في معرض الحديث عن دور الإعلام المعاصر في الأحداث اللبنانية الأخيرة، تناولنا في مقال نشر في العدد الأول من جريدة الخندق تحت عنوان الحراك اللبناني بين الإعلام التقليدي والمعاصر عناصر القوة والفرص التي وفرها الإعلام المعاصر عالمياً بمنصاته المختلفة للقوى الشعبية والطاقات الناشئة والتي لا تجد لنفسها حيزاً داخل الامبراطوريات الإعلامية، سواء تلك التابعة للسلطات الحاكمة، أو المنضوية ضمن ممالك رجال الأعمال وأساطيلهم الإعلامية. وللحديث عن أسباب هيمنة الإعلام التقليدي في الحراك اللبناني، عرضنا الأساليب التي اعتمدتها السلطات السياسية والمالية لإعادة سيطرتها على الإعلام المعاصر وإخراجه من حيز المبادرة الفردية لوضعه بإطار تحت سلطتهم.

وغاب عن الأساليب التي ذكرناها في حينه، الدور الذي لعبته ولا زالت شركات الإنتاج الكبرى في تفريغ هذا العالم من عفويته، وهو ما عاد ليبرز على سطح الأحداث مع انتشار خبر توقف برنامج "الدحيح" عن العرض على صفحات كبريت AJ+.

قبل أن نخوض في تكهنات وتحليلات أسباب توقف البرنامج الشهير عن العرض، لا بدّ من التطرق لسيطرة مؤسسات الإنتاج الكبرى على عالم التواصل الاجتماعي، فعلى خلاف ما يظن الكثيرين، لم يبدأ برنامج الدحيح على منصات الـAJ+، كغيره من البرامج التي نراها على منصات الـAJ+ اليوم، بل كانت حلقته الأولى على منصة خاصة به تحمل اسم "الدحيح"، على كل من الفيسبوك واليوتيوب، في 31 آب عام 2014، أي قبل ثلاث سنوات من ظهوره على الـ AJ+. وحقق بالفعل على مدار السنوات الثلاث التي عمل بها على منصاته نجاحاً باهراً على مستوى مصر، وعلى الرغم من تواضع ما كان يقدم على المستوى الفني والإنتاجي إلا أنّ قوة المحتوى كانت كافية للتغطية عن هذا الضعف. 

لعله من الصحيح القول بأن انتقال الدحيح إلى AJ+ نقل تجربته من حدود مصر إلى أقطار العالم العربي، إلا أن ذلك لم يكن دون عواقب أثرت عليه وعلى غيره من أصحاب التجارب الناشئة المستقبلية وأهمها:

  1. غياب الحرية والاستقلالية التي وسمت الإعلام المعاصر: حيث أن غالباً ما تكون الشركات الإنتاجية الكبرى مرتبطة بسلطة سياسية أو مالية توجه توظيفاتها، واستثماراتها، وبرامجها، وعليه فإن انضمام أي مبادرة أو برنامج إلى باقة برامجها على منصات التواصل الاجتماعي، سيعني حتماً أن هذا البرنامج أصبح جزءاً من اللوحة الكبرى التي ترسم تفاصيلها.
  2. التأثير على حافز المبادرة والتجربة الفردية: إن المستوى المتقدم الذي توفره هذه الشركات إن في المجال الفني أو الإعدادي، سيجعل من المنافسة الفردية أمراً في غاية الصعوبة بل ويكاد يلامس المستحيل، حيث سيرى صاحب أي مبادرة، عجزه تقديم ولو جزء يسير من المستوى الذي تقدمه هذه البرامج، وما لا يعرفه الكثيرون، أن هذه البرامج بدأت ونجحت فعلا بشكل مستقل قبل أن تستثمر فيها تلك الشركات أموالها.
  3. عدم قدرة أصحاب هذه البرامج على الاستمرار، في ما بعد، خارج إطار تلك الشركات: فبعد أن اعتاد الجمهور على المستوى العالي والمتقدم من العمل الإعدادي والفني، لبرنامج معين، سيكون من الصعب عليه أن يعود ليقدم نفسه كهاوِ صاحب تجربة فردية.

وفي العودة لـ "الدحيح" الذي كان أحد الوجبات الغذائية الأساسية التي التهمتها منصة AJ+ والتي ساهمت في نموها وتضخمها بشكل كبير، تفاجأ الجمهور مطلع شهر حزيران، إعلان المنصة عن التوقف عن إنتاج البرنامج لأسباب اقتصادية تتعلق بـ "المرحلة الحالية التي يمر بها العالم والمؤسسات الإعلامية". لم يقنع هذا السبب جمهور البرنامج الكبير على مستوى العالم العربي، وانطلقت التحليلات على منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية، لتحديد الأسباب الحقيقية وراء إيقاف البرنامج والتي تمثلت بعناونين أساسيين: 

الأوّل: التعدي على حقوق الملكية الفكرية، وسرقة الفريق الإعدادي لبرنامج الدحيح معلومات، عرضها دون نسبها لصاحبها، لا داخل الحلقة ولا ضمن المصادر. وتفاعل هذا الادعاء وكبر مع الحملة التي شنها عليه الإعلامي المصري وائل عباس، الذي ادعى بأنّ البرنامج المذكور سرق من مقال كتبه عن تاريخ الصين مع الحيوانات واستفاد منه في إعداد "حلقة الخفافيش"، إضافةً لسرقته محتوى من كتاب "الشرير" للحلقة التي خصصها للحديث عن ظاهرة "الجوكر"، كما ادعى عن وجود أدلة عن سرقات للدحيح بـ 13 حلقة دون ذكره للمصادر، وكبرت الحملة ضده حتى تصدر هاشتاغ #الدحيح_حرامي قائمة الترند على التويتر.

أمّا السبب الثاني الذي أشيع بأنه هو الدافع لإيقاف البرنامج، فهي الحملة التي شنها عليه الداعية الإسلامي إياد القنيبي، مدعياً بأن الدحيح، ينشر الإلحاد متستراً بثوب العلم، لإغواء الشباب المسلم، وتبعه عدد كبير من المدونين وصانعي المحتوى من الإسلاميين على الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، والذين حددوا العناوين التي عمل عليها لترسيخها من خلال تكرارها في أكثر من حلقة بالتالية:

  1. نفي الضبط الدقيق للكون، والترويج لنظرية الأكوان المتعددة الصدفية.
  2. نفي الضبط الدقيق لجسم الإنسان.
  3. نفي فطرة الإنسان في: الغاية من الخلق، ونزعة التدين، والضرورات العقلية، والنزعة الأخلاقية، والإرادة الحرة.
  4. إعطائه تفسيرات مادية للموت والحياة.
  5. ادعائه بقدرة العلم على إحياء الموتى.
  6. التشكيك بشكل غير مباشر بوجود الله، والتلميح إلى أن الله هو معنى اخترعه الإنسان.
  7. التلميح بدعم حقوق المثليين.

وتحت العناوين المذكورة أعلاه شرّح أصحاب التوجهات الإسلامية، حلقات الدحيح لإيجاد الإثباتات والدلائل على ما قدموه من ادعاءات.

وبذلك ذهب أهل الإعلام، والناشطين على مواقع التواصل في تحليلاتهم إلى هذين السببين حصراً؛ بأحدهما أو الجمع بينهما، فإمّا مناصرين مؤيدين لها!، أو مناهضين مدافعين عن الدحيح وبرنامجه.

ولكن ما لم يُذكر، ولم يُناقش، ولم يُؤخذ به على الدحيح وبرنامجه وفريقه الإعدادي، كما والمنصة التي تنتج وتعرض هذا البرنامج، أنه وخلال 3 حلقات عرضت خلال السنوات الثلاث التي استضافته بها منصة الـ AJ+، وهي الحلقات المعنونة بـ "السمع والطاعة"، و"هتلر1" و"هتلر2" عرض الدحيح قصة المحرقة النازية "الهولوكوست" متبنياً الرواية الإسرائيلية كاملة، وليس هنا محل الاعتراض فحسب، إذ في ذلك خوض ونقاش طويل حول ما جرى، وإن كان قد جرى فعلاً أم لم يجر، وبأي حد جرى إذا ثبت وقوعه. لكن الكلام هو في استشهاد الدحيح في مصادره بثلاث مصادر "إسرائيلية" على الأقل، ووضعها داخل لائحة المصادر.

وهذا ما لم يره أحد للأسف، ولم يعترض عليه أحد، وكأن لا حقوق ملكية خاصة بفلسطين، وكأن الإلحاد بحقها وبقضيتها، ليست من الكبائر العظام.