لعلَّ من اطلع على كتاب إدوارد سعيد الشهير: "تغطية الإسلام"[1] يُدرِك آليَّات عبث الإعلام الغربي،[2] بتواطئ حكومي عربي كامِل بصورة الإسلام للصد عن سبيل الله، وذلك تحديداً منذ انبعاث ما سُمي بـ"الصحوة الإسلاميَّة" إبَّان سبعينيات القرن العشرين. بل يُدرِك كيف حال هذا الإعلام كُليّاً دون عرض كثير من الأعماق العرفانيَّة/الصوفيَّة لهذه الصورة "السياسيَّة"، وتحديداً حين كانت الثورة الإسلاميَّة في إيران [1978-1979م] فُرصةً دعويَّة ذهبيَّة، ومدعاة حقيقيَّة لائتلاف الأمَّة؛ خصوصاً إبَّان لحظتها النماذجيَّة القصيرة (العابرة للهويَّات المذهبيَّة) قبل العدوان البعثي (بتحريض أمريكي)،[3] الذي تطوَّر إلى حرب استنزافٍ مُنهِكة دامت ثماني سنوات كامِلة [1980-1988م].

وقد لَعِبَت دول الخليج -السعوديَّة والكويت تحديداً- دوراً خطيراً لا في إشعال الحرب العراقيَّة الإيرانيَّة وتمويلها فحسب (إذ كان أمراء الخليج من رعايا الشاه الملحِد، وأصدقائه وزوارِه المنتظمين!)،[4] طمعاً بإنهاء اللحظة النماذجيَّة الوحدويَّة بأسرع وقت ممكن، وإعادة إيران إلى المربع الطائفي والقومي الذي يضمن عُزلتها؛ وإنما كان الأخطر هو فرض ستار إعلامي حديدي، أنفِقَ عليه مليارات الدولارات -على أقل تقدير- للحيلولة دون انتقال اللحظة النماذجيَّة الجامِعَة، المتجاوزة للمذاهب والأيديولوجيات والخلافات؛ إلى الدول العربيَّة، لأسباب لا يحتاج القارئ اليوم إلى فرط ذكاء لإدراكها، خصوصاً بعد تعرُّضنا للتجربة المفجِعة لإجهاض ما سُمي بـ"الربيع العربي"، الذي ما زالت دمائه غضَّة طريَّة في الذاكرة.

وليت الأمر توقَّف على التعتيم شبه الكامِل على الثورة الإيرانيَّة، وإنما امتدَّت الجريمة لتشمل حملة تشويه كامِلة ومنظَّمة استُعْمِلَت فيها كافَّة أدوات إعلام الشاه المقبور، بل وكافَّة مفردات خطابه؛ لرمي الحركة الإسلاميَّة في إيران ورموزها (وخصوصاً الإمام الخميني) بأقذر التُهم وأشنعها. وهي الحملة التي تواطأ عليها وشارك فيها – للأسف - بعض "رموز" الصحوة، باختلاف أجيالها؛ وما زال دخنها يلوث أرواح الكثيرين إلى اليوم. بل ويُشكل سدّاً سميكاً اصطُنعَ ليحول دون عقول الباقين.

لقد كان للثورة الإسلاميَّة في إيران أثر كاسح على الساحة العربية بوجه عام، حركيّاً ونظريّاً. وكان من بين هذه اﻵثار مثلاً دورها المباشر في تحول عدد ضخم من المثقفين اليساريين العرب (خصوصاً الماويين، وعلى رأسهم الكتيبة الطلابية لحركة فتح) إلى الإسلام،[5] بل ومنهم من انتقل من المسيحية إلى الإسلام، كما حدث في حالة المفكر الفلسطيني الشهير منير شفيق.

لكن كان أهم أسباب العداء الحكومي العربي الشرس للثورة هو تأييد كافَّة التيارات الإسلاميَّة السنيَّة -بلا استثناء تقريباً- للثورة الإسلاميَّة في إيران،[6] في وقت رَعَت فيه الدولة ما بعد الكولونياليَّة أسلمة كل شيء لمواجهة الشيوعيَّة، واحتضنت الإخوان لتوظيفهم ضد الشيوعيين والقوميين والناصريين.[7] لكنَّ هذا التأييد بدأ ينتكِسُ ويخفُت تدريجيّاً حين بدأ التمويل السعودي يتدفَّق، مُنهمراً على الإخوان المسلمين وجماعة المودودي في شبه القارة الهنديَّة؛ في صورة مشروعات جديدة تُلهي عن استيراد "الفكر الثوري" (على رأسها المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الذي تأسس عام 1980-1981م).[8] ورغم ذلك، كان الأثر الثوري الإيراني شديد الوضوح (خصوصاً في مصر)، حتى يُمكن عزو التأسيس الحقيقي لأهم التنظيمات الإسلاميَّة المسلحة في العالم العربي[9] عزواً مباشراً إلى ما بقي من هذا الأثر بعد تشويهه، ومحاولة شتى التنظيمات الحركيَّة الإسلاميَّة دمج الشظايا المبتورة، التي بلغتنا منه؛ في المجال الحركي العربي.[10] بل ربما كان بوسعنا عزو إنشاء حركة حماس -المتأخر نسبيّاً (1987م)- إلى النُضج النسبي لأثر الثورة في فلسطين، سياسيّاً ومعرفيّاً. هذا ناهيك عن أثر الثورة المباشر في تأسيس عدد من التنظيمات الحركيَّة الشيعيَّة، وعلى رأسها تأسيس حزب الله اللبناني (1982م)، كما نعرفه اليوم.

ولعلَّ الأثر لم يكن لينتَكِس إلى تضخُّم تنظيمات الجهاد، المشوَّشة والمشوِّشة (ما عدا في فلسطين)؛ إذا كان المجال قد أفسِح لنمط دعوي - اجتماعي مختلف، نمط كانت تُمثله بالأساس القامات الدعويَّة المركزيَّة الثلاث (أحمد المحلاوي، عبد الحميد كشك، حافظ سلامة)، التي اجتاحت المجال العام المصري بإخلاصها الناضح، طيلة السبعينيات[11] وقسماً من ثمانينيات القرن العشرين؛ مُبشِّرة بتغيير أعمق وأنضج. وقد كان الشيخ المحلاوي مثلاً يُلقَّب في الصحافة بـ"خميني مصر"، وذلك قبل أن تتقوَّض تجارب الثلاثة بفعل تدخُّل السلطة بشتى السُبل، ورغبتها (التي اضطرمت أكثر بعد اغتيال السادات) في حصر العمل الإسلامي في إطار وكلائها المعتمَدين: الإخوان المسلمين في البرلمان، وتنظيمات الجهاد وجيوبه (ومنها الجماعة الإسلامية المسلحة)، التي خلفت تنظيم شُكري مصطفى، المسمى إعلاميّاً بالتكفير والهجرة.[12]

ولا تعجب عزيزي القاري حين تعرف أن قواعد الإخوان والجماعة الإسلاميَّة المسلحة والسلفيَّة السكندريَّة -التي كانت إبَّان السبعينيات من طلبة الجامعة وصارت اﻵن قيادات فوق الستين- كانت تُمثل تنظيماً واحداً مُتكاتِفاً سمح له السادات بالعمل في الجامعات المصريَّة،[13] بل وحطَّم في سبيله كافَّة المحاولات المستقِلَّة التي تمخَّضت عنها الحياة الجامعيَّة لتأسيس عمل إسلامي مُستقِل، لا توظفه الدولة لحسابها؛ خصوصاً ما كان يُنبِت كل يوم كالفِطر في معامِل تفريخ كليَّة الهندسة بجامعة القاهرة.[14] ثم تغيَّرت اللافتات الكبرى بعد ذلك، وتفكَّك التنظيم الجامعي إلى عدَّة تنظيمات حزبيَّة،[15] صار لكل منها استراتيجية مختلفة، في الظاهر؛ إلا أنها كانت في حقيقة الأمر تخدمُ هدف السلطة السياسيَّة الأوحد، بأن تظل كافَّة أطياف العمل الإسلامي في قبضتها وتحت سيطرتها وطوع بنانها.

ورغم الاحتفاء الطيف الحركي الإسلامي الكاسِح بالثورة، باديء أمرها؛ فقد تأخَّر "الإسلاميون" عموماً في رصد نشاط الحركة الإسلامية في إيران، وإدراك طبيعة الحدث؛ وكانت صحيفة الأهالي (التي يُصدرها حزب التجمع)[16] مثلاً أسبق من صحافة الإسلاميين في ذلك، وفي وتتبُّعها؛ بل وفي نشر أول حوار مع الإمام الخميني. وكان اليسار عموماً أسبق في ذلك من الإسلاميين السُنَّة، في كل مكان؛[17] لسببين: أن الحل الثوري جزء من التكوين النظري للعقليَّة الماركسيَّة، ومن ثم فهي تملك مقدرة إضافيَّة على استشفاف إرهاصاته مُبكراً، وذلك على عكس ذهنيَّة الإسلاميين السنَّة المسيَّسين؛ إذ لم يكن مثل هذا الحل جزءاً من تكوين الإخوان المسلمين، الذين كانوا يسعون للدمج في النظام السياسي القائم، بتجسيد سياسات السادات الرأسمالية، ومعاونته في تقليم أظافر اليسار بطوائفه.

واتساقاً مع ذهنيَّة إخوان السبعينيات الاندماجيَّة/ الانبطاحيَّة، ورغبتهم في تصوير أنفسهم كتنظيم سياسي قُطري "معتدل"، وشبقهم إلى نيل شرعيَّة قانونيَّة من الدولة ما بعد الكولونياليَّة؛ كانوا لا يملون التصريح بأنهم "لا يدعون للثورة ولا لجهاد الحكومات، أو الانقلاب عليها؛ وإنما إلى وحدة الحكام والمحكومين تحت راية الإسلام!" لكن، وعلى إثر رفض الإيرانيين للوساطة الإخوانيَّة في أزمة الرهائن، واتهامهم كل من يتوسَّط بهذا الصدد بأنه عميل أمريكي؛ بدأ الإخوان يبتعدون تدريجيّاً عن موقف التأييد (تزامُناً مع التمويل السعودي). وبعد أن كانوا يدعمون الثورة في إيران، حتىفي مواجهة الدعوات الانفصاليَّة للعرب والأكراد السنة في إيران،التي اعتبروها خيانات "قوميَّة" للإسلام؛ إذا بهم يذهبوا إلى تأثيم فعل اتخاذ الرهائن، وصولاً إلى نهيهم الشيخ المحلاوي عن محاولة تجسيد نموذج الخميني في مصر (ونصحوه باتخاذ مواقف أكثر اعتدالاً!)، مروراً بالشجب الرخو لعدوان البعث العراقي على إيران، الذي آل إلى صمت شبه كامل بعدها.

نعم، كان الجيل الذي باع الثورة شابّاً للسعوديين والسادات والأمريكان، قبل أربعة عقود؛ هو عينه الجيل الذي حطَّم "الربيع العربي" وباع شظاياه شيخاً، لأطرافٍ شتى؛ تحت سمع وبصر التاريخ. ولا عزاء للمغفَّلين.

لقد كان تغيُّر استراتيجيَّة السادات مع الإخوان، من محاولة قصم ظهورهم كعبد الناصر إلى محاولة تفريغ تعاليمهم من المحتوى، وصب ما يلائمه في قوالبها (اتباعاً للنمط الأمريكي في العلمنة)؛ بالتوازي مع وضع عدد من القيادات المفرَج عنها حديثاً من المعتقلات على رأس تنظيم قوامه طلاب صغار السن (من التنظيم الجامعي المشار إليه آنفاً)، مخترقين أمنيّاً؛ تغيُّراً لاقى دعماً غير محدود من السعوديين، وشاركه فيه بالجهد والمال كبير استخباراتهم، الساحر المرموق كمال أدهم؛ خصوصاً بعد اغتيال الملك فيصل. بل لقد ذهب الخوف بالسادات أن أقرَّ (في يوليو 1979م) تعديل المادة الثانية من الدستور، ليجعل الشريعة الإسلاميَّة مصدراً للتشريع، ويصير تدريس الدين إجباريّاً في المدارِس؛ في محاولة منه لتخفيف الاحتقان وتجنُّب دواعي "استيراد الثورة"!.

لكل ما سبق، كانت الثورة الإسلاميَّة في إيران تهديداً صريحاً ومباشراً وخطيراً، قد يؤدي إلى إخراج الوضع الحركي الإسلامي عن السيطرة الكولونيالية، بعد إذ أوشكت جهود مصر والسعوديَّة وباكستان على النجاح في أدلجة "الإسلاميين"[18] وترويضهم ودمجهم في "العمليَّة السياسيَّة"، ما يسَّر الدفع بهم لاحقاً إلى جهاد السوفييت في أفغانستان، بتنسيق أمريكي؛ زرافات ووحداناً.[19] أضِف إلى ذلك أن السادات نفسه كان من أشد المعجبين بالشاه المقبور، إذ كان يرى فيه نموذجاً مثاليّاً لحكام العالم الثالث، الذين استطاعوا الحفاظ على نظامهم بموالاة الغرب. وكان يعتقد بأن الشاه سيكون ذو فائدة عظيمة له، لا في مسعاه للتقارُب مع الغرب فحسب، وإنما في مفاوضات السلام مع إسرائيل.

لقد كانت الثورة الإيرانيَّة خطراً داهماً لأنها تغيُّر استراتيجي حقيقي غير محسوب. تغيُّر طبيعته رفض الوضع القائم بالكليَّة، ونبذ النظام العالمي الكفري بلا مواربة. والأخطر، أن هذا الرفض كان يستنِدُ إلى تأويل مخالِف للإسلام، تأويل مُناقِض (على الأقل في سنواته الأولى) للأسلمة البرانية (التي تفضي إلى العلمنة)، التي تبنَّاها محور مصر والسعوديَّة وباكستان (وتركيا وماليزيا؟!)؛ بمباركة أمريكيَّة. ومن ثم، كانت أكثر مُدخلات هذا التغيُّر مما لا يُمكن لـ"الولي الأمريكي" التحكم فيه، ولا التنبؤ بمُخرجاته، بالتالي؛ وإن كانت خطورته جليَّة. إنها خطورة الإسلام حين ينتفِضُ فجأة مُنعتقاً من صولة الكفر.

أخيراً وليس آخراً، فإن القارئ يلزمه الاطلاع على حجم وأبعاد الخطورة التي مثَّلتها الثورة الإسلاميَّة في إيران، من واقع ما كتبه الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو عنها، مثلاً؛ ليتمكَّن من إدراك حقيقة الجهد الذي بُذِلَ في حصارها وتشويهها، وأن ما أشرنا إليه سلفاً ليس سوى الخطوط العريضة، وغيض من فيض. وهو ما سنُخصص مقالنا التالي إن شاء الله لبيانه.


[1] للاستزادة؛ طالِع: تغطية الإسلام، إدوارد سعيد، ترجمة محمد عناني، دار رؤية (القاهرة، 2006م). ويتجلي في هذا الكتاب عُمق تأثُّر سعيد لا بميشيل فوكو عموماً، فهذا أمر معروف ومشهور؛ وإنما عمق تأثُّره بمقالات فوكو عن الثورة الإيرانيَّة (1978- 1979م).

[2] أحد المصادر الكلاسيكيَّة التأسيسيَّة في هذه المسألة، وإن كانت الدراسات الغربيَّة قد أضافت إليها الكثير جداً خلال العقود الأربعة الأخيرة؛ كتاب: المتلاعبون بالعقول، هربرت شيللر، ترجمة عبد السلام رضوان، عالم المعرفة (الكويت، 1999م).

[3] لاحظ أن صدام حسين أزاح أحمد حسن البكر بعد انتصار الثورة بأشهر قلائل (يوليو 1979م)، ليتولى رئاسة الجمهوريَّة مكانه، ويقتل الشهيد محمد باقر الصدر في العام التالي (أبريل 1980م) خوفاً من علاقته الوطيدة بالإمام الخميني، قبل أن يبدأ البعث، في سبتمبر 1980م؛ عدوانه على إيران.

[4]  وقد ارتد عليهم الكيد في نحورهم؛ إذ غزا صدام الكويت في 1990م، وأوشك على اجتياح السعوديَّة، لولا استدعاء حكامها للسادة الأمريكان لينقذوا أعناقهم. لمزيد من التفاصيل "المزعِجة" حول غزو الكويت؛ راجع: الجنازة حارة، محمد جلال كشك.

[5] لدراسة وافية عن المسألة؛ راجع: اليسار المتحول إلى الإسلام: قراءة في حالة الكتيبة الطلابية لحركة فتح، نيكولا دوت بويار، العدد الثاني، سلسلة كراسات مراصد، مكتبة الإسكندرية.

[6] لم تكن الطائفة المدخليَّة وأشباهها قد أثمرها السِفاح في أروقة الاستخبارات بعد. ومع ذلك، كان عداء السعوديَّة بالذات كاسحاً، إذ زلزل عام انتصار الثورة (1979م) النظام الملكي من الجذور، وذلك من خلال حادثين متتابعين: أولهما انتفاضة محرم الشيعية في القطيف والإحساء (نوفمبر)، ثم حادث احتلال الحرم على يد جهيمان وصحبه (في ديسمبر).

[7] أحد المصادِر العربيَّة النادِرة، التي وثَّقت طرفاً من مواقف "الإسلاميين"تجاه الثورة؛ كتاب: التيارات الإسلاميَّة في مصر ومواقفها تجاه الخارج، وليد محمود عبد الناصر، دار الشروق (القاهرة، 2001م).

[8] كانت الثورة هي المخرج الحقيقي الوحيد من الأزمة التي عاناها الإخوان، بعد خروجهم من المعتقلات؛ والباب الملكي لتجنُّب احتواء الدولة ما بعد الكولونيالية وتطويعها وتوظيفها لهم. ومن ثم، كانت لعبة الأسلمة، التي اضطلع بها المعهد؛ تيسيراً لدمج جماهير "الإسلاميين" في بيئة مناقضة للإسلام بنيويّاً، وإن كانت في ظاهرها مُحابية له تسعى لتمكينه!.

[9] كانت الخليَّة الأولى في تنظيم الجهاد الفلسطيني (نوفمبر 1981م)، التي أسسها الشهيد فتحي الشقاقي؛ أثراً مباشراً لاتصاله بالإيرانيين وإفادته من تجارب الحركة هناك.

[10] وهو ماتجلى في موجات العنف المسلح، التي شهدتها أواخر الثمانينيات ومطلع التسعينيات - خصوصاً في مصر والجزائر - بعد أن انتهت التيارات المسلحة من الجهاد الأفغاني وبدأت في العودة إلى بلدانها.

[11]  بغير غمط حق الشيخ عبد الحليم محمود وطبقته من أهل العشيرة المحمديَّة، وسنتناولهم في مقال لاحق.

[12] صارت مسألة سهولة توظيف الدولة ما بعد الكولونيالية للتنظيمات الإسلاميَّة - خصوصاً المسلحة - من المسلمات في دراسات "الإسلام السياسي"، خصوصاً بعد تعدُّد الأدبيات التي أصدرها ضباط جزائريون، ممن استيقظت ضمائرهم؛ لكشف النمط. راجع مثلاً: الإسلاميون والعسكر، محمد سمراوي، تنوير للنشر والإعلام (القاهرة، 2015م). أما مسألة التنسيق الكامِل بين الدولة وبين التنظيمات الإسلاميَّة، على مستوى القيادة تحديداً؛ فأمر صار في حكم المعلوم من الانخراط في "العمليَّة السياسية" بالضرورة. وقد كان الدكتور محمد سليم العوا -مثلاً- أحد أهم الوسطاء بين دولة مبارك والتنظيمات الإسلاميَّة، لا الجماعات المسلحة صاحبة "المراجعات" فحسب، وإنما كان أهم حلقات اتصال الإخوان بدولة مبارك، ومفتاح التنسيق الدائم بينهم في الانتخابات البرلمانية.

وقد أورد عبد الرحمن أبو الخير، المقرَّب من شكري مصطفى، في مذكراته؛ أن الأخير إنما كان هلاكه من فساد مبدأ حركته، بـ"العمل من خلال خطة العدو"؛ فسهُل توظيف جماعته لمصلحة النظام، وسهُل ضربها. وهو مبدأ فساد كل الأنشطة الحركيَّة الإسلاميَّة ابتداء من السبعينيات فصاعداً. وثم تفصيل مهم، في نفس المصدر؛ لكيفيَّة التنسيق الأمني بين جماعة شكري والإخوان من جهة، وبين السلطات المصريَّة من الجهة الأخرى؛ وذلك بهدف جعل جماعة شكري "جماعة إسلامية تستوعب الخاصة من الشباب"، ويكون تنظيم الإخوان المسلمين جماعة "تستوعِب العامة". وقد نشر الكتاب ناشر إخواني مطلع ثمانينيات القرن العشرين، وأنهك نفسه في كتابة الحواشي العقديَّة لنقض اعتقاد شكري، وبيان مخالفته لـ"اعتقاد الإخوان"؛ لكنه لم ينبس ببنت شفة حين أشار النص بوضوح إلى تنسيق الإخوان الأمني مع السلطات المصريَّة. راجع: ذكرياتي مع جماعة المسلمين، عبد الرحمن أبوالخير، دار البحوث العلميَّة (الكويت، 1980م)، خصوصاً ص 56 - 60

[13]  للاستزادة في مسألة تمييزنا بين المراحل المختلفة، لجماعة الإخوان المسلمين؛ راجع ثلاثيَّة مقالاتنا المعنونة: "الإخوان المسلمون جماعة أم جماعات"، وهي متاحة على الإنترنت

[14] من المصادر الجيدة عن الحركة الطلابيَّة، في كليَّة الهندسة؛ كتاب: أسرار الحركة الطلابيَّة، وائل عثمان (القاهرة، 2006م)، وهو جزء من رباعيَّة للمؤلف بعنوان جامع؛ هو: "حزب الله في مواجهة حزب الشيطان".

[15] السلفية السكندرية نفسها كانت تنظيماً حزبيّاً كامناً، وله بنية هرمية غير مُعلنة؛ وقد كان هذا رأيي فيه حتى قبل أن يظهر التجلي النماذجي، لهذه الروح الكامنة؛ ممثلاً في "حزب النور السلفي". 

[16]  شكَّلت السياسات الداخلية لنظام السادات، والتبِعات الإقليمية لزيارته للقدس (1977م)؛نمط تغطية الصحافة المصرية للثورة الإسلامية في إيران. بيد أن حذافير الموقف الرسمي من إيران لم تتجل إلا في كتابات رؤساء تحرير الصحف القوميَّة، وكبار كتابها؛ وما عدا ذلك فقد ظلت تغطية الصحافة المصريَّة غير مقيدة بالموقف الرسمي، إلى حد كبير؛ وإن كانت مقيدة بمصادرها: وكالات الأنباء العالمية؛ التي تحكم ما تتناوله الصحافة وما لا تتناوله. وتُسلِّط الضوء على قضايا بعينها، وتدفن أخرى تماماً فلا يبقى لها ذكر.

ومن أمثلة المنابر الصحفيَّة، التي تبنَّت الخط الرسمي؛ مجلة المصور وجريدة الأحرار، إذ اتهموا "العناصر الأجنبيَّة" بإشعال الثورة في إيران، وتبنوا مزاعم الشاه بأن الثوار هم "طائفة متطرفة من المسلمين والليبراليين، الذين يرومون تدمير إنجازات الشاه"! والعجيب أن موقف الصحيفتين لم يتغيَّر حتى بعد انتصار الثورة وإعلان الجمهورية الإسلامية. بل كانوا نموذجاً لتبنى الإعلام الحكومي للموقف الأمريكي بحذافيره، خصوصاً في أزمة الرهائن، حتى وصفوا موظفي السفارة الأمريكية المحتجزين بأنهم "مجموعة من المدنيين الأبرياء"، في حين شيطنوا "طلاب خط الإمام". لمزيد من التفاصيل حول مواقف الصحافة المصريَّة من الثورة؛ راجع:

                - Hanan Hammad, “Khomeini and the Iranian Revolution in the Egyptian Press”, in Radical History Review, Issue no. 105 (Fall 2009), pp. 39-57.

[17] اعترف كليم صديقي - رحمه الله - في غير موضع، أن مثله مثل باقي المفكرين والمثقفين السنة؛ كانت حُجب المذهبية قد رانت على بصائرهم، وكانت إيران منطقة معتمة، في خارطة الحركة الإسلاميَّة حول العالم؛ فلم يُدركوا طبيعة الحدث إلا متأخراً. وذلك رغم أن صديقي نفسه كان أحد المفكرين المسلمين المعدودين، الذين تنبأوا بحدثٍ من هذا النوع، بل وكان ينتظره؛ بيد أن إيران لم تجُل بخاطره.

[18] للمزيد حول مسألة أدلجة التيارات الحركية، وتزامن ذلك مع تسميها بـ"الإسلاميين"؛ راجع مقالنا (من جزئين): "إسلاميون أم مسلمون"، وهو متاح على الإنترنت. وقد نشر المقال للمرة الأولى عام 2015م، قبل أن تُسرَق بعض أفكاره وتُنشر بنفس العنوان في مواقع أخرى، وبأسماء مرتزقة لا خلاق لهم!.

[19] كان عام 1979م شديد التوتر في أفغانستان، إذ قتل الجيش الأفغاني 25 ألفاً في انتفاضة هرات (مارس)، وانتهى العام بالاجتياح السوفييتي (ديسمبر)، الذي كان فرصة لحشد كافة القوى الراديكالية والمسلحة حول العالم الإسلامي، والتخلص من إزعاجها بتصديرها إلى أفغانستان؛ لا لاستنزاف السوفييت طيلة عقد كامل تقريباً فحسب، وإنما لإعادة توجيه أي مؤثرات "راديكالية" آتية من إيران. ولاحظ أن الجهاد الأفغاني لم ينته إلا في العام الذي انتهت فيه حرب العراق وإيران. أهي مُصادفة؟!.