المطالبة بالدولة المدنية في دولة تتحكم بها الطوائف مؤسساتياً وسياسياً أمر غريب. إنها حلم تلهج به ألسنة الجميع، منذ نشوء دولة لبنان الكبير إلى آخر تفصيل من لحظات حياة لبنان السياسية التي تبعت موجة 17 تشرين.

الكل يريد الدولة المدنية، لكن الغرابة تكمن في أن الكل مدرك أيضاً تمام الإدراك أننا نعيش في دولة طائفية متجذرة في كل تفاصيل حياتنا الاجتماعية والسياسية، ويصعب خرقها بعدد من الخطابات أو التظاهرات والاحتجاجات، فمنذ الاستقلال إلى اليوم، مروراً بالحرب الأهلية واتفاق الطائف وما تلاه، يتعزز في كل حدث أمني أو سياسي بناء النظام الطائفي الذي أقيمت أسسه في عهد الانتداب.

أما في عهد الاستقلال، فقد اكتمل الوجود المؤسسي للطوائف في كيانات سياسية لها استقلالها الذاتي المحكوم بأنظمتها الخاصة، كالمحاكم الروحية والأوقاف والمؤسسات الدينية التعليمية.

ومن الغريب أيضاً أن تتجذر الطوائف في منطق الدولة، لتصبح المتحكم والمستفيد الأول منها، والهدف الأول هو تأمين وجودها فيها، عبر منح كل منها المزيد من الامتيازات المالية والإعفاءات الضريبية شبه الكاملة، مع المطالبة بأن تشمل هذه الامتيازات كل الطوائف.

ولتكتمل "طبخة" المحسوبيات، يرصد لهذه الفئة مبالغ من النفقات العامة والمساعدات في الموازنات المتتالية عبر عقود، إذ يشمل هذا الاستغلال مخصّصات مالية ترصد لها من خلال الموازنة السنويّة، على الرغم من كل المشاكل المالية التي يعاني منها لبنان.

وللمفارقة، فإن المؤسسات الدينية ليست بحاجة إلى التحنّن والعطف السلطوي للنهوض برعاياها، فهي تمتلك نظاماً من الأوقاف، وتعتمد على واردات الممتلكات الوقفية التي تديرها على جميع الأراضي اللبنانية. هذه الأوقاف تشكل ثروة عقارية كبيرة ومهمة من حيث موقعها وتوزيعها الجغرافي وتنوعها، بحسب طبيعة كل منطقة لبنانية.

وقد نشأت الخلافات حول هذه الأوقاف بين أبناء الطوائف في القرى المجاورة حول شرعية امتلاك تلك الأراضي منذ مئات السنين. أبرز هذه الخلافات وأهمها كانت بين أبناء لاسا والبطريركية المارونية، وسرعان ما تحولت إلى صراع طائفي، وأصبحت مادة دسمة في وسائل الإعلام، وملفاً يحمل الكثير من الأخذ والرد، وهي عينة عن صراعات في مناطق أخرى، وبين طوائف مختلفة.

المشكلة في لاسا ليست آنية، بل تعود، بحسب مصادر، إلى العام 1939؛ تاريخ آخر عملية مسح قانونية حصلت فيها، وهو المسح الذي يشكك فيه أهالي البلدة، باعتباره تم في زمن كان فيه المسيحيون مسيطرين على الوضع العام من حيث النفوذ والقوة.

في المقابل، تتمسك البطريركية المارونية بحقها في امتلاك المساحات قيد الإشكال، والتي تفوق 4 ملايين هكتار، استناداً إلى صكوك ملكية رسمية ووثائق تاريخية تعود إلى عهد العثمانيين.

كل ذلك يحدث في سياق اتهامات بإحداث تحولات ديموغرافية وجغرافية في خريطة توزيع الطوائف، وخصوصاً في مناطق جبيل والمتن الشمالي والجنوبي، في حين تظهر الخلافات العقارية أيضاً بين أبناء الطائفة المارونية أنفسهم والبطريكية المارونية في مناطق عديدة، كأبرشية صيدا المارونية (وانتهت باستقالة المطران إلياس النصّار)، وبين الكنيسة المارونية وأهالي ميفوق في قضاء جبيل، عدا عن الدعاوى والمشاكل التي تتعلق بتأجير أراضي الوقف الماروني لرجال أعمال وشركات تحوم حولهم الشبهات.

بداية، كان الوقف الكنسي يقتصر على أشياء محددة مرتبطة بالكنيسة، كالمذبح والممتلكات التي تحتويها أي كنيسة، لكن في أواخر عهد العثمانيين، استفادت الأوقاف المسيحية المارونية من تطبيق النظام الملي وفق النمط الإسلامي، فأصبح هناك وقف للأراضي وملكيات للكنائس والأديرة.

وفي وقت كان هناك صراع على الملكية بين العائلات الإقطاعية، كآل الخازن وآل حبيش والكنيسة، دخلت العائلات إلى كنف الكنيسة للتصرف بالأراضي من موقع السلطة الدينية. هذا التعاون بين الإقطاع المدني والإقطاع الديني أنتج عملية سمسرات طالت الفقراء والفلاحين.

وللهروب من دفع الضرائب السنوية المتوجبة على الأراضي الخاصة للدولة العثمانية، لجأ أصحاب هذه الأراضي إلى وهبها للكنيسة، وكانت الدولة العثمانية تمنحها عفواً عن الضرائب، كي لا تصبح رأس حربة للدول الأوروبية. وعند وهب الأراضي للكنيسة، كانت الأخيرة تسمح للفلاحين المزارعين بالعمل في أراضيها لقاء بدل مالي زهيد أو "بالمونة".

وهكذا، وصلت الكنيسة المارونية في جبل لبنان إلى مرحلة تمتلك فيها نصف مساحة الجبل. في المقابل، لم تستغل الكنيسة هذه الأراضي لصالح الفقراء والفلاحين، بل تاجرت الرهبانيات بمحصول أراضي الوقف ضمن علمية الاكتفاء الذاتي المطلق التي كانت تعمل وفقها.

ويعد الوقف الماروني في لبنان أغنى الأوقاف من حيث الثروة المالية والعقارية التي يملكها، وخصوصاً في بيروت وجبل لبنان. وفي بلاد المهجر كما في لبنان، تصل قيمة أملاك الأوقاف المارونية في أستراليا تقريباً إلى 3 أو 4 مليارات دولار أميركي.

في الوقت نفسه، وفيما يعيش بعض الأساقفة والكهنة (حالهم حال بعض رجال الدين في الكثير الطوائف الأخرى) حالة من البذخ والرفاهية جعلتهم يشكلون طبقة خاصة من الأثرياء ذوي النفوذ، تتجه الأنظار إلى فقراء الطائفة والعائلات التي تعيش حالة من الفقر المدقع، الأمر الذي يطرح سؤالاً ملحّاً اليوم: لماذا لا تتم الاستفادة من أراضي وعقارات الأوقاف التي تملكها الكنيسة في إعادة توزيع الثروة بين الأثرياء والفقراء، أو لردم الهوة بين الفقراء والأغنياء من أبناء الطائفة؟

قانونياً، لا يمكن بيع أراضي الوقف الشاسعة والاستفادة منها لتحريك عجلة الاقتصاد وإعادة توزيع الثروات عبر استثمارها في مشاريع زراعية أو مشاريع ذات طابع اجتماعي. لذلك، يتم  اللجوء أحياناً إلى تأجيرها لأشخاص معنويين بشكل لا يفيد المصلحة العامة.

في المقابل، تردّ الكنيسة بأنها تقوم بدور إيجابي من حيث إقامة مشاريع خاصة لإسكان الشباب، ولكن الأكيد أنّ النتيجة تعكس واقع التقديمات الكنسية الخجول للشباب والمحتاجين بشكل عام.

لذا، يظل السؤال حاضراً عن سبب عدم الاستفادة من أراضي الأوقاف في إعادة توزيع الثروة بين الأثرياء والفقراء. وهنا، لا بد للدولة من أن تؤدي دوراً ما، لا في مواجهة المؤسسات الدينية، بل في تنضيج القوة الرمزية والمادية لهذه المؤسسات واستثمارها.

ففي حال عدم الاستثمار الإيجابي الذي يصب في مصلحة الفرد المواطن أو ابن الطائفة، ثمة إمكانية لتدخل الدولة للحد من الأضرار، من خلال وضع قانون يفرض ضرائب على الأوقاف، يعفى منها كل من يقدم مساعدات للفقراء والمحتاجين.

مرة جديدة نؤكد أننا لا نقصد إقصاء الدين، بل التعامل مع المؤسسات الدينية على أنها جزء أو شكل من المؤسسات الاجتماعية التي تسري عليها القوانين وتخضع للنظام العام من دون أي امتيازات أو إعفاءات.

إن استغلال أراضي الوقف يشكل طريقاً حقيقياً للعبور إلى دولة التضامن والتكافل الاجتماعي لمساعدة ذوي الدخل المحدود.

وللوصول إلى ذلك الهدف، يحتاج لبنان اليوم إلى "مارتن لوثر" جديد، يعلن بدء الاصلاح الديني والاجتماعي، ويفجّر ثورة ضد جشع الكهنوت؛ إلى إصلاح لوثري يمكن أن يأخذ شكل الإصلاح الإداري والدستوري، عبر الاستفادة من مخصصات الطوائف والحد من سلطانها.