لا تفتأ السياسات الأميركية عن تقديم كل ما هو جديد في عالم مخالفة المواثيق والقوانين الدولية يوماً بعد يوم، ولا تهدأ عن إبراز تسلطها على دول العالم التي لا تقبل سياساتها أو تلك التي تغرد خارج سرب إرادتها، مذكّرة العالم بأنها فوق الجميع، وبأن سياساتها ليست أكثر من سيف مسلط على رقاب الدول.

لن يكون "قانون سيزر لحماية المدنيين السورين" – كما أسماه المشرّع الأميركي- آخر هذه السياسات، والذي جاء ليتوّج عقداً كاملاً من الأوامر التنفيذية  لإجراءات قسرية أحادية الجانب تجاه سوريا والشعب السوري، في حين أن سوريا نفسها ترزح تحت نير قوانين وإجراءات أميركية مماثلة منذ أكثر من أربعين عاماً، فماذا سيقدّم هذا القانون الجديد؟ وما هي آثاره وكيف ستكون نتائجه؟

رحلة القانون:

 سمي هذا القانون بقانون قيصر تيمناً باسم مستعار استخدمه عسكريّ منشقّ ادّعى حيازته آلاف الصور "لمعتقلين قضوا تحت التعذيب في سوريا"، وقد قام بعرضها في الولايات المتحدة الأميركية عام 2016، لترتب له بعد ذلك جماعات ضغط ومنظمات معارضة من الجالية السورية لقاءات داخل الكونجرس، ولتخرج بعدها أفكار لمشروع قانون يحاسب سوريا ويقدّم مزيداً من حزم العقوبات التي لن تكون أكثر من أداة جديدة للضغط على الحكومة السورية وحلفائها.

ذهب الأميركيون في هذا الاتجاه بعد أن استنزفوا كل العقوبات السابقة الموجهة ضد سوريا، مما استدعى جماعات الضغط واللولبيات إلى تبني الموضوع وابتداع قانون جديد يستهدف وسائل الانقاذ التي أعانت سوريا على الالتفاف حول معظم الأوامر التنفيذية والإجراءات القسرية أحادية الجانب المفروضة على سوريا منذ أربعين عاماً والتي اختلفت شدتها بحسب المتغيرات السياسية وباختلاف الإدارات الأميركية المتلاحقة. لقد وجد الأميركيون ضالتهم في حجج مجموعات من المعارضين والناشطين السوريين الذين سعوا وقدموا كل ما وقعت عليه أعينهم وأسماعهم لجماعات الضغط الصهيونية المتواجدة في واشنطن.

عندما صيغ القانون للمرة الأولى، صيغ على شاكلة قانون مستقل مرتبط بثلاثة قوانين أخرى في الولايات المتحدة الأميركية، وقد نجح من وقف خلف هذا النص التشريعي  في السنوات الماضية في تمريره في مجلس النواب ثلاث مرات، فيما فشل في تمريره في مجلس الشيوخ دون نقاشات مستفيضة تتجاوز الخلافات السياسية بين الحزبين الرئيسيين، كما والسياسات المختلفة لدى أعضاء الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ.

آنذاك، كان مشروع القانون بشكله المستقل يحتاج إلى ما نسبته 100% من التصويت للمصادقة عليه داخل مجلس الشيوخ. وعلى الرغم من تبني زعيم الأغلبية في المجلس "ميتش ماكونيل" لمشروع القانون، ودعم الديمقراطيين والجمهوريين - بمن فيهم الرئيس ترامب -، إلا أن السيناتور الجمهوري عن ولاية "كنتاكي"  "راند بول" استطاع إيقاف مشروع قانون قيصر داخل مجلس الشيوخ لثلاث سنوات، معتبراً أن القانون سيزيد من المعاناة الإنسانية وسيطيل أمد الصراع في سوريا، معتبراً أن الحرب انتهت وأن الوقت حان لممارسة الدبلوماسية بدلاً من فرض مزيد من الضغوط. وبالتالي كان عدم توافق مجلسي الكونغرس على نسخة القانون سبباً في عدم وصوله إلى البيت الأبيض ليحصل على توقيع من الرئيس الأميركي.

في منتصف العام المنصرم، أوحى السيناتور "ماركو روبيو"عضو مجلس الشيوخ عن ولاية "فلوريدا" للقائمين على مشروع القانون بالتخلي عن الشكل المستقل لقانون سيزر، وربطه بموازنة الدفاع، حيث يحتاج التصويت على مشروع الموازنة إلى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ فقط لا 100% كما هو الحال في السابق. عدا عن أن موازنة الدفاع لا تأخذ ردحاً من النقاش كونها عابرة للخلافات بين نواب الحزبين. وهذا ما تم بالفعل حيث صادق مجلس الشيوخ على قانون سيزر نهاية العام 2019، ليقوم الرئيس الأميركي بالتوقيع عليه بعدها بأيام قليلة.

مفاعيل القانون:

يستهدف قانون قيصر أي كيان يعمل مع الحكومة السورية بقيادة الرئيس بشار الأسد، إذ ستخضع له دول وحكومات وشركات وكيانات ومقرضين دوليين، لكنه بالدرجة الأولى يستهدف داعمي الحكومة السورية الحاليين كروسيا وإيران والصين، إضافة إلى دول الجوار السوري كلبنان والعراق. كما أنه أداة ضغط وابتزاز أميركية لأي طرف دولي يحاول إعادة تطبيع العلاقات مع سوريا، أو مدّها بسبل العيش أو إعادة الإعمار، وفي هذا السياق تبرز سياسة السفير "جيمس جيفري" وحملة العلاقات العامة النشطة التي يقوم بها منذ مطلع عام 2020، إذ لا يمر يوم إلا ويخرج "جيفري" بتصريح يهدد ويرعد فيه أي دولة أو كيان أو حتى فرد يبتسم في وجه السوريين ويساعدهم على تجاوز هذا القانون أو غيره من الفروض التي فرضتها الولايات المتحدة، وآخر ما جاء على لسانه تحذيره لدولة الإمارات العربية المتحدة أكثر من مرة من خلال لقاءاته الصحفية بعدم مساعدة سوريا محذراً إياها من مخاطر ذلك، لا سيما بعد الانفتاح الذي أبرزه الإماراتيون تجاه دمشق. عدا عن سعيه الحثيث وضغطه الدائم على الاتحاد الأوربي ودول أخرى تدور في الفلك الأميركي لإدراج قوائم عقوبات وإجراءات قسرية جديدة تجاه سوريا، لا بل والتحكم بمواقيت طرحها بما يناسب الأجندة الأميركية.

وفي التفاصيل يشكّل قانون قيصر أداة ضغط سياسية تطال أموراً ذات نصوص تفصيلية محكمّة، لم تترك متنفساً واحداً للاقتصاد السوري على المدى البعيد، هذه النصوص صيغت وفق البيئة التشريعية والقانونية الأميركية، وتركت للتنفيذيين تقدير الكثير من الأمور التي ربما تحتاج لخبراء مختصين بطبيعة القانون والبيئة التشريعية الأميركية. وأخطر ما في الموضوع تلك الفقرة المتعلقة بمصرف سوريا المركزي، والتي ترك المشرّع الحرية لوزير الخزانة الأميركي بالتعاون مع الهيئات الفيدرالية المعنية بأنهم إذا قرروا أو استنتجوا بأن المصرف يقوم بغسيل الأموال فستطاله قيود أقسى مما هي عليه الآن. كما يطرح القانون فقرات محددة تتعلق بقطاعات النفط والطاقة والكهرباء والطيران والقطاع العسكري وقطاعات حيوية تتعلق بإعادة الإعمار وسبل التعافي، ومع أن القانون نفسه – كما معظم الإجراءات القسرية أحادية الجانب السابقة – يستثني الغذاء والدواء والحاجيات الأساسية التي تتعلق بحياة المواطنين إلا أن التطبيق دائماً ما كان بعكس ذلك، حيث القيود المالية والمصرفية كانت ولا تزال وستشتد أكثر فأكثر مع هذا القانون هي ما يؤثر بشكل أساسي على كامل سبل الحياة والعيش لدى الشعب السوري.

ماذا يريد القائمون على قانون سيزر؟

أخطر ما في قانون سيزر هو أنه حوّل الإجراءات القسرية أحادية الجانب من مجرد قرارات وأوامر تنفيذية يصدرها رئيس أو وزير ويلغيها مثلما أقرها، إلى قانون يحتاج إلى التئام مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين بالإضافة إلى موافقة الرئيس الأميركي لإزالته، وهذا أمر قد يكون بالغ الصعوبة مستقبلاً، عدا عن أن الآثار التطبيقية للقانون هي الأمر الذي يجعلنا قلقين إزاء تطبيقه، فعلى سبيل المثال، العراق بعد 17 عاماً من بدء الاحتلال الأميركي عليه، لا زال يعاني من آثار العقوبات التي ما زالت مفروضة بجزئيات معينة، علماً بأن أسباب فرضها قد زالت تماماً بزوال الحكم العراقي السابق بقيادة صدام حسين، وهذا ما يجب أن نتنبه إليه جيداً.

على الهامش الآخر فالقانون الذي أقر بمدة 5 سنوات قابلة للتجديد، ورغم أنه أعطى الرئيس الأميركي فرصة لتخفيف أو تشديد الإجراءات أو بوقفه كلياً أو جزئياً مقابل إحاطة من قبله أمام الكونجرس كل ستة أشهر، فإنه فرض على الحكومة السورية إجراءات ابتزازية تدخل في نطاق التعرض للسيادة السورية بشكل فج، فهو يطالب الحكومة "بفك الحصار عن مناطق محاصرة، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ووقف استهداف المدارس والمشافي الميدانية، والالتزام باتفاقية الأسلحة الكيماوية، والامتناع عن استخدام المجال الجوي السوري في ضرب المدنيين والسماح بعودة اللاجئين ومساءلة المسؤولين عن العمليات العسكرية والعمل على خطوات تقدمية للمصالحة."

قراءة المطلوب من الحكومة السورية كشرط لتخفيف أو إلغاء القانون يرى أن الأميركي وضع أموراً غاية في النبل كما أوحي للضاغطين من المعارضة السورية، لكن في التفاصيل، لم يأت الأميركيون على ذكر التنظيمات الإرهابية المصنفة أميركياً "كجبهة النصرة" والتي تتحكم بمدن وجغرافيات واسعة، ولم تتحدث عن مكافحة الإرهاب، كما لم يأتِ أحد على ذكر مراسيم العفو العام التي صدرت وتصدر وكان آخرها في أواخر آذار الماضي، فالأميركيون كما الأوربيين لطالما طالبوا الحكومة السورية بتقديم أوراق حسن نوايا قبل الدخول بأي عملية سياسية، وكان قبول الحكومة السورية للانخراط في العملية السياسية من خلال اللجنة الدستورية خطوة للأمام، في حين قدم لها الأميركيون بالمقابل قانون سيزر!

وعلى الرغم من أن الأميركيين يتذرعون بأن هذا القانون "لحماية المدنيين السوريين" فإنهم في الوقت ذاته يعملون على تجويع الشعب السوري كاملاً بلا استثناء، فهم يحتلون حقول النفط السورية  ويتحكمون من خلال "قوات قسد" العاملة بإمرتهم بلقمة عيش الشعب السوري في منطقة تعتبر خزان سوريا الغذائي والاقتصادي، حيث يسرقون ما يعادل 100 ألف برميل يومياً (حوالي 3 مليار دولار سنوياً)، إضافة إلى استخدامهم سلاح القمح لتجويع الشعب عبر سرقة أو حرق ما يعادل 2.5 مليون طن سنوياً من القمح، و400 ألف طن سنوياً من القطن، عدا عن مئات الآلاف من رؤوس المواشي. وهذه الأساليب في إضعاف وإفقار وتجويع الشعب تحدثت عنها مراكز الدراسات الأميركية – كسلاح القمح – ولطالما وردت فيما بين سطور تصريحات ولقاءات المسؤولين الأميركيين بمن فيهم جيمس جيفري نفسه.

في ظل هذه السياسات، تم تقديم قانون قيصر كأداة ضغط سياسي، مشفوعاً بحملة دعائية تهويلية كبيرة لآثاره،لم تقدّم جديداً أكثر مما كان سابقاً، فهناك 410 شخصية سوريا، إضافة إلى 111 كيان تجاري وحكومي واقتصادي سوري موجودة على لوائح الأميركيين أنفسهم.

ثم ماذا بعد!

يعتقد أنصار القانون من المعارضة السورية بأن هذا القانون سيكون بمثابة عامل الضغط الأخير الذي سيؤدي إلى إسقاط نظام الحكم في دمشق، لكن التاريخ يرشدنا دائماً إلى أنه لم تسقط دولة ولم يسقط نظام حكم بسبب إجراءات أو قوانين مشابهة، بينما قالها الأميركيون صراحة على لسان سفيرهم "جيمس جيفري" بأن القانون لا يبتغي إسقاط الدولة السورية أو الحكومة السورية، إنما يبتغي تغيير سلوك الحكومة، ويحمل كلامه دلالات واضحة بأن الضغط الأكبر على الحكومة السورية سيأتي عبر تجويع الشعب السوري وعقابه أكثر فأكثر عبر الاقتصاد، فما فشلت فيه الإدارة الأميركية بإرغام الحكومة السورية على الانصياع لرغباتها في السياسة والعمل العسكري وعلى الأرض وفي الميدان وحتى في الاقتصاد، تحاول تكراره الآن من خلال لقمة عيش الشعب السوري عبر فرض أقصى الإجراءات القسرية أحادية الجانب لا على سوريا فحسب، بل على كل من يساعدها، وهو ما لن يتحقق ما زال هناك أصدقاء لسورية في نفس القارب سيعملون على نصرها بالاقتصاد وبلقمة العيش كما عملوا ويعملون على نصرها في الميدان وفي السياسة.