En العدد الأخير
En العدد الأخير

حمل تطبيقنا

عند قيام الكيان، ومع ظهور تحدي وصول الشتات المهاجر إلى فلسطين، عمل بن غوريون على وضع الملامح الأولى لسياسة "التوزيع السكاني" بهدف "دمج الشتات". كانت "خطة شارون - 1951" الترجمة الأولى لرؤية بن غوريون

بشار اللقيس

النخبة الجديدة في "إسرائيل" – الجزء الثاني

عند قيام الكيان، ومع ظهور تحدي وصول الشتات المهاجر إلى فلسطين، عمل بن غوريون على وضع الملامح الأولى لسياسة "التوزيع السكاني" بهدف "دمج الشتات". كانت "خطة شارون - 1951" الترجمة الأولى لرؤية بن غوريون (شغل آرييل شارون في تلك الفترة منصب رئيس قسم التخطيط في مكتب بن غوريون بين عامي: 1948 – 1952). استهدفت الخطة تنظيم الهيكل المديني للكيان بما يتيح استيعاب 2.5 مليون مهاجر، كما حددت هيكلاً استيطانياً هرمياً يحوي خمسة أشكال استيطانية رئيسية. "مدن التطوير" التي حوت ما بين 6000 إلى 60 آلف مهاجر كانت المفتاح الإبداعي الرئيس في خطة شارون.

هدفت مدن التطوير (ويُقال لها أيضاً مدن التصنيع) إلى تحقيق أفضل توزيع سكاني يحقق الأغلبية اليهودية في مناطق الجليل والنقب. فقد افترض شارون ضرورة تشييد هذه المدن بعيداً عن المراكز العمرانية في "الدولة المستحدثة". إذ كان بإمكان الدولة توجيه المهاجرين إليها دون الأخذ برأيهم لكونهم يفتقدون إلى رأس المال الخاص وللعلاقات في هذه البلاد. ببساطة، كان المهاجرون خاضعين لرحمة الدولة المستوعبة لهم. ومن هؤلاء المهاجرين كان ثمة "شرقيون"، إضافة إلى أعداد قليلة من المهاجرين الأشكيناز. المفارقة أن غالبية الأشكيناز سرعان ما شقوا طريقهم عائدين إلى المدن الكبيرة في المركز، بينما ظل الشرقيون وحدهم تقريباً في مدن التطوير. هكذا، نشأت مفارقة صارت معها "خطة شارون" على طرف النقيض مع غايتها وهدفها. لقد أمسى "التوزيع السكاني" نقيض فكرة "دمج الشتات" في ما يُسمى بإسرائيل، وهو ما سيُؤسس لوضعية سياسية داخلية متأزمة في ما بعد.

عانى المهاجرون على مر سنوات طويلة من تهميش اجتماعي وثقافي واقتصادي. كان مصدر هذا التهميش الوضع الوظيفي المتخلف في كل هذه المدن لناحية الأجور المنخفضة وانعدام الاستقرار الوظيفي، ما أفضى على الدوام إلى الشعور بالغبن والإجحاف. لقد تأسس وعي ساكني مدن التطوير على أسس ثلاث: 1- النظرة المستعلية من المؤسسة الرسمية لهم. 2- وصاية السكان الشرقيين عليهم. 3- كرههم للعرب والفلسطينيين (وقد ساعد وجودهم على خطوط التماس مع المناطق العربية على ازدياد منسوب الكراهية عندهم).

في الحقيقة، يشكل اليهود الشرقيون، ومعهم يهود "مدن التصنيع" ظاهرة لافتة في المشهد الإسرائيلي. ومع ذلك لم يكن فهم هذه الظاهرة في "إسرائيل" موحداً على الدوام. وليس بعيداً عن التفسير الماركسي، ثمة تفسير آخر يرى أن إقامة مدن التطوير لم يكن إلا وسيلة لجأت إليها المجموعة المُهيمنة الأشكينازية بهدف تحويل اليهود الشرقيين إلى قوة استيطانية. وقد تم من خلال هذا المشروع تحقيق المصالح الإقليمية للمجموعة المهيمنة، حيث ساهمت قوة الاستيطان السفاردي في تحقيق الغايات القصوى للإحتلال سياسياً، وهذا أعطى الأشكيناز بدوره فائض ريع أكبر من حصتهم في النظام الدولي.[1] بهذا المعنى، لا يعود الصراع في "إسرائيل" بين سفارديم وأشكيناز، بل بين تصورين أشكينازيين للدولة،[2] يختلفان في قواعدهما الناخبة، ورؤيتهما السياسية، وقبل وبعد كل ذلك، يختلفان في طبيعة استثماراتهما وتصوراتهما لنفوذهما المالي. وهو ما بدأت النخبة الأشكينازية المستثمرة بجماعات "مدن التطوير" تبحث عنه منذ منتصف الستينيات.

 

مراحل صعود النخبة الجديدة:

منذ الستينيات، كانت "إسرائيل" تؤسس لمسار جديد في مع دخول اقتصادها أزمته الأولى. ففي تلك المرحلة تم وضع أسس وسياسات الصناعات العسكرية (نوعيـة الصناعات التي سوف تقام، ومواضعها والدعم المالي الذي ستتلقاه)، وقد كان للأخيرة دور كبير في تنمية الاقتصاد الإسرائيلي وبلورته في صورته الحالية. لقد عملت نواة الطبقة المتنفذة في "الدولة" منذ أواخر الستينيات، ككتلة واحدة متراصة تسعى لتحقيق مصالحها في إطار مؤسسات متداخلة ومتشابكة. وبالرغم من أن هذه القوى لم تنضج حتى مطلع التسعينيات، إلا أنها ومنذ بدء عملية السلام بين الإسرائيليين والنظام الرسمي العربي، صارت تتحرك ككتلة ضاغطة في الكيان الصهيوني.

وقد جاء موقف قسم كبير من القطاع الخاص وكبريات الشركات نتيجة لعمل جماعي للتأثير على السياسات الخارجية والسياسات الأمنية. وقد برز من المبادرين والداعمين لهذا الموقف بني غائون، مدير عام شركة "كور"، ودوف لاوتمن رئيس اتحاد أرباب الصناعة، وإيلي هوروفيتش، مدير شركة "طيفع" وغيرهم. بشكل جماعي، عمل هؤلاء جميعاً للتأثير على صناع القرار بغية تغيير سياسة "إسرائيل" تجاه منظمة التحرير والاحتلال سعياً لتحقيق أكبر عائد ممكن من الأرباح (كمثال، عام 1994، أسس رجلا الأعمال داني غلرمان ودوف لاوتمان جمعية باسم "نتائج اقتصادية من اتفاقية الحكم الذاتي للفلسطينيين" بغية المساهمة في دفع عملية السلام). وفقاً لغاي بن بورات، فإن "مجتمع الأعمال" ذاك تبنى، بمعظمه، عملية السلام، وأبدى استعداده للتدخل والتأثير على صانع القرار والمجتمع في آن، سعياً لتحقيق مآربه. وقد نجحت هذه المجموعة بالتأثير على صانع القرار بالفعل، لكنها لم تقنع كافة شرائح المجتمع الإسرائيلي بأهمية السلام بعيد مفاوضات كامب ديفيد عام 2000.

الإنعطافة الكبرى في كتلة الضغط هذه وقعت عام 2001، عندما عجزت المجموعة عن الحؤول دون انتخاب آرييل شارون رئيساً لحكومة الكيان، ما أدى إلى تراجع اهتمامها في التأثير على السياسات الخارجية والأمنية (وفي مجمل العملية التفاوضية)، وارتفاع اهتمامها في الحفاظ على مفاتيح قرار السياسيات الاقتصادية. فعمق القطاع الخاص من حضوره خوفاً من انكشاف الاقتصاد الإسرائيلي على الاقتصاد العالمي وتوسُع العلاقات التجارية والاقتصادية العالمية. بالمجمل لقد سعت النخـب الاقتصادية طوال عقود إلى فك الارتباط بالمصادر المالية الحكومية كما وبالبريوقراطية الوزارية، لضمان تجنيد رأس المال والمستثمرين من خارج "إسرائيل"، ومعهما قدرة أكبر على التأثير على السياسات المالية والاقتصادية الحكومية الداخلية.

هكذا، ومنذ مطلع الألفية الثانية، صار الاقتصاد الإسرائيلي أكثر تمركزاً حول عدد محدد من العائلات المالية المتنفذة. وهكذا صار الاقتصاد الإسرائيلي أكثر ارتكازاً على استثمارات نحو 20 عائلة تسيطر على نحو %40 من مجمل دخل أكبر 500 شركة في الاقتصاد الإسرائيلي مطلع الألفية. إذ اقترب الدخل السنوي لتلك العوائل من 800 مليار شيكل (أي قرابة %50 من إجمالي الناتج المحلي للقطاع الخاص في الكيان).[3]

وقد أفضى هذا الوضع إلى تفجير قوة الطبقة الوسطى الجديدة سياسياً؛ تلك التي استفادت من منح التعليم في مجالات التقانة المتطورة طوال عقود ثلاثة مضت. الأمر الذي ظهر مؤخراً على شاكلة تجمعات اقتصادية لصغار المستثمرين في مجالات تطغى عليها علوم "الداتا" في "إسرائيل" على شاكلة تجمع "أنا شولمان" (الحركة التي يقودها عبير قره – إسرائيلي سفاردي – والممثلة للقوى العاملة لحسابها الخاص والشركات الصغيرة المتحالفة مع بينيت) التي جمعت نحو 120 ألف شخص كأكبر كتلة تصويتية اقتصادية في التاريخ الإسرائيلي.[4]

استفادت هذه المجموعات بشكل كبير من السياسات الضريبية التي أمنت جسر العبور بين هذه المجموعات وقوى ضغط من خارج "إسرائيل". كما استفادت من الطبقة الأكاديمية الجديدة التي عبرت عنها "مدن التطوير". كنموذج مكثف لهذه لعلاقات هذه الطبقة يظهر اسم مركز دراسات كوهيليت (تأسس عام 2012) في حي جفعات شاؤول في القدس. في الواقع، صار كوهيليت أحد أكبر مراكز قوى الضغط في السياسة الإسرائيلية اليوم (طاقمه مؤلف من 140 باحث وعمله يرتكز على زيادة التأثير في مراكز صنع القرار في الكيان: الكنيست والحكومة والمحاكم). يعيد كوهيليت صياغة أيديولوجية اليمين الإسرائيلي في صورة أميركية تحررية: يمينية، قومية يهودية مقترنة بالاقتصاد المحافظ. ويروج للمستوطنات والخصخصة على كامل أرض ما يُسمى بـ"إسرائيل".[5] يرأس منتدى كوهيليت موشيه كوبل، الأستاذ في قسم علوم الكمبيوتر بجامعة بار إيلان. ويموله جيفري ياس وآرثر دانتشيك، وهما شريكان تجاريان لأسر يهودية من نيويورك. المفارقة أن الرجلين، وبالرغم من كونهما محافظين، إلا أنهما من خارج بيئة وول ستريت، فقد عرف الرجلان صعودهما من خلال المال الصيني الأسود في صالات القمار في لاس فيغاس، وبرامج حاضنات التكنولوجيا التي تقع على رأس أولويات يمين "مدن التطوير" اليوم.

في ورقته المعنونة " كيف يتم إدخال المتدينين المتشددين في مهن العلوم والتكنولوجيا؟" يعتبر رؤوفين غال رئيس مشروع دمج الحريديم في مؤسسة شموئيل نومان، أن الزيادة في نسبة العاملين الحريديم في مجالات العلوم والهندسة هي أكثر ما ينبغي الالتفات إليه في الاقتصاد الإسرائيلي اليوم. إذ تظهر بيانات وزارة الاقتصاد أنه في السنوات الأخيرة تضاعف عدد المتدينين العاملين في صناعة التكنولوجيا الفائقة، من حوالي 300 عامل عام 2009 إلى حوالي 700 عامل في 2011 معظمهم من النساء. يعمل المستوطنون الأرثوذكس اليوم في مختبرات البرمجيات والمبرمجين والمهندسين. والمفارقة أن غالبية هؤلاء هم من أبناء الطائفة الحسيدية في مدن التطوير والتجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية. ومن المتوقع أن نسبة أعلى بكثير من الأرثوذكس المتشددين - وخاصة الرجال – ستمضي للاندماج ليس فقط في صناعات التكنولوجيا العالية، ولكن في مختلف مراكز البحث والتطوير العلمية والصناعات التكنولوجية ومختبرات البحث.[6] عند هذا الحد يصير مشروع كل من: نفتالي بينيت، إيتامار بن غفير، بتسلائيل سموترتش، ميخائيل بن آري (كتلة كاهانا)[7] مشروعاً متجاوزاً للأطر الحزبية التقليدية في الكنيسيت، كما أن مذهبهم الاعتقادي ليس دينياً في جوهره. إنها وجهة نظر يمينية تقوم على أساس الهوية الدينية مع دعم كامل للاستيطان. وللسوق الحرة. إنها كتلة طبيعية تمثل نتاجاً طبيعياً لهذا المركب الجديد؛ التوراة والخوارزميات، ومن خلفهما مال لاس فيغاس الأسود.  


[1] إيرز صفدية وأورن يفتاحيل، اليهود الشرقيون والمكان؛ نشوء طبقة إثنية في بلدات التطوير، مجلة قضايا إسرائيلية، مركز مدار للدراسات، ص 46.

[2] بإمكاننا لحاظ ذلك من خلال طاقم رؤساء الشركات الأكثر حساسية على مستوى القطاعين العام والخاص، وكلهم من الأشكيناز: موشيه ليفي، الرئيس والمدير التنفيذي لشركة إسرائيل للصناعات الجوية المتقدمة، نعوم سيغال المدير العام لبرنامج إيماج سات الفضائي، مارك هورشتاين مدير ألبت معرخوت للتكنولوجيا المتقدمة. يوآڤ هار إيڤن، رئيس ومدير وحدة رفائيل لأنظمة الدفاع المتقدمة.

[3] أوفري آفو، فاني يوفال، وغاي بن بورات (2010). حول اختفاء أحزاب اليسار الصهيوني، لدى، آشر اريان وميخال شامري (محرران)، الانتخابات في "إسرائيل" 2009. القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية. وأيضاً، تمار هريمان، يوفال ليفل، إيله هيلر، ونري آتمور، "مؤشر الديمقراطية في إسرائيل 2012"، القدس: المعهد الإسرائيلي للديمقراطية.

[5] يقدم "كوهيليت" اليوم خدماته لأعضاء الكنيست من أحزاب مختلفة هي: من الليكود: نير بركات، أمير أوحانا ويواف كيش. من يمينا بينيت وأييليت شاكيد ومتان كاهانا؛ ومن أمل جديد زئيف إلكين وزفي هاوزر وشارين هاسكل. لكن كوهليت كما يقدم نفسه يصر على أنه تحت تصرف الجميع، بمن فيهم اليساريون، طالما أن المطلوب هو خط أيديولوجية منظمة لليبيرالية قومية تشمل كامل أركان "الدولة". https://bit.ly/3ymrvLD

إعلامي لبناني، ورئيس تحرير الخندق