يشهد واقع اليوم حضوراً كثيفاً للنساء في الحراك الاجتماعي والديني. وعلى النقيض، يبدو الحضور التبليغي النسائي في العالم الافتراضيّ ضعيف جداً، بالنظر إلى ما شهدته الحوزات العلمية من تطور ملحوظ في حضور العنصر النسائي. إذ صار في الحوزات العلمية طالبات في "البحث الخارج"، وارتفعت نسب المدرّسات في الحوزة العلمية النسائية لتتجاوز 60% من مجمل المتعلمين في الحوزة، بعدما كانت الغلبة للذكور. والجدير ذكره، أنّ أغلب المنتسبات إلى الحوزة العلمية اليوم، هنّ طالبات في الجامعات الأكاديمية، حصّلن على شهادات عليا في العلوم المختلفة.

من جهة أخرى، يستفيد التبليغ الديني من المنصّات الإعلامية الجديدة لإيصال رسالته، لكن ذلك هو ما لم تستغلّه المبلّغات حتى اليوم، الأمر الذي يترك الساحة الافتراضية محصورة بالمبلّغين الرجال الذين بدأوا بالانخراط والتشكّل بما يتلاءم مع هذا المجتمع الجديد. تقول القاعدة الإعلامية الجديدة أنه "لا تأثير دون انخراط"، وعدم انخراط المبلِّغات بشكل جدّي وفعّال مع المنابر الجديدة أعادت التأثير النسوة المبلغات خطوات إلى الوراء. فـ"الغائبَ عن مواقع التواصل الاجتماعي غيرَ موجود". هل تحتاج المرأة المتديّنة إلى تبرير وجودها على مواقع التواصل؟. الإنسان عدوّ ما يجهل يقول الحال، وبطبعه يأنس بالقديم ويرتاب من الجديد.

رصدت واستقرأت خلال الاعداد لهذا المقال، أكثر من خمسٍ وعشرين حساباً تعود جميعها لمبلغات على أرض الواقع ممن حصلنَ شهادات في الدراسات الحوزوية، أو لازلن يدرسن. بدا واضحاً أنّ أغلب المبلِّغات لسن حاضرات على مواقع التواصل بصفتهنّ التبليغية ذات المضمون المكثّف والمدروس كما يحصل في حسابات المبلغين الناشطين من الرجال. كما لا يتفاعل معهنّ الجمهور بصفتهنّ مرجعية دينية يمكن الأخذ منها. هي إذاً مجرّد حسابات تعكس محتوى شخصياتهنّ المتدينة. فلا يشعر الراصد بالفرق بين حساب "الأخت المبلِّغة" وحساب "الأخت المتدينة"، بل تتفوّق حسابات المتديّنات غير المبلّغات على حسابات المبلغات، لجهة عرض الآراء والتفاعل مع المواقف المستجدة والراهنة ذات المضمون الديني والثقافي.

في حدود بحثي عن مواقف وآراء مبلغات معروفات حول مسائل وشبهات تطرح على مواقع التواصل، لم أجد موقفاً واحداً لمبلّغة معروفة بنشاطها التبليغي في مسألة إشكالية. ولا حتى تلك المسائل التي تتعلق بالحجاب والزواج المبكر والطلاق وعمل المرأة، والتي من المفترض أن يكون لها فيها كلمة على أقل تقدير. وإذا كان ثمة منشورات في هذا السياق، فهي منشورات تقليدية لا ترقى إلى الرأي الذي يشكّل فارقاً فكرياً لدى النساء اللواتي انخرطن بخصائص وآليات تفكير المجتمع الجديد.

تمتلئ مواقع التواصل الاجتماعي بالقضايا التي تحاكي مسائل تمكين المرأة من وجهة نظر منظمات المجتمع المدني، في وقت تشعر النساء – وبعضهنّ من صلب المجتمع المتديّن – بالتململ من النمط السائد في المجتمع لناحية حقوق المرأة الدينية والاجتماعية. الكثير من القضايا والمسائل تُطرح اليوم دون أن يكون ثمّة إجابات تُشعر هؤلاء النسوة بالانصاف، الأمر الذي يضعف موقف الدين والمتدينين تجاه تمكين المرأة. ويعطي النساء جرعة إضافية من التمرّد على التربية والمجتمع.

يحصل ذلك في ظلّ غياب تام للمبلّغات اللواتي يفترض أن يقمن بواجبهنّ التبليغي بأسلوب مقنع لا يقلّ جاذبيةً عن الخطاب المقابل - بل يحتاج أن يتفوق عليه - انطلاقاً من قوة الثقافة الإسلامية. فالملاحَظ في رصد تلك العينات أن الحسّ النقدي المتصل بقضايا المرأة ضعيف، ومعالجاته غاية في التقليد.

القضايا التي تهمّ النساء في المجتمع الجديد واضحة. فهي انفلشت أفقياً ولم تعد تقتصر على المرأة والأسرة. النساء اليوم على مواقع التواصل يشاركن ويعبّرن عن آرائهنّ في كافة الشؤون. لم يعد ثمّة موضوع حكراً على الرجل ليتداوله. كما أن الحسابات المتخصصة ليست ناجحة على مواقع التواصل، عكس تلك المتنوعة من حيث المضمون والأسلوب، والتي تحاكي المضامين الأكثر تداولاً أو ما يطلق عليه "ترند". فيما الحال وحسابات المبلّغات المذكورات غائبة كلياً عن هذه المشاهد الثقافية في هذا الفضاء وهنّ بالكاد يتداولن قضايا المرأة والأسرة التقليدية؟!

وفي سياق التداول عينه، يلاحظ في منشورات العينة المستهدفة الأمور التالية:

  1. غلبة الطابع الشعائري الخاص بإحياء المناسبات الدينية.
  2. زيادة نسب المنشورات ذات الطابع الولائي للقائد السياسي أو للمرجع، عن تلك المتداولة في حسابات الرجال.

وفي شيء من التحليل لهذين النوعين من المنشورات، تبدو المبلّغات مبالغات في الشعائرية، على الرغم مما يتيحه تحصيلهنّ العلمي من القدرة على تقديم المناسبة بنوع من العمق المضموني. الأمر الذي يفتح المجال لأسئلة أخرى:

لماذا تغيب النساء المبلغات عن المنشورات العقائدية والفلسفية والتفسيرية والتاريخية على الرغم من دراستهن للعقيدة والفلسفة والتفسير والتاريخ، بل وتفوقهن في هذه المواد على زملائهن من طلبة العلوم من الذكور؟ وهل ينجح المبلّغ النخبوي على مواقع التواصل، أم أنه يحتاج إلى أن يكون شعبوياً عفوياً؛ وهو ما لا يصلح لشخصيات المبلغات؟.

عوائق التبليغ النسائي في مواقع التواصل الاجتماعي:

ليس ثمّة منصة تبليغية نسائية واحدة (لها عدد ملحوظ من المتابعين أو المتابعات) أوجدت حالة ثقافية على مواقع التواصل، ولا حتى حسابات ملحوظة متخصصة في شؤون المرأة والأسرة. ولدى قياس نسبة النشاط لحسابات المبلغات على الفيسبوك مثلاً، يمكن تقسيم التفاعل إلى أربعة مستويات:

  1. الأكثر تفاعلاً مع الجمهور، ممن لا تتجاوز نسبتهنّ 2 من أصل 25 حساباً من الحسابات قيد الدراسة. ويغلب على حساباتهن المنشورات الإعلانية عن الورشات التدريبية أو المقابلات التلفزيونية التي يقمن بها. تملك هذه الحسابات العدد الأكبر من الأصدقاء والمتفاعلين.
  2. المرتبة الثانية في الحسابات الأكثر انتشاراً، كانت للحسابات التي لا تتميّز عن حسابات المتدينات العاديات، مع فارق أن الثانية تتداول بجرأة أكبر صور الأولاد، والآراء الشخصية، وشؤون الأسرة وقليلاً من شؤون المرأة، بنبض شبابي مندفع.
  3. الفئة الأقل حضوراً هي فئة المبلّغات في أعلى الهرم التبليغي على أرض الواقع، ممن لديهنّ مناصب إدارية، أو المبلغات الإعلاميات المعروفات.
  4. مبلغات حضرن على مواقع التواصل بأسماء وهمية للمتابعة فقط.

وبناءً على مراقبة مستويات التفاعل والانفعال ونمط الخطابات السارية في المنشورات، يمكن تلخيص ضعف الحضور النسائي على مواقع التواصل بالتالي:

  1. عدم تفاعل المبلّغات مع هذه المنصات على أنها منصات ذات قدرة على التبليغ.
  2. عدم وجود مضامين مواكبة للإشكاليات والشبهات المتداولة على مواقع التواصل وغلبة اللغة التلقينية والنصوص الجامدة.
  3. يتّضح من خلال تفاعل المستخدمين أنّ الحسابات التي لم يتعرّف الجمهور الى صاحباتها بالاسم الحقيقي وصورتها الشخصية، هي حسابات ضعيفة التفاعل.
  4. خوف المبلّغات من هذه المنصات والتحفّظ عليها، فأغلب هذه الحسابات مغلقة على الأصدقاء ويتمّ التداول فيها بحذر.
  5. ميل المنشورات الى طابع واحد أصبح مستهلكاً في أغلب الحسابات النسائية، وهو الطابع الأسري، علماً أنّ الحسابات الناجحة تحتاج إلى المنشورات المتنوّعة في الأسلوب والمضمون والقضايا.

كل ذلك يدفعنا للقول أن ثمة حاجة إلى القيام بدراسات ميدانية في موضوع التبليغ الديني النسوي على مواقع التواصل، وتحويله إلى قضية رئيسية في البرامج والخطط المتعلّقة، قبل أن تتقدم المنابر الجديدة إلى حيث يصعب على المبلّغات أن يبلغن.