أرسى تعديل الطائف الدستوري العدالة الإجتماعية كأحد مرتكزات النظام اللبناني في الفقرة "ج" من مقدمة الدستور، دون أي تعريف لمعناها. أمّا المجلس الدستوري في القرار رقم 1/2001 فأبدى تلبّكاً واضحاً في تحديد ماهية العدالة الإجتماعية. فربطها بما اعتبره مفاهيم تطبيقية لها، لكنّ هذه الأخيرة في الواقع، لا تعدوأن تكون مبادئ كلاسيكية في القانون الضريبي، أي مبدأي: إقليمية الضريبة، والمساواة في التكليف الضريبي. ولا يظهر أنّ مجرد تحقق هذه المبادئ يعني تحقق العدالة الإجتماعية. وإذا كان لا بد من ربطها بشكل أو بأخر بمفاهيم ضريبية، فليس أبدى من ربط العدالة الإجتماعية بالعدالة الضريبية.

نظام الضريبة على الدخل في لبنان:

يعتمد لبنان على التشريع الضريبي الصادر عام 1959 بالمرسوم الاشتراعي رقم 144، والذيادخل عليه بعض التعديلات غير الجوهرية. وقسّم الضريبة على الدخل إلى ثلاثة أبواب: 1) ضريبة الباب الأول: وتفرض على أرباح المهن الصناعية والتجارية وغير التجارية. 2) ضريبة الباب الثاني وتفرض على الرواتب والأجور ومعاشات التقاعد وما في حكمها.3) ضريبة الباب الثالث وتفرض على إيرادات رؤوس الأموال المنقولة. وتتميز هذه الأبواب عن بعضها في معدلات الضريبة التي تفرض على كل منها.

مما يعني أنّ القانون اللبناني يعتمد نظام الضرائب المتعددة على الدخل، عبر التمييز بين فروعه. ولا يسمح هذا النظام باستعمال ضرائب تصاعدية بشكل دقيق، لأنّه يفتقد إلى إحاطة واسعة وعامّة بكامل وضعية المكلف المالية والاجتماعية. على عكس النظام الضريبي الفرنسي – مثلاً - والذي تخلى عنه واعتمد الضريبة العامة والموحدة على الدخل، لأنّ معرفة الدخل الإجمالي للفرد واحتساب الضريبة على أساسها، يساعد في أنسنة الضريبة بحيث يمكن تطبيق معدل تصاعدي، مترافق مع تطبيق اعفاءات الحد الأدنى التي تضمن المعيشة، كما يرى فوزت فرحات.

طغيان الضرائب غير المباشرة:

تبرز عدم عدالة الضريبة غير المباشرة كصفة أساسية ملتصقة بها، بينما تقترب الضربية المباشرة والتصاعدية على الدخل من العدالة في التكليف لأنّه يمكن فيها تكييف الأعباء الضريبية وفقاً لمقدرة المكلف الفردية. لكنّ الضرائب غير المباشرة ما تزال تشكّل القدر الأكبر من إيرادات الخزينة اللبنانية، بينما لا تتعدى مساهمة الضرائب المباشرةوالتصاعديّة على الدخل والأرباح المُحصّلة من الأفراد والشركات معاً بين 2008 و2016 نسبة 17% من مجمل إيرادات الخزينة. مع أنّ الأولى على عكس الثانية لا تأخذ بعين الاعتبار وضعية المكلف، بل تساوي بين الملكفين مهما اختلفت وضعيتهم الاقتصادية.

ليس هذا وحسب، بل ارتفعت في الفترة نفسها نسبة الإيرادات التصاعدية المحصلة من الطبقات الوسطى والفقيرة بشكل أعلى من ارتفاع البنود الضريبية التي تحصّل من ذوي الدخل المرتفع: إذ ارتفعت الإيرادات الضريبية من الرواتب والأجور بنسبة 12.8%، والضرائب المحصلة عن السلع والخدمات بنسبة 10.8% -وهي من الفئة الأولى، بينما لم تتعد وتيرة ارتفاع الإيرادات المحصّلة من أرباح الشركاتبنسبة8.5% وعلى الأرباح من الأسهم بنسبة 7.7% -وهي من الفئة الثانية. (في تفصيل هذه الأرقام راجع: منير مهملات، سامي عطاالله، ما حاجة لبنان إلى سيدر؟)

الإصلاح الضريبي أحد أوجه الحل:

يرى مهملات وعطاالله أنّ استمرار النظام الضرايبي في التعويل على الضرائب غير المباشرة يصب في مصلحة الأغنياء على حساب الفقراء. لذا كان من المفترض أن يرافق نمو الدخل لدى الشرائح الغنية نمواً في مساهمتها الضريبية. كما أنّه في فترة البحث عن حلول للأزمة الاقتصادية لا يصح التغافل عن أهمية الإصلاح الضريبي، الذي يمكن أن يشكل أحد اعمدتها. كذلك، فإنّه لا يصح انتظار الحلول الخارجية - غير المتيقن قدومها حتى - من قروض وغيرها سواء عبر صندوق النقد الدولي، أو "مانحي" سيدر، على أنّها الحل الوحيد –إذا سلمنا جدلاً أنّها حل أو جزء من حل. فلو أجرى لبنان عام 2018 –عندما كان من الدول ذات الدخل المتوسط- اصلاحاً ضريبياً مترافقاً مع آليّات واضحة لمكافحة التهرب الضريبي، ورفع نسبة الإيرادات الضريبية مقابل الناتج المحلي إلى ما يقارب المعدل العالمي للدول ذات الدخل المتوسط (أي من 13.6% إلى 16%)، كان يمكن أن يحقق زيادة سنوية في إيرادات الخزينة بما يزيد عن مليار دولار، أيّ ما يساوي تعهدات "مانحي" سيدر السنوية. 

وصحيحٌ أنّ مثل هذا الإصلاح لن يؤدي إلى تحقيق أهداف مباشرة وسريعة في ظل الأزمة الاقتصادية العميقة، لكنّه لا يجب أنّ نغفل عن الدور الاجتماعي للضريبة إلى جانب دورها المالي. الأمر الذي تغفله وصفات صندوق النقد الجاهزة والتي تشترط في غالب الأحيان زيادة كبيرة على الضرائب غير المباشرة خصوصاً الضريبة على القيمة المضافة.

خلاصة:

يقترب أي نظام من تحقيق العدالة الاجتماعية كلما عمل على توزيع الثروة بشكل أكثر عادلاً بين المواطنين والمُقيمين. هذا ما يؤكد على العلاقة بين العدالة الضريبية والعدالة الاجتماعية، إنطلاقاً من أنّه كلما ارتفعت استفادة الشخص الطبيعي والمعنوي من العلاقات الاقتصادية داخل المجتمع في ظل حماية الدولة كان عليه زيادة مساهمته الضريبية، والعكس صحيح. كما أنّه ترتبط العدالة الاجتماعية بالتنمية الحقيقية لكل أفراد وطبقات المجتمع، لا مجرد تعميم حسابات النمو لدى دائرة مغلقة من الرساميل والأشخاص على أنّها تنمية مجتمعية شاملة.