لم يتغير العالم يوم الانتصار على النازية بل يوم طبقت خطة مارشال الاقتصادية. آنذاك، تحول الانتصار السياسي العسكري إلى هيمنة دولارية بكل مفاعيلها. لم تقدم الولايات المتحدة ملايين الشهداء كالاتحاد السوفياتي، لكنها رسملت الانتصار بطريقة مكيافيلية لا مثيل لها، لتصبح عملتها ركن النظام النقدي العالمي. وما الخروج من معاهدة "بريتن وودز" إلا تكريساً للهيمنة النقدية الدولية، لقد فاجأت الولايات المتحدة العالم، أو كما يقول الأحباء السوريون في حديثم الشعبي: "فاجأتك مو!".

قد يكون الكلام عن الاقتصاد الدولي ما بعد الكورونا "كليشيه" يعطي انطبعاً ساذجاً. لكن ما يحصل من حولنا ليس تفصيلاً وسأعدد الأسباب. نحن نتحدث هنا عن الاستثمار المالي لما له من دلالة على كيفية إدارة النخب الرأسمالية للقضايا الاقصادية. على سبيل المثال واخذ العبرة، تعتمد إدارة المخاطر في القطاع المالي والمصرفي على دراسة كيفية إدارة الأزمات بالتركيز شبه المطلق على التحصين المحافظ من دواعي أزمات مرت بها سابقاً. كمثال أوضح، تحاول الصناديق الاستثمارية الأكثر كفاءة أن تحطاط من التقلبات السوقية بناءً على اختبار تحليل السيناريو لما شهده التاريخ الحديث من أزمات مالية. لكن الخطر يكون دوماً من أزمات لم نشهدها من قبل، أزمات وتقلبات تحدث فجأة وبدون إنذار. الإدارة السياسية الدولية ليست بعيدة عن هذا المنهاج. إن الإستثمار العسكري المهول الذي حصل ما بعد الحرب العالمية دليل على ذلك. لقد استثمرت الدول الغربية في قطاع التسليح وتطوير القدرات العسكرية آلاف المرات أكثر مما أنفقته على تطوير القطاع الصحي العام، رغم وجود بعض الخلاف بين الاتحاد الأوروبي كدول أوروبا الشمالية والاسكندنافية من جهة والولايات المتحدة من جهة أخرى.

في الآن عينه، ساعد الفهم الرأسمالي المجتزأ المتمثل بالاقتصاد الكلاسيكي الجديد، أو ما يعرف بالنيوكلاسيكي، لمقولة آدم سمث: "دعه يعمل دعه يمر" بتعميق قدرة المجتماعات على مواجهة المخاطر الكبرى التى قد تواجه العموم بعيداً عن الحروب. آدم سمث بمقولته الشهيرة المذكورة أعلاه أراد الوصول بالشعوب لاقصى رفاهية وحياة كريمة، وحاول فهم الاقتصاد السياسي من ذلك المنطلق. لم تكن تلك المقولة إلا فلسفة اقتصادية اراد منها خير المجتمع لا العكس.

إن أدلجة آدم سمث فكرياً وسياسياً واقتصادياً من مجموع النيوليبراليين، والنيوكلاسكيين، والمحافظين الجدد، ليست إلا مشروعاً سياسياً قصير الأفق تتحكم به النخبة الحاكمة وأصحاب الرساميل. من منا ينسى مارغريت تاتشير وقبضتها الحديدية التي دمرت كل إمكانيات العمال التعاونية وحولت نقابات العمال وقدرتهم على التفاوض حول حقوقهم إلى سراب. وكيف لنا أن ننسى رونالد ريغن الذي أراد في إحدى المرات بيع الحدائق الوطنية عملاً بمقولة "دعه يعمل دعه يمر" و"الدولة التي يجب أن ينحسر دورها بالجيش والحروب وحماية الملكية الخاصة". ولسخرية القدر أن الدولتين الأكثر تضرراً من الكورونا هما الولايات المتحدة والمملكة المتحدة.

لقد أثبتت الصين أن الإدارة المركزية للقطاع الصحي العام هي الترياق في إدارة الجائحة وليس القطاع الصحي الذي يبغي الربح. إن ثمن لبلرة قطاع الصحة العام هو ما نشهده اليوم من معدل وفيات لا مثيل له في العصر الحديث، يدفعه الفقراء وأصحاب الدخل المحدود. إن الاستثمار العسكري الأيديولوجي، كما ولبلرة القطاعات العامة هو نتاج من إدارة مخاطرة يشوبها الغباء السياسي والطبقية العمياء التي لا تقف عن حدود أدلجة أي شيء لتحصيل مكتسابات سياسية واقتصادية على حساب فقرائها.

أدى الشلل الاقتصادي بعد جائحة كورونا إلى انخفاض الناتج القومي للدول الغنية بمعدلات لم يشهدها التاريخ منذ أزمة الكساد العالمي عام 1929. فقد انخفض الناتج القومي الأميركي في شهري نيسان وأيار من هذا العام بحوالي 30%، وخسر حوالي 40 مليون مواطن وظائفهم. ما جعل الحكومة تلجأ لأكبر سياسة توسعية نقدية ومالية في التاريخ عبر الدعم المالي المباشر بحوالي 2.2 تريلون دولار، ودعم نقدي من المصرف الفيدرالي بحوالي 4 تريليون دولار. لقد اعتمدت الحكومة الأميركية أسلوباً كينزياً، نسبة لكينز الإقصادي البريطاني الشهير، على المستوى المالي. واعتمد المصرف الفيدرالي أسلوب "النظرية النقدية الجديدة" أو ما يعرف ب م.م.ت.

تعتبر نظرية كينز ورؤيته لدور الدولة الفعال في الاقتصاد نقيض النيوكلاسكية والنظرية النقدية الجديدة، وتوصف من الاقتصاديين الأميركين باليسار الاقتصادي. ما كتبه الاقتصادي الأميركي الشهير بول كركمن عام 2019 في نيويورك تايمز من نقد حاد لنظرية م. م.ت. ليس إلا دليلاً على عدم اقتناع الاقتصاديين "التقدميين" بإبداع هذه النظرية. ولكن عند الأزمات اكتشفت النخبة الحاكمة أنها لا تستطيع المعالجة إلا من خلال اللجوء إلى النظريات التي لطالما حاربتها واتهمتها باليسار، والشيوعية، وكافة الأوصاف التي تخدم المشروع الأيديولوجي.

لا يمكن أن تمر هذه الازمة العالمية دون تغيّر الفهم الاقتصادي ودور الدولة والمؤسسات العامة. كما أنه ليس بالأمر البسيط أن تلجأ أميركا إلى ذروة النقد الباراشوتي (نسبة للباراشوت) لادارة أزمتها، ضاربة عرض الحائط كل نظريات الاقتصاد النيوكلاسيكي.

يقودنا هذا التحليل لمحاولة تقييم دور الدولار الأميركي في المستقبل القريب والبعيد. هل نحن أمام اتجاه عكسي لـ"دولرة العالم" وهل صحيح أن الدولار الأميركي سيفقد قيمته؟ وهل من الممكن أن يشهد الغرب تضخماً لا يمكن السيطرة عليه؟

لن يفقد الدولار دوره كعملة احتياط عالمية في المدى القصير وذلك لعدة أسباب، أهمها: ليس هنالك أي بديل فعلي للدولار الأميركي، فالاتحاد الأوروبي في اتجاه عكسي لمعنى الاتحاد، بل ممكن تسميته "التفكك الأوروبي". لم ولن يستطع اليورو احتلال دور الدولار كعملة احتياط. أما اليوان، أي العملة الصينية، فقد تكون المنافس الوحيد للدولار، لكن على المدى البعيد. هناك مبادئ لتصبح أي عملة عملة احتياط نقدي، منها حرية التعامل الدولي بالعملة وهو غير متوفر لليوان كون الصين لا تريد خسارة الإدارة المركزية لعملتها. والسبب أو الشرط الآخر هو حرية،  أو انفتاح، الحساب الرأسمالي الصيني. وهنا نجد الأمر معاكساً بشكل تام، كون الصين تتبع سياسة إغلاق شبه كامل لحسابها الرأسمالي. يبقى الذهب والفضة أدواتاً محتملة للاحتياطات النقدية للمصارف المركزية، لكن لهذه المعادن حدود في قدرتها على لعب دور في تسهيل التجارة الدولية.

رغم هذه الحواجز أمام بدائل الدولار في المدى القصير، لكن المديين المتوسط والبعيد يشي بأن لهذه الأزمة تأثير كبير على دور الدولار كعملة احتياط نقدي وكضامن للتعامل التجاري على المستوى الدولي. وبالخصوص بعد أن قامت الصين بتعديل جوهري على إدارة اليوان إضافة للجوء دول أساسية إلى اعتماد العملة المحلية في التجارة الدولية بدلاً عن الدولار.

أما الحديث عما يحكى من أن تضخماً كبيراً سيصيب العالم ما بعد الجائحة كون الكثير من الدول قد لجأت إلى زيادة "طبع العملة" فهو أمر مبالغ فيه في المدى المنظور. كون هذه الدول ومنها الولايات المتحدة تلجأ إلى الاستدانة بعملتها الوطنية، وهذا هو جوهر النظرية النقدية الجديدة. إن ما يسمى إعلاميا بطباعة النقد ما هو إلا جهل غير متعمد لإدارة النقد والسياسة النقدية. وسنشرح هذا الموضوع بالتفصيل في مقال قادم.