يعتبر ملف المياه واحداً من أبرز القضايا الاستراتيجية التي تسعى "اسرائيل" للسيطرة عليها. أواخر القرن التاسع عشر، قامت الحركة الصهيونية بإرسال بعثات متعددة لاستكشاف مصادر المياه المتاحة في فلسطين. بعيد إجرائها المسح، خلصت البعثات تلك إلى ضرورة الضغط على كل من فرنسا وبريطانيا لإدراج منابع نهر الأردن ضمن الحدود الشمالية لدولة الانتداب البريطاني. بعيد قيام "اسرائيل" سنة 1948 عمل الصهاينة على السيطرة على أجزاء واسعة من منابع نهر الأردن، بالإضافة لأجزء من بحيرة طبرية، وشرعت السلطات الصهيونية في إقامة مشروع نقل المياه من طبرية إلى النقب سعياً لتأهيل الأخيرة لاستيعاب المستوطنين الجدد. توالت السياسة التوسعية للكيان الصهيوني في مسـألة المياه بعد ذلك، إذ تم الاستيلاء على جميع منابع نهر الأردن وبحيرة طبرية في الشمال، وعلى الأحواض الجوفية في الضفة الغربية وغزة بعد حرب 1967. وكسياستها في كل شيء، عملت "اسرائيل" على فرض حقائق جديدة على الأرض، فسيطرت على جميع مصادر المياه، من سطحية وجوفية؛ وأصدرت سلسلة من الأوامر العسكرية جعلت المياه بموجبها أملاك دولة، لا يحق لأحد استخدامها إلا بتصاريح خاصة يمنحها الحاكم العسكري؛ كما قيدت عمل مصلحة مياه القدس ودائرة مياه الضفة الغربية القائمتين؛ وأنشأت سلطة مياه ومجاري بيت لحم بأمر عسكري عام 1972.

وبموجب الأوامر العسكرية مُنع الفلسطينيون من إجراء أي تعديل على مصادر مياههم أو البنية التحتية التابعة لها دون الحصول على موافقة ضابط المياه الإسرائيلي. إضافة إلى ذلك مُنع الفلسطينيون من حفر آبار جديدة لسد حاجاتهم في الحوض الغربي للضفة حتى وإن كان لاستبدال الآبار الجافة، ما قلص عدد الآبار في الضفة الغربية من 720 بئراً قبل الاحتلال إلى نحو 340 بئراً بعيد الاحتلال، وبالتالي فإن كميات المياه المستخرجة لاستخدام الفلسطينيين تقلصت بشكل كبير.

مرحلة ما بعد أوسلو:

كان من المفترض بحسب البند 40 من الملحق الثالث من ملحقات التعاون الاقتصادي -"أوسلو 2/ 1995" -، وبموجب قرار نقل الصلاحيات من الجانب الإسرائيلي إلى الجانب الفلسطيني، وضع دائرة مياه الضفة الغربية تحت إشراف ومسؤوليات السلطة الفلسطينية. وبموجب هذا البند فقد تم تخصيص 118 مليون متر مكعب من مصادر المياه القائمة (الينابيع والآبار) في الضفة الغربية للجانب الفلسطيني؛ وكان من المفترض تمكين الجانب الفلسطيني من حفر آبار تضيف إلى مجموع ما يتم استخدامه 80 مليون متر مكعب إضافية. إلا أن السلطة الفلسطينية لم تتمكن من استخراج سوى 30 مليون متر مكعب من أصل 80 مليون متر مكعب، كان من المفترض حفرها خلال الفترة الانتقالية (الخمس سنوات من عمر الاتفاقية المرحلية؛ أي بين عامي 1995 و2000)؛ وكانت هذه الثلاثون مليون متر مكعب إضافية على حساب الآبار والينابيع القائمة. وفي الوقت نفسه، قامت السلطات الإسرائيلية بحفر عشرات الآبار الجوفية (50 بئراً) داخل الضفة الغربية لخدمة هذه المستعمرات، تنتج هذه نحو 44 مليون م3 في السنة في المرحلة نفسها.

الأمر الذي أوصل الأمور اليوم إلى حدود بالغة الخطورة، إذ صار معدل استهلاك الفرد الفلسطيني للمياه في أراضي السلطة الفلسطينية نحو 72 لتراً للفرد في اليوم، فيما يبلغ حجم استهلاك الفرد الإسرائيلي للمياه نحو 300 لتر يومياً؛ وتتحدث تقارير عن أن حصة الفلسطينيين ممن يعيشون التجمعات القروية تقل بكثير عن حدود الـ72 لتر للفرد في اليوم، ولا يكاد يزيد في بعض الحالات عن 20 لتراً يومياً، وهو الحد الأدنى للمقدار الذي توصي به منظمة الصحة العالمية للاستجابة لحالات الطوارئ.

ولم يبق الأمر عند هذا الحد بل زاد سوءاً بعيد بناء جدار الفصل العنصري، الممتد على طول الضفة الغربية بطول 725 كيلو متر. إذ يصادر الجدار ويعزل نحو 1000 كم2 من أراضي الضفة الغربية، - وتحديداً عند منطقة الحوض الجوفي الغربي-. ويعزل نحو 26 بئراً جوفية خلفه تنتج ما معدله 4 مليون م3 في السنة، أي نحو 20% من مجمل ما يستخرجه الفلسطينيون من الحوض الغربي. بمعنى آخر، عزز الجدار السيطرة الإسرائيلية على أهم أماكن وجود المياه للاستخراج في الحوض الغربي، وقلص كميات المياه المستخرجة من جانب الفلسطينيين.

مستقبل المياه بعد الضم:

من هنا، تأتي خطة ضم الضفة الغربية لاستكمال حلقة مهمة في المشروع الصهيوني على مستوى المياه. إذ سيترتب بموجب خطة الضم الإسرائيلية آثاراً مباشرة وغير مباشرة، منها:

  1. ستتمكن "اسرائيل" من حرمان الشعب الفلسطيني من مصادر مياه تقدر بنحو (70%) من الحوض الشرقي، أي ما يعادل 130 مليون متر3.
  2. ستنعدم إمكانية استفادة الشعب الفلسطيني من نهر الأردن، وبذلك ستفقد السلطة الفلسطينية مستقبلاً فلسطين حقها كدولة على نهر الأردن، وهو ما يحرمها من الانتفاع وتخزين المياه منه أو من روافده. ولن يكون الطرف الفلسطيني شريكاً في أية مفاوضات قادمة بين "إسرائيل" والأردن في ما يخص المياه.
  3. ستفقد فلسطين حقها في الوصول إلى البحر الميت، وبالتالي ستفقد الحق في الانتقاع من الثروات الطبيعية والينابيع المحاذية للبحر الميت المقدرة بنحو 70-90 مليون متر مكعب من المياه.
  4. ستصبح المدن الفلسطينية رهينة محطات التحلية الإسرائيلية، في حين ستخصص المياه الفلسطينية لزراعة أراضي المستعمرات.
  5. لن يتمكن الشعب الفلسطيني من الاستفادة من مياه المجاري المعالجة لتطوير الزراعة في الأغوار.

الآثار غير المباشرة:

  1. سيُحرم الشعب الفلسطيني من مليون دونم قابلة للزراعة، ما يُمكن أن يُفضي إلى اختفاء الزراعة المروية في فلسطين.
  2. ستمنع إسرائيل الشعب الفلسطيني من الاستفادة من الأودية الشرقية بحجة أنها روافد لنهر الأردن، كما وستمتلك الحق القانوني بإقامة سدود للاستفادة من الأودية.
  3. سيحرم الشعب الفلسطيني من إمكان إقامة أي بنية تحتية للمياه أو الزراعة. ما يمكن أن يحول السوق الفلسطينية إلى سوق خاضعة لما تنتجه المستعمرات.
  4. سيؤدي استنزاف "اسرائيل" للمياه الجوفية إلى تملّح الآبار الفلسطينية بسبب عدم عمقها وقدمها ولا سيما في منطقة الأغوار.