En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

بالرغم من بعد الشبه بين الحكومة الإسرائيلية وهابيل، إلا أن قايين الإسرائيلي اليوم، على استعداد أكثر من أي وقت مضى، لقتل أخيه، وهو ما سنراه في هذا المقال حول "إسرائيل والغاز: لعنة قايين

هيئة التحرير

"إسرائيل" والغاز: لعنة قايين

(اشتغل قايين لما كبر بالزراعة وصار عاملاً في الأرض. وقدّم قربانًا لله من أثمار الأرض بينما قدّم أخوه هابيل من أبكار غنمه وسمانها. فقبل الرب قربان هابيل ورفض قربان قايين فاغتاظ قايين جداً. ولما اغتاظ قايين وأضمر الشر لأخيه. حَذرّهُ الله من الخطيئة فلم يرتدِع... "وكلّم قايين أخاه. وحدث إذ كانا في الحقل أن قايين قام على هابيل وقتله" (التكوين 4: 3، 4، 5، 6، 7)). تمثل هذه الحكاية من العهد القديم تمثيلاً نموذجياً لشخصية أصحاب النفوذ في "إسرائيل". وبالرغم من بعد الشبه بين الحكومة الإسرائيلية وهابيل، إلا أن قايين الإسرائيلي اليوم، على استعداد أكثر من أي وقت مضى، لقتل أخيه، وهو ما سنراه في هذا المقال حول "إسرائيل والغاز: لعنة قايين".

***

بدأت الاكتشافات الأولى للغاز الطبيعي في المناطق البحرية لفلسطين المحتلة خلال العقد الأخير من القرن العشرين، بعدما تأكدت شركات النفط الدولية من وجود احتياطي في المياه المصرية بشكل رئيس. في المرحلة الأولى من بداية العقد الأول من هذا القرن، تركزت جل الاكتشافات في الكيان الصهيوني في المياه الجنوبية، لكن الحقول المكتشفة آنذاك لم تكن كبيرة ولا تجارية. إذ كان عدد الحقول محدوداً ومخزونها الاحتياطي ضئيالاً، حتى أن بعضه تم استنفاده على الرغم من محدودية الإنتاج، كما حصل في حقل "ماري ـ ب" مثلاً (وهو أول حقل للغاز بدأ الإنتاج فيه سنة 2004) بعدما جرى بيع إنتاجه إلى شركة الكهرباء الإسرائيلية.

في نفس الوقت، واجهت "إسرائيل" عقبات عدة في اكتشاف حقول نفطية تجارية لإخفاقها في استقطاب شركات عالمية مهمة جراء المقاطعة العربية،[1] وتركيزها على المناطق البرية بدلاً من البحرية. ولم تتغير هذه الصورة إلا مع نهاية القرن الماضي، بفعل نهاية المقاطعة العربية بعد توقيع اتفاقية أوسلو، الأمر الذي سمح لبعض الشركات بالعمل في كل من مصر والكيان الصهيوني من دون رادع.

لعنة الغاز؟

تسعى "إسرائيل" من خلال الاكتشافات البحرية الشمالية لرسم سياسة توفر احتياطي غاز كاف للعقود المقبلة، وهذا جزء من سياستها الأمنية التقليدية التي تحاول تحقيق الاكتفاء الذاتي لتقليص الاعتماد، بجميع الوسائل الممكنة، على استيراد الطاقة من الدول العربية المجاورة. وقد باشرت "إسرائيل" تأهيل محطاتها الكهربائية من أجل استعمال الغاز الطبيعي بدلاً من الفحم الحجري، كما بادرت الحكومة الاسرائيلية إلى تشكيل لجنة لدراسة الحاجات من الطاقة، وبعد كثير من النقاش والجدل العلني لاقتراحات اللجنة، تم إقرار تصدير نحو 40% من احتياط الغاز من حقل معين من دون الحاجة إلى الحصول على موافقة الكنيست لتصدير كميات أكثر. والهدف الرئيسي من هذه السياسة هو توفير إمدادات مستقبلية كافية، وفك الاعتماد على الغاز المستورد. وعارضت هذا القرار الشركات العاملة لأنه يقلص هامش أرباحها، ذلك بأن معظم أرباح الشركات يتحقق من خلال التصدير ومشاريع التصدير، وليس من المبيعات في السوق المحلية، نظراً لانخفاض الأسعار المحلية مقارنة بالأسعار العالمية.

إن فرضية "إسرائيل" في اتخاذ قرارها هذا ينطلق من أن احتياط الغاز الذي تم اكتشافه سيكون كافياً لتوليد 70% من طاقة الكيان الكهربائية، مقارنة بقدرة الفحم الحجري حالياً على توليد 35% فقط من الطاقة الكهربائية، مقابل 45% يجري توليدها عبر استخدام الغاز.  

أما على الأرض، فالرواية الإسرائيلية مختلفة. تقوم شركات خاصة تابعة لمستثمرين محليين وأجانب بالتنقيب. "يم تطيس-  بحر تطيس" هي من أبرز الشركات الخاصة العاملة في هذا المجال. الشركة عبارة عن تعاون بين كل من: "ديلك للتنقيب" و"افنري للنفط" و"شيفرون" وريثة "نوبل للطاقة - Energy Noble" الأميركية وشركة "يسرمكو للتنقيب". خلال العقد الأخير نجح المنقبون في العثور على الغاز في المياه الإقليمية الفلسطينية. عام 2009، أعلنت شركة "يسرامكو" عن اكتشاف ثلاثة حقول غاز عملاقة مقابل شواطئ حيفا. كذلك أعلنت شركة "ديلك للتنقيب" عام 2010 عن اكتشاف حقل غاز عملاق جديد في أعماق البحر. اعتُبر اكتشاف حقول الغاز تلك بداية ثورة في مصادر الطاقة في "إسرائيل". ستؤثر الطاقة المُكتشفة حتماً على جميع القطاعات الاقتصادية. عدا عن ذلك. لقد أسقط اكتشاف الغاز، القناع عن "صورة إسرائيل الديمقراطية" وكشف مدى تأثير المستثمرين وشركاتهم على صناع القرار في تل أبيب.

لسنوات، أثارت الأرباح الخيالية المترتبة عن اكتشاف الغاز ضجة في "إسرائيل". الخلافات حول حجم تقاسم الأرباح بين الحكومة والشركات المستكشفة، وحصة كل من الحكومة وشركات التنقيب كشفت ما هو أخطر بكثير. لم تعد القنوات الرسمية مستقلة في عملها البتة. "لجنة شيشانسكي" التي قام بتعيينها وزير المالية الأسبق يوفال شتاينتس لبحث مسألة قطاع الغاز قانونياً واقتصادياً، وكل ما يتعلق بأرباح الغاز والضرائب وحصة الدولة من الأرباح أفضت هي الأخيرة لشرخ كبير.

البدايات المتعثرة:

عام 1952، تم سن قانون النفط في "إسرائيل". بموجب القانون، كانت حصة الدولة من أرباح الشركة المنقبة في حقول الغاز، 12.5% من مجمل الأرباح. هذا يعني أن الحصة الإجمالية "للدولة" لن تتجاوز بأي حال من الأحوال الـ30% إذا ما أضفنا الضرائب المفروضة على الشركات. تعتبر هذه نسبة أرباح "الدولة" هذه الأكثر انخفاضاً مقارنة بالدول الأخرى المنتجة للغاز (بريطانيا 53%، كندا 55%، أميركا 51%، النرويج 75%)، علماً أن حجم الضرائب وقيمتها تتحدد مقارنة بحجم المخزون وأرباحه.

عام 2002، قام بعض أعضاء الكنيست بتقديم اقتراح قانون لرفع نسبة الأرباح المدفوعة للحكومة إلى 60%، إلا أن الاقتراح واجه اعتراضات شديدة من قبل شركات الغاز التي قامت بالضغط على لجنة الاقتصاد البرلمانية لإيقافه. وبالفعل، تم وأد الاقتراح. في الأروقة والكواليس مارس الأميركيون ضغوطاً كبيرة من على لجان الاقتصاد في الكنيسيت الإسرائيلي لثنيه عن القبول بأي مقترح يحد من أرباح الشركات الأميركية الشريكة في الاستثمار بالتنقيب عن الغاز، كشركة "نوبل إينرجي - Energy Noble". في نيسان من العام 2010، أقيمت لجنة شيشانسكي؛ وهي لجنة رسمية تهدف إلى تقديم توصيات حول رفع حصة الحكومة من أرباح شركات الغاز. قدمت اللجنة استنتاجاتها المرحلية في تشرين الثاني 2010 واستنتاجاتها النهائية في كانون الثاني 2011. بين التقريرين، كان ثمة صراع بين أجنحة مختلفة في الكيان تقاتل من أجل حسم الأمور لصالحها. عملياً كانت لجنة شيشانسكي حلبة مواجهة بين القطاع الخاص، الدولة العميقة، والإدارة الأميركية، لكن الغلبة فيها جاءت لصالح الشركات وعلى حساب "الدولة".

إن مقارنة بسيطة بين التوصيات المرحلية للجنة وتوصياتها النهائية توضح وجود الفارق الكبير في حصة القطاع العام ومجمل أجهزة "الدولة" الإسرائيلية. فقد أوصت اللجنة في التقرير المرحلي أن تكون حصة الدولة من الأرباح تدريجية. على أن تكون بداية بما نسبته 20%، ثم ترتفع تدريجياً إلى نحو 60% بعدما يضمن المستثمرون أرباحاً بنحو 230% من استثماراتهم. بالمجمل، أوصت اللجنة في تقريرها المرحلي أن يصل مدخول الدولة من الضرائب إلى نحو 66% من الأرباح. لكن التقرير النهائي عاد ليتخذ قراراً بألا تتجاوز مدخولات الدولة من الضرائب على الأرباح الـ57%. إضافة إلى ذلك، ارتفع شرط جباية الضريبة بعد استرجاع الشركات المستثمرة أرباحاً نسبتها 280% بدلاً من 230% من مجمل تكاليف الاستخراج. كذلك الأمر في ما يتعلق بـ"الخسس" (في هذا البند تحظى الشركة بتخفيض نسبة الضرائب بسبب تراجع قيمة الممتلكات). ففي التقرير المرحلي كانت نسبة الضرائب المخفضة على الشركات نحو 7% إلا أنها ارتفعت إلى 10% في التقرير النهائي. استُثني مخزون "تمار" من هذه القيمة وظلت نسبة الخسس نحو 15% فيه. بالمحصلة، يمكن القول أنه وعلى الرغم من رفع حصة الدولة من أرباح استخراج الغاز إثر توصيات اللجنه، إلا أن ذلك لم يكن بقدر التوقعات أو المطلوب، فقد حافظت الشركات على حصتها دون ضرر كبير.

وبالرغم من صعوبة تحديد أسباب تغيير توصيات اللجنة بين التقرير المرحلي والآخر النهائي، لكن الواضح أن النتيجة كانت أقل مما طالب به أعضاء في البرلمان واللجان النيابية في الكنيسيت. كما إن محاولات الشركات التأثير على حصة الكيان ونسب الضرائب لم تكن بالخفاء ووراء الكواليس فقط، بل بالعلن (عن طريق لقاءات شخصية مع متخذي القرار والوزراء أو عن طريق تجنيد آراء مختصين بمحاولة لإقناع الوزراء بموقف الشركات). ويُسجل من بين تلك المحاولات ما نشرته صحيفة "يسرائيل اليوم" في 28/02/2011، أن أحد أصحاب شركة "يسرامكو" للأعمال كوبي ميمون (يملك الأخير 29% من محطة "تمار" لاستخراج الغاز) التقى برئيس لجنة المالية البرلمانية وبأعضاء الكنيست تسيون فينيان وميري ريجيف (من الليكود) وهما عضوان في لجنة المالية، ومع عضو الكنيست امنون كوهين من شاس. بعد هذا اللقاء، قام الثلاثة بالتصويت ضد التقرير المرحلي. إضافة إلى هذه اللقاءات، وظفت شركات الغاز مجموعات ضغط على أعضاء الكنيست تُرجمت لخلافات شخصية بني عضوالكنيست كرمل شامه – كوهين (من الليكود)، وهو من مؤيدي رفع الرسوم على أرباح الغاز وبين حاييم كاتس (الليكود) الذي طالب بخفض رسوم الغاز (ملاحظة، حاييم يشغل منصب رئيس اتحاد عمال الصناعات الجوية، وأحد أكبر مقاولي الأصوات في الليكود، يُعتبر أحد أقرب رجال الليكود إلى رجل الأعمال كوبي ميمون).

وإذا ما قمنا بربط هذه التفاصيل بكيفية تصويت أعضاء الكنيست من الليكود على قانون شيشانسكي (قانون قدمته حكومة الليكود)، نرى أن كرمل شامة - كوهين وبنيامين نتنياهو هما الوحيدان اللذان قاما بالتصويت مع اقتراح القانون، أما باقي أعضاء الكنيست من حزب الليكود، فكانوا من مؤيدي زيادة التسهيلات لشركات الغاز، وخفض نسبة حصة الدولة من الأرباح. بإمكاننا تفسير هذا التصرف على أنه تخوف من عدم إعادة انتخاب هؤلاء الأعضاء في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب، خاصة أن كاتس هو المقاول الأكبر للأصوات. قد يكون السبب هوالعلاقة الوطيدة بين كاتس وميمون. لكن عضوالكنيست كرمل شامة – كوهين صرح أن كاتس يملك استثمارات بشركة يسرامكو تقدر بعشرة ملايين شيكل، وقد يكون هذا هو السبب الحقيقي وراء موقفه.

وقد نشر عدد من الصحافيين الإسرائيليين "اليسار" أخباراً عدة عن ضغوط كبيرة من رجل الأعمال يتسحاك تشوفا، مالك شركة "ديلك للطاقة" الشريكة في حقول الغاز[2]، على وزراء الحكومة، وعن عقده لقاءات شخصية مع عدد من الوزراء بهدف التأثير على التوصيات النهائية للجنة شيشانسكي. ففي 3/1/2011، كتبت صحيفة هآرتس أن تشوفا التقى مع وزيرالصناعة والتجارة بنيامين بن اليعزر، وعدد آخر من الوزراء، بهدف إقناعهم بمعارضة توصيات شيشانسكي. كما نُشر أن شركة تشوفا، وشركات استكشاف غاز أخرى، استأجرت خدمات سبع شركات علاقات عامة ومرافعة بارزة وذات صلة بمجتمع السياسة، للعمل على الوزراء وأعضاء الكنيست وموظفي الوزارات لإقناعهم بمعارضة توصيات اللجنة. وفي اعتراف نادر لوزير المالية الأسبق يوفال شتاينتس (الذي عين لجنة شيشانسكي)، قال إنه تعرض لضغوط هائلة من قبل شركات استكشاف الغاز، وأنه خشي فعلاً على حياته، أو على الأقل على منصبه، نتيجة موقفه تجاه إعادة ضبط أرباح الغاز، لأن لهذه الشركات نفوذاً سياسياً كبيراً. كما نصحه كبار الموظفين في وزارة المالية بعدم إعلان الحرب على تلك الشركات لأنه سيكون الخاسر. روى شتاينتس حديثاً له مع أحد مستشاري إحدى شركات الغاز آنذاك، عندما قال الأخير له بكل وضوح: "أتيت لأنقذك، ومن الأفضل أن تصل إلى تسوية قبل أن تتدمر".

أما محصلة نتائج لجنة شيشانسكي واقتراح القانون الذي قدم للكنيست عام 2011، فيوضحان فعلاً أنه كان هناك نوع من التسوية وحل الوسط بين ما وزارة المالية ومواقف شركات الغاز، بما يضمن عدم إلحاق ضرر كبير بأرباح تلك الشركات، على حساب ضمان دخل أكبر للدولة و"المستوطنين". هي لعنة قايين كما يصفها الإسرائيليون. ثمة دولة عميقة تستحكم بالنفوذ، وهي على غير ما يقول ستانلي فيشر، المحافظ السابق للبنك المركزي، بأنها كغيرها من شبكات المصالح العميقة في الدول الصغرى. ثمة قايين نهم للقتل في "إسرائيل"، وهو لا ينظر للكيان إلا من زاوية سفلى، غارقة في آبار الطاقة والمال.



[2] يقف يتسحق تشوفا على رأس عائلة تشوفا (أحدى أغنى 20 عائلة في "إسرائيل" التي تتملك عقارات كثيرة (نيويورك بلازا وغيرها)، وتستحوذ على كبرى شركات الطاقة والوقود "ديلك"). يساهم يتسحاق في التنقيب عن الغاز الطبيعي، ويمتلك شركات استثمارية ومالية تعمل في مجالات التأمين والتمويل (هفينيكس، إكسيلانس وغيرها)، وله 25 % من أسهم القناة الثانية في "إسرائيل".

صحيفة الخندق