اغتالت الولايات المتحدة قاسم سليماني، قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، مطلع العام الحالي. بالنسبة للإسرائيليين، كان سليماني المنسق العام لكل أنشطة الدولة الإيرانية وحلفائها في العراق وسوريا. تولى سليماني كل ما يتعلق بالتمركز الإيراني في سوريا، التغلغل في الجيش والأجهزة الأمنية، بناء قوات محلية وقُطرية، بناء "آلة حرب" إيرانية تعتمد على منظومة صواريخ وطائرات من دون طيار موجهة لمهاجمة "إسرائيل"، بالإضافة لبنائه بنية تحتية لإنتاج وتركيب صواريخ دقيقة، وبنية تحتية أخرى لتخزين وسائل قتالية ونقلها من سوريا إلى حزب الله في لبنان.
بهذا المعنى، شكل اغتيال سليماني فرصة للإسرائيليين من أجل محاولة الاستفادة من فراغ غيابه. وإن كان لا زال مبكراً بحسب تقديرهم احتساب التأثير الكامل لاغتيال القائد الإيراني. فبحسب أودي ديكل الباحث في مركز دراسات الأمن القومي، ثمة تطورات كثيرة يمكن أن تحدث في الفترة المقبلة. فانسحاب القوات الأميركية من العراق يبدو محتملاً، وهذا ما سيؤدي، بموازاة ذلك، إلى انسحاب القوات الأميركية من شرق سوريا. يقول ديكل: حالياً، في الجانب السوري من الحدود تسيطر القوات الكردية بمساعدة الولايات المتحدة، وفي الجانب العراقي تعمل قوات الحشد الشعبي. إذا سحبت الولايات المتحدة قواتها من العراق وسوريا في الأشهر المقبلة، فإن سؤالاً سيطفو إلى السطح مباشرة: مَن سيملأ الفراغ في منطقة الحدود بين الدولتين؟ وهل ستكون روسيا مستعدة لإرسال قوات؟


مرحلة ما بعد سليماني:
اختارت "إسرائيل" عدم التدخل المباشر في الحرب الأهلية السورية، لكنها ومن حيث لا تدري سمحت لإيران بقيادة سليماني، بالتمركز والاندماج المتعدد الأبعاد على الحدود الشمالية. ومنذ أن فهمت إسرائيل مترتبات عدم التدخل عام 2013، تحاول دولة الاحتلال عرقلة عملية التمركز وإحباط بناء "آلة الحرب" والبنى التحتية العسكرية الإيرانية. فيما شمل الجهد الإسرائيلي ثلاثة مسارات عمل على النحو التالي: 

  1.  مهاجمة المواقع الإيرانية واعتراض عمليات نقل وسائل القتال إلى حزب الله. 
  2.  الضغط على روسيا للتضييق على خطوات إيران، وعلى تأثيرها في سوريا، من خلال إبعاد القوات الخاضعة لإمرة إيران عن الحدود الفلسطينية السورية. 
  3. الضغط على الولايات المتحدة لتأجيل انسحاب قواتها من منطقة التنف (شرقي سوريا)، لضمان فصل قوات "المحور الشيعي" بين العراق وسوريا، ومنع سيطرة إيران على منطقة الحدود العراقية - السورية.

ستعمل "إسرائيل" ربما على بلورة سياسة جديدة بالتعاون مع الإدارة الأميركية بحسب ديكل، من أجل تفكيك المواقع الإيرانية العسكرية في سوريا. ويمكن لدولة الاحتلال استغلال اللحظة التي خسرت فيها الدولة السورية حليفها الاستراتيجي من خلال قيامها بجملة إجراءات تقوض هيمنة الدولة الإيرانية ومحور المقاومة، لكن ذلك مشروط بغطاء أميركي. الوقت ضيق جداً يعترف الإسرائيليون. لذلك، ومن أجل عدم إضاعة الفرصة، يقول أودي ديكل، يجب البدء فوراً بمعركة مشتركة ومنسقة بين إسرائيل والولايات المتحدة وروسيا، بمشاركة لاعبين إقليميين آخرين.

وهنا، يجب أن تتزامن هذه المعركة مع عدد من الجهود منها


1- الإعتراف بالهيمنة الروسية على سوريا: تدور بين روسيا وإيران منافسة محروها؛ بلورة المنظومة السياسية في سوريا، والسيطرة على عملية إعادة الإعمار وحصد المكاسب الاقتصادية الممكنة منها. حتى الآن امتنعت روسيا من الدخول في مواجهة علنية مع إيران. ومع ذلك، ثمة خطوات مباشرة قامت بها موسكو، منها زيارة الرئيس فلاديمير بوتين إلى دمشق بعد أسبوع من اغتيال سليماني، والتي لمّحت إلى أن روسيا تحاول استغلال الفرصة واستلام زمام القيادة، كما وتقليص النفوذ الإيراني عملياً. 
تسعى روسيا لإجبار "نظام الأسد" (والكلام للإسرائيليين) على أن يحسم موقفه لمصلحة التوجّه المؤيد لروسيا بدلاً من التوجّه المؤيد لإيران. عند هذه النقطة تحديداً، يتعين على الولايات المتحدة إغراء الروس، من خلال تخفيف العقوبات الغربية المفروضة على موسكو، مقابل ضمان المصالح الإسرائيلية وإبعاد إيران عن سوريا. وهذه النقطة كان قد أوردها إفراييم كام، الباحث في مركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي في صحيفة هآرتس عشية اغتيال سليماني أيضاً.
2- دق إسفين بين دمشق وطهران: سلّمت كل من الولايات المتحدة و"إسرائيل" عملياً باستمرار حكم الأسد في سوريا على الرغم من أنهما لم تعلنا ذلك. لكن المطلوب توضيح الثمن المقابل الذي سيكون الأسد مستعداً معه للتخلص من قيود إيران: هل سيكون إخراج إيران مقابل إعطاء الغرب والعالم العربي شرعية للأسد ونظامه للبقاء في الحكم؟ وهل أن رفض الأسد التعاون سيُفضي بإدارة ترامب لفرض جولة أكثر قسوة من العقوبات الجديدة على الأسد وروسيا وإيران؟. يمكن لـ"إسرائيل" في هذا الخصوص العودة إلى استخدام ورقة التهديد المادي المباشر ضد "نظام الأسد" إذا استمر في التمسك بنهجه.
3- قطع "المحور الشيعي" جغرافياً: ثمة حاجة للتنسيق الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ليس من أجل تشجيع موسكو على تحمّل المسؤولية فحسب، بل أيضاً من أجل قطع المحور الشيعي جغرافياً من إيران حتى لبنان. بناءً عليه، ثمة حاجة لانتشار القوات الأميركية في الشمال والشرق السوري. كما والعمل على إقناع ترامب بإرسال رسالة واضحة تتعلق بالالتزامات الأميركية حيال الموضوع (يوجد اليوم نحو 600 جندي أميركي في منطقة آبار النفط في منطقة دير الزور، وبضع مئات في قاعدة التنف القريبة من الحدود مع العراق). 
ومع ذلك، على "إسرائيل" الاستعداد لمواجهة احتمال أن يختار ترامب، رغماً عنه، سحب القوات الأميركية من العراق ومن شمال شرق سوريا. مع سيناريو كهذا يتعين على "إسرائيل" والولايات المتحدة بناء قدرات وبذل جهود لمنع السيطرة الإيرانية على المنطقة بواسطة وكلائها.
4- إعادة بناء الوعي في الجنوب السوري: يمكن أن تشكل المنطقة الجنوبية ساحة اختبار لممارسة ضغط متعلق بالوعي، من أجل دفع السكان لمعارضة استمرار السيطرة الإيرانية على دولتهم، وتخويفهم من احتمال جرّهم إلى مواجة مع "إسرائيل". كذلك يجب إلقاء الضوء على رسائل تدل على أن إيران تكبح أي مبادرة إصلاح سياسية في سوريا، كي لا تخسر تأثيرها في النظام. وفي الوقت عينه، يجب بذل جهد دعائي موجه للسكان في إيران، من خلال إبراز معطيات الاستثمارات الإيرانية في التمركز في سوريا وبناء المحور الشيعي، والتي تأتي على حساب الاستثمار في اقتصاد إيران وفي تأمين سبل العيش الرغيد لمواطنيها.
5- إعادة تحريك العملية السياسية في سورية بقيادة عربية – غربية: يجب صوغ خطة لإعادة إعمار سوريا، بمشاركة دول غربية و"عربية – سنية". وضمن هذا الإطار تخصيص مصادر تمويل عملية إعادة الإعمار، واشتراط تقديم المساعدة بإبعاد إيران عن سوريا.