En العدد الأخير
En العدد الأخير

يعيش العالم العربي منذ حوالي عشر سنوات ظروفاً استثنائية. في كل ما حصل من ثورات وتحركات مطلبية كان لجماهير كرة القدم دور كبير، كأكبر دليل على ذلك ما حصل ولا يزال يجري في مصر.

إبراهيم مرعي

'مدرّج الناس'": الثورات تبدأ من الملاعب"

"

يعيش العالم العربي منذ حوالي عشر سنوات ظروفاً استثنائية. في كل ما حصل من ثورات وتحركات مطلبية كان لجماهير كرة القدم دور كبير، كأكبر دليل على ذلك ما حصل ولا يزال يجري في مصر. الـ"ألتراس" في مصر كان له الدور الأكبر في الثورة هناك ربما، حتى أنه تم تصنيفه كأكبر تجمع منظم في البلاد، وتمت محاربته ومنعه بطرق شتى. في الفترة الأخيرة، وتحديداً قبل بطولة أمم افريقيا 2019 التي استضافتها بلاد النيل خرج هذا الألتراس بأغنية "يا سامع كلامنا يا الله"، الأغنية التي تحدث فيها عن المدرج ومطالب الناس والقمع. المدرج هو انعكاس لما يحصل على الشارع، ومن هناك تخرج المطالب إلى العلن. الجميع يسمع أغاني الجزائريين على المدرج، وألتراس الأندية المغربية، وفي مقدمها جمهور الرجاء البيضاوي الذي يقول "في بلادي ظلموني"، أو "يا لحبيبة يا فلسطين".

هذه المقدمة الصغيرة كانت ضرورية للإنتقال الى لبنان، وللحديث عن شرارة الثورة أو الحراك المطلبي في لبنان، إذ ابتدأت هي الأخرى من على مدرجات كرة القدم. البعض قد يعتبر في هذا الكلام مبالغة، ولكن من يعرف المدرّج، يدرك تماماً أن الشعارات المطلبية بدأت هناك. قبل 17 تشرين أول الماضي، كانت مباريات كرة القدم تُلعب بشكل طبيعي، في اثنتين من تلك المباريات رفع جمهور ناديي الأنصار والنجمة لافتات على مدرج ملعب المدينة الرياضية في بيروت كتب عليها "الشعب إذا جاع بياكل حكامه"، و"الفقر سيف حاد، ارحموا جيوب العباد".

جمهور كرة القدم كان أول من رفع هذه الشعارات. يعرف هذا الجمهور تماماً أن للإعلام حضور كبير في المباريات الكبرى، وكذلك النقل التلفزيوني المباشر، وبالتالي يستغل الجمهور الفرصة لإيصال رسائله السياسية، والإجتماعية، وغيرها الكثير. هذا الجمهور من الناس ينقل معاناته الى المدرج، ويطلق الصرخة من هناك علها تصل إلى من يملك آذاناً صاغية.

قبل أشهر أيضاً طالب بعض جمهور كرة القدم من على المدرج بالإعدام للعميل عامر الفاخوري. هذا الجمهور مكوّن من الناس، من الفقراء وأبناء الأحياء والذين يعانون ما يعانونه بفعل السياسات المتبعة منذ أكثر من ثلاثين عاماً. المتنفس الوحيد لهؤلاء هو المدرج، وعندما بدأ الحراك في 17 تشرين كانوا أول الناس في الساحات.

من يعرف جمهور كرة القدم لن يجد هذا الكلام غريباً. جمهور ملاعب الكرة هو الذي ملأ ساحة الشهداء ورياض الصلح في البداية. هم من "ألّفوا" أغاني الثورة. من يعرف جمهور النجمة والأنصار، والأولمبيك سابقاً، والساحل والبرج وغيرها من الأندية، يدرك تماماً أن الـ"هيلا هيلا هووو" لا يمكن أن يؤلفها شخص عادي، إنما شخص أمضى سنوات على المدرج. هؤلاء يؤلفون أغنية بثوان، يسخرون من الخصم أو من لاعب ورئيس ناد من خلال هذه الكلمات والألحان، ومن خلال الشتائم في أحيان كثيرة. في الساحات كان خصمهم السلطة. هم ألفوا الأغنيات سريعاً لانتقاد هذه السلطة. هكذا هو الجمهور، وهذه هي قوانينه.

كل الكلام الذي ردده المدرج خلال سنوات، عاد الجمهور وقاله في الساحات. هم طالبوا بالعمل، والحياة الكريمة والملاعب الجميلة، وبوقف العنف. خلال هذه السنوات الطويلة لم يكن أحد يستمع لهم على المدرج، أو كانوا يسمعونهم ولا يأخذونهم على محمل الجد، ولكنهم في النهاية قالوا كلمتهم بصوت عال في وسط بيروت، وفي طرابلس، وصيدا، وفي كل مدينة.

شهيد الثورة الأول حسين العطار كان منهم. صوره انتشرت كالنار في الهشيم. هو إبن المدرج، إبن نادي النجمة؛ نادي الوطن كما يسمّونه. صورته وهو يحمل علم النجمة انتشرت على وسائل التواصل الإجتماعي. لقد أرادوا القول بشكل حاسم وقاطع: "الحقيقة نحن".

جمهور الملاعب له قوانينه. المدرج ملكه وكذلك ساحات التظاهرات. إلى المدرج يصل المشجع عبر الدراجة النارية أو الـ"موستيك"، وكذلك إلى ساحة التظاهر. للدراجة النارية قصة جميلة. في إيطاليا يقولون عنها "فيستا" أو النحلة، وهنا تسمى الـ"موستيك"، يمكن أن نسميها أيضاً الباعوضة، ولكن في جميع الأحوال فإنها ترمز إلى الحرية. عبر الـ"موستيك" يصل المشجع إلى الملعب بسرعة وهو يحمل علم ناديه، وإلى الساحة يصل بسرعة وهو يحمل مطالبه مرتدياً قميص ناديه أو المنتخب. الدراجة النارية تقرب المسافة بين المشجع والساحة، وبين المشجع والملعب. في بلد لا يوجد فيه نقل عام حقيقي، فإن الدراجة النارية هي الملاذ الأخير للفقراء. هي تخفف من زحمة السير، وتعطيهم شعوراً بالحرية.

في لبنان كما في مختلف الدول المحيطة، جمهور ملاعب كرة القدم هو من يحضر أولاً إلى ساحات الثورة. هؤلاء هم أبناء الطبقة الفقيرة، وما المدرج أو الساحة، بالنسبة لهم، غير المتنفس الأخير. هنا يصرخون ويهتفون، وهنا أيضاً يشتمون. هنا لا قوانين. بل حرية فحسب. هذا الجمهور هو الحقيقة، هو الناس التي تعاني كل يوم من أوضاع إجتماعية واقتصادية وسياسية صعبة ومعقدة، فيجد نفسه بشكل تلقائي في الساحات يطالب بحياة أفضل. هذا الجمهور أيضاً لا يحب الأغنياء. لديه نظرته؛ هؤلاء الأغنياء من سياسيين ورجال أعمال سرقونا وسرقوا البلاد، وبسببهم نحن نعاني من الفقر يقول الجمهور، فينال الأغنياء نصيبهم من الأغاني الساخرة، ومن الشتائم، على المدرج كما في الساحات.

سيبقى لجمهور كرة القدم دوره في أي حراك مطلبي أو ثورة تحصل في البلاد، لأن هذا الجمهور وهذه الفئة من الناس هي التي تنقل حقيقة الشارع وحقيقة المدن والأحياء بكل تفاصيلها إلى العلن.

"

كاتب لبناني