدموا نحو جنين وسيطروا على المرتفعات وقطعوا طريق جنين-نابلس. وفي نفس السياق، هاجم اليهود الفصيل العراقي الذي كان قد وصل في تلك البُرهة وحط رحاله في تل الخروبة، فقام الفصيل العراقي المكون من 37 مقاتلاً معهم قرابة 50 مناضلاً من الفلسطينيين على رأسهم القائد "فوزي جرار"، بطلب الدعم، فأمدته القيادة ببقية الرتل الذي كان مُخَيماً في دير شرف، وكان عبارةً عن سرية من المشاة قوامها 80 مقاتلاً، مزودين بأربع مدافع هاون وأربع رشاشات من طراز "فيكرز"، وخمسة مدرعات وفصيل هندسي، يقودهم المقدم الركن نوح عبد الله الجلبي. وما كاد الرتل اليهودي، الذي كان في القلب، يشتبك مع الفصيل العراقي، حتى تغلب عليه وسيطر على تل الخروبة، وقد أتم بذلك تطويق المدينة. فانحسب العراقيون وجزءٌ من الفلسطينيين إلى قلعة جنين وتحصنوا فيها، وقد سبقهم إليها عددٌ قليلٌ من السكان، وبقي فريق من المناضلين الفلسطينيين مرابطاً على الجبال القريبة من القلعة (عمارة البوليس المعروفة بتيغارت وتقع عند مدخل جنين الجنوبي). جاء فوج عراقي آخر يقوده المقدم "عمر علي" للمساندة، وراح يقصف المواضع اليهودية بنيران ما توفر من المدافع، وتقدم المشاة العراقيين و الفلسطينيين من الشارع العام في المدينة، ومن الجبال، حتى احتلوا سفوح برقين.

وفي تمام الساعة الثالثة والنصف من صباح يوم الجمعة الواقع في الرابع من حزيران، بدأت العصابات الصهيونية الانسحاب من جنين، وما كادت الساعة تدق الحادية عشر حتى انتهت معركة جنين بنصر مبين للعرب. حيث انسحب اليهود إلى محطة السكة الحديدية، تاركين وراءهم زهاء 25 قتيلاً، و6 رشاشات ومدفع هاون وقاذفة فيات وبعض الألغام. وقد سحبوا الكثير من الجثث، ومن لم يسحبوهم أحصاهم القائد "عمر علي" فوجدهم 350، وقد قال اليهود فيما بعد أن عدد القتلى والمفقودين من رجالهم قد بلغ في معركة جنين 1241. وأما الشهداء من العرب فكانوا أقل من مئة: 20 عراقياً، 20 من المناضلين الفلسطينيين، و46 مدنياً من بينهم عددٌ ضئيلٌ من النساء والأطفال. وقد اتفق الفلسطينيون وقسم الإنشاءات في الجيش العراقي على إقامة نصب تذكاري في مقبرة شهداء الجيش العراقي جنوب جنين التي تضم جثامين 44 شهيداً تخليداً لأرواحهم الباسلة.

 

لم تسقط الراية (جنين بعد 1948):

انطلقت أول مجموعة مسلحة من المخيم في العام 1954، قبل انطلاق الثورة الفلسطينية المعاصرة، على الرغم من قسوة الظروف التي تلت النكبة. وهي مجموعةٌ عسكريةٌ كانت مرتبطةً بالمكتب الـ 23 السوري.  كما نشأت فيه مجموعةٌ عسكريةٌ أخرى في بداية الستينيات، نفذت مجموعة هجمات على العدو إنطلاقاً من حدود ما يعرف بخط الهدنة الذي كان يفصل أراضي الـ 48 عن أراضي الـ 67، ولما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة في 1965، انضم لها الكثيرون من شباب ورجال المخيم، وشاركوا بالعمل الفدائي، وعند احتلال ما تبقى من فلسطين في العام 1967، ازداد عدد المُنتمين لفصائل الثورة الفلسطينية، فارتقى الشهداء منهم الشهيد الشيخ حسن ابو سرية، واعتقل العشرات، واستمر عطاء هذا المخيم طيلة عقود الاحتلال.

 

بارقة الأمل (انتفاضة الحجارة 1987):

مخيم جنين كما جميع المخيمات كان رحماً من أرحام الغضب والثورة في انتفاضة الحجارة، حيث التفت الجماهير حول خيار المقاومة وراحت تقارع المحتل، وتعمل على اجتراح الوسائل والأدوات من العدم، وقد أخذ النضال حينها أشكالاً عديدة أبرزها: الإضرابات الشاملة، المواجهات بالحجارة، الإطارات المشتعلة، المولوتوف، الأقنعة، مقاطعة البضائع، الإسعافات الأولية.. وصولاً لبعض الخلايا المسلحة التي كانت تعد الكمائن للعدو وتعدم العملاء.

 

معركة المخيم الأسطورية (انتفاضة الأقصى عام 2000):

بعد 11 يوماً من القتال، وعلى الرغم من حجم الدمار وعدد الشهداء وانعدام الدعم اللجوستي، سطر أبناء المخيم أسمى ملاحم البطولة. كان لمخيم جنين نصيب الأسد من العمليات الإستشهادية في الضفة الغربية، ومنذ 10 آذار حتى 31 منه خرج من المخيم  ثلاث عمليات استشهادية، كانت الأولى قرب بلدة أم الفحم والثانية قبل نهاية الشهر بأيام في مطعم قرب حيفا والثالثة كانت في نتانيا، وقد بلغ مجموع قتلى العدو في العمليات الثلاث ما يزيد على 60 قتيلاً ونحو 200 جريحا. قررت حكومة العدو عندها تنفيذ عملية "السور الواقي"؛ التي كان تهدف إلى احتلال كافة مدن ومخيمات الضفة، والقضاء على خلايا وأذرع وبنية المقاومة، فكان مساء 2 نيسان 2002 ساعة الصفر، عندما تحركت عشرات الدبابات تساندها طائرات الأباتشي، والآلاف من جنود النخبة، نحو مخيم جنين، أو "عش الدبابير" كما كان يسميه العدو.

كانت هذه العملية مُتوقعة، لذلك عملت قوى المقاومة على الاستعداد لها، وكانت الوحدة متراسهم الأول، وقد قدم أهالي المخيم نموذجاً راقياً في التكافل الاجتماعي، كما استفاد المجاهدون من خبرة الشهيد القائد "يوسف ريحان" أبو جندل، حيث شكل مع قادة الفصائل الشيخ "محمود طوالبة" قائد سرايا القدس و"زياد العامر" قائد كتائب شهداء الاقصى و"محمود الحلوة وقيس عدوان" قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام، غرفة عمليات مشتركة لإدارة المعركة، كانت أولى مهامها توزيع المقاتلين على أحياء المخيم حسب الحاجة وتقسيمهم إلى مجموعات، ووضع العوائق والسواتر الترابية، بالإضافة إلى تفخيخ الطرقات والأزقة والبيوت ومواسير الصرف الصحي، ونصب الكمائن. وقد بلغ مجموع المقاتلين قرابة مئتي مقاتل. وقد تم حصار المجموعة الأخيرة في غرب حارة الحواشين، حيث كانوا نحو 17 مقاتلا من كافة الفصائل، وقد نفذت ذخيرتهم، وكانوا في منطقة محصورة لا تتعدى سبعين متراً. تدخل الصليب الأحمر، وجميع الجهات الدولية لمنع العدو من قصفهم، كما قدم "السيد حسن نصر الله" الأمين العام لحزب الله، استعداده لإطلاق سراح الأسير الاسرائيلي"ألحنان تلمباول"، مقابل رفع الحصار عن هذه المجموعة والمخيم، لكن العدو رفض، فأُسرت المجموعة بعد أن فرضت بعضاً من شروطها، لتنتهي المعركة بعد 11 يوماً في 14 نيسان.

 

جنين، حتمية المقاومة

إن المجتمع كالكائن الحي، تحكمه قوانين طبيعية وعلمية من جانب، كالقدرة على حماية حياته والجهد للمحافظة على أعضائه، والتي يُعَبر عنها بغريزة البقاء، ومن جانب آخر قوانين جبرية وهي التي لا دخل لإرادة الإنسان فيها، مثل القدر، وما يرثه الإنسان من صفات، بالإضافة للظروف المحيطة وتأثيرها على سلوك الإنسان. لذلك نرى أن سنة مجتمع مخيم جنين كما فلسطين، هي الرفض وعدم الإستسلام.

على الرغم من تعمد العدو إحداث أكبر قدر من الدمار وسفك أكبر قدر من الدماء، واهماً بأنه من خلال ذلك سوف يعمل على كي وعي الجماهير وسلبها إرادة القتال، إلا أن الفلسطيني الحُر لا خيار أمامه سوى تبني العنف في سبيل تحرير ذاته والحفاظ على إنسانيته من مسخ المُحتل، وقد عبر عن هذه الحالة، المناضل فرانز فانون حين قال: "إن الإستعمار ليس آلةً مفكرة، وليس جسماً مُزوداً بعقل، إنما هو عُنفٌ هائجٌ لا يمكن أن يخضع إلا بعنف أقوى منه".

تذكر والدة الشهيد "عبد الله الحصري" أنها قالت له: "يما بدكاش تهدا؟ فقال لها: "أنا بقدرش أسمع إنه في يهود في المخيم وأضل قاعد، بتحملش، دمي بصير يغلي". إن الناس "الأفراد" في نظر الإسلام مسؤولون عن تعيين مصائرهم، وفق قوله تعالى :"إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" و "كل نفس بما كسبت رهينة"، وهي آياتٌ تعبر عن المسؤولية الفردية والمجتمعية في تقرير المصير، ويتجلى هنا الشهيد القائد "جميل العموري" نموذجاً ملهماً لشباب المخيم، الذي قدم بسلوكه نموذج الشهيد الحي على نهج الطوالبة، حيث كان يشتري السلاح والذخيرة من ماله الخاص، ولا يوفر جهداً في مساعدة أبناء المخيم دون سؤال، ويسهر على حماية أهله. أمثال الجميل يولدون حين وفاتهم، إذ رحل عن مخيم جنين جسداً لكنه بقي روحاً ونهجاً مشتعلاً في كتيبة جنين.

وخلاصة القول أن فلسطين بعيون جنين، تمتلك كل عوامل التغيير، حيث يتوفر الإرث النضالي، ونموذج الأسطورة، والبيئة العصية على التدجين، بالإضافة إلى الأشخاص الذين يتحملون المسؤولية الوطنية بحق وإن كانوا قلة. ومن هنا نخلص إلى معادلة طردية بسيطة: فكلما زادت هذه النوعية من الفدائيين، كلما ظل الاشتباك مستمراً في هز كيان العدو. إن حالة الاستنزاف تختصر المسافة نحو الحرية، فالأمن في الكيان المؤقت شرط وجود، والمقاومة جدوى مستمرة. "والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون".

 

كاتب وناشط فلسطيني