شهدت الأسابيع الأخيرة تطورات متنوعة في مختلف الشوارع الامريكية وكثيرة. كانت معظم الأحداث وليدة اللحظة؛ تظاهرات الناس كانت عفوية، الاحتجاجات السلمية كانت متوقعة، التخريب والنهب ايضاً، حتى ردات فعل الشرطة على ضراوتها كانت طبيعية ومتوقعة. ماذا ننتظر اصلاً من عناصر تدربوا على يدّ الجيش الاسرائيلي ونهلوا من خبرته في القمع - ان يقدموا وروداً للمتظاهرين مثلاً -؟

عنف الأحداث ولّد عنفاً ووجه بالمزيد من العنف. تكسير أصنام ترمز الى الكونفدرالية كان متوقعاً، تُعبّر هنا رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عن هذه الأصنام بكونها "ترمز للكراهية والعنصرية وقد حان وقت إزالتها" فيتساءل المرء لماذا ابقيتموها اذاً وانتم تعترفون برمزيتها البغيضة؟

انبرى البعض إلى تحليل ودراسة ما قد تفضي إليه الاحداث من تغييرات جذرية على مستوى السياسة الأميركية الداخلية. لكن ما إن تمّ حبس رجال الشرطة الأربعة بالتزامن مع خطاب ترامب الذي أعلن فيه جهوزية الجيش للمشاركة في قمع المظاهرات، ومن ثم ظهوراوباما مخاطباً الشعب بلهجة مفادها أن أصواتكم وصلت، حركات التخريب هذه ليست لكم، حياة السود مهمة فعلاً، لكن حان وقت العمل، جهزوا انفسكم للتصويت، فتصويت السود هو الاكثر أهمية حتى هدأت الشوارع وتحول العصيان المدني إلى تجمعات سلمية مع شموع وأيادٍ تُعانق بعضها البعض. كوفئ المتظاهرون بتسمية شوارع باسم جورج فلويد وبجملة "حياة السود مهمة" مطبوعة على الشارع المقابل للبيت الابيض في واشنطن. يجري الآن الحديث عن تفكيك أجهزة الشرطة في بعض الولايات، أو تحويل بعضاً من تمويلاتها إلى برامج عمل وورش تُعنى بتمكين وتقويم شباب الأقليات. هذه الاصلاحات ستأخذ وقتاً كي تثمر، خصوصاً أننا نشهد الآن احتجاجات في اتلانتا، جورجيا إثر حدث جديد، تمثّل بقيام شرطيَيْن بقتل شاب أسود جديد؛ هو "رايشارد بروكس".

حققت تظاهرات الأسبوع الفائت نتيجة أولية هي: ادخال بايدن إلى المنافسة الانتخابية. فمن كان ينوي الاعتكاف عن التصويت لأنه لا يرى في بايدن مرشحاً يستحق، سيصوت له في انتخابات ٢٠٢٠، متخيلاً إياه اوباما ربما.

شالات الكينتيه للتضامن

يحاول الديمقراطيون الاستفادة قدر الإمكان من مجريات الشارع لتسلق حلبة المنافسة. نرى الكثير من المشاهد المتعاطفة مع حراك "حياة السود مهمة"، بعض هذه المشاهد فعلاً مستفز. مشهد نانسي بيلوسي وبعض أعضاء الكونغرس الديمقراطيين راكعين على شرف "حياة السود مهمة" مع شالات الكينتيه حول رقابهم مستفز أيضاً. ماذا يعلم هؤلاء عن رمزية الكينتيه الغانيّة الأصل؟ أتعلم السيدة بيلوسي أن قماشة الكينيته المنسوجة بأيادٍ أفريقية ليس لها جانب معكوس، النقش نفسه من الجهة الأمامية ومن الجهة الخلفية، على عكس السياسة المزدوجة للنظام الذي تمثله السيدة بيلوسي، في تعامله مع السود.

الكينتيه نقشة رائعة فعلاً. أنا رأيتها أول مرة حين أحضرتها أختي لي كهدية معها من غانا. هي أعطتني ثوب الكينتيه وقد لفّته بطريقة أنيقة كأنها تلف حضارة بأكملها بتأنٍ وعناية. نبهتني حينها ألا افرّط به لما له من دلالات تحمل الكثير من الفخر في الهوية الغانية الأفريقية. يُرجع المؤرخون تصميم الكينتيه إلى القرن التاسع الميلادي. كان شعب الأشانتي أول من اعتمده في لباسه غرب أفريقيا. يشرح البروفيسور في علم الانثروبولوجيا في الجامعة الأميركية في واشنطن ومسؤول قسم افريقيا في متحف "فيلد" شابوروكا كوسيمبا، أن إسم "Kente" مزيج من عدة كلمات، ويعني "لا يمكنك تمزيقها، كيفما شددتها". يضيف كوسيمبا إن قماش الكينتيه منسوج من شرائط الخيوط الصغيرة، وهي عملية تتطلب مهارة وصبر. ويضيف: "حقيقة أن صناعة هذا القماش معقدة للغاية، وتعكس تعقيد أفريقيا. الكينتيه ليس مجرد ثوب ملون بل هو رمز للتراث الثقافي الأفريقي. من المهم للغاية أن نستوعب هذا التراث وألا يُصبح مجرد "زي أو فولوكلور. إنه تاريخ، ومن المهم جدًا أن نفهم لماذا نرتديه".

تبدو رمزية الكينيته شبيهة برمزية التطريز الفلسطيني أو الكوفية. منظر أعضاء الكونغرس الديمقراطيون ملتحفون بشالات الكينتيه للتضامن مستفز بمثل ما سيكون مشهد وفد من اليسار الاسرائيلي مرتد كوفيات فلسطينية تضامناً مع غزة. فلا يمكن أن ترى مشهد التضامن الطارئ هذا دون أن تتذكر تاريخ العنصرية والابادة التي مورست بحق من تتضامن السيدة بيلوسي اليوم معهم. لعل أبرز من عبّر عن هذا التقارب الزائف الكوميدي الأسود دايف شابيل، حينما قال "إذا قال لي شخص أبيض: يا أخي، أعلم أن هنالك مشكلة قادمة".

كوامي نكروما

تريد السيدة بيلوسي ورفاقها التضامن مع حياة السود المهمة عبر ارتدائهم الكينتيه الغانية. لكن هل تعلم نانسي ماذا فعلت بلادها بغانا حين قرر الرئيس الغاني كوامي نكروما النهوض ببلده والقارة الأفريقية كلها؟. هل قرأت مثلاً أرشيف الـ"سي أي آي" المختص بملف الانقلاب على نكروما والإطاحة بحكمه حينما بدأ يُخطط للتعاون مع الاتحاد السوفياتي والصين لتأسيس نهضة غانا؟

كان حلم كوامي نكروما تحويل غانا إلى مدينة فاضلة حديثة، ذات مجتمع تحركه قوة العلم لتكون غانا أنموذجاً لبقية دول القارة الأفريقية. في قلب خطته كان سد فولتا، محطة توليد الطاقة الكهرومائية التي ستزود غانا بكل الطاقة الرخيصة التي تحتاجها لبدء ثورتها الصناعية.

كان كوامي يرمي إلى إرساء وحدة أفريقية. بداية أطلق نكروما سلسلة من المشاريع الاجتماعية الشعبية نيابة عن شعبه، بما في ذلك منظمة الوحدة الأفريقية (OAU). تأسست منظمة الوحدة الأفريقية في 25 مايو 1963. بعد عام واحد، أسس مالكولم إكس منظمة الوحدة الأمريكية الأفريقية (OAAU) على غرار فكرة كوامي. أتت معظم حركات السود التحريرية والحركات الرافضة لقوانين جيم كرو العنصرية مطلع الستينات في أميركا متزامنة مع النشاط الأفريقي الثوري في القارة الأفريقية.

استفزت أفكار الرئيس كوامي نكروما حفيظة أميركا، فخطط الـ" سي أي آي" لانقلاب عسكري عليه، نفّذه سنة 1971، فأطاحت الولايات المتحدة بنكروما وأفكاره التقدمية لغانا وأفريقيا. بعيد الانقلاب، وصلت مذكرة من مساعد الرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي، روبرت كومر، إلى الرئيس جونسون. كانت المذكرة تهنئة يقول كومر فيها: "كان نكروما، أكثر من أي أسود أفريقي آخر، يفعل كل ما في وسعه لتقويض مصالحنا. إن النظام العسكري الجديد مؤيد للغرب بشكل مثير للشفقة تقريباً".

هذا ما فعلته بلادك يا سيدة بيلوسي حينما قرر شخص ما في أفريقيا القول حقيقة "إن حياة السود مهمة"، وأن عليه دعمها وتطويرها كي تحكم ذاتها بذاتها. لقد دبرتم له انقلاباً وأطحتم به وبمشروع نهضته الافريقية، وها أنتم اليوم بكل سذاجة ترمون شالات بلاده الغانية على رقابكم بعد أن جثوتم على رقاب الشعوب الأفريقية ومنعتموها من النهضة ضمن مشروع كوامي نكروما.

ثمانية دقائق وستة وأربعون ثانية، مدة الوقت الذي أبقى فيه الضابط ركبته على عنق فلويد، وهي نفسها المدة التي ركعت فيها رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، وأعضاء ديمقراطيون، أمام عدسة الكاميرات ليُظهروا تضامنهم مع حياة السود المهمة. لكن نانسي لو أرادت فعلاً التتضامن مع السود الذين قتلهم نظامها وأجهز على احلامهم في أميركا وأفريقيا، فهي على الارجح ستبقى راكعة مدى العمر.

يخبروك عن الاعتذار، اعتذار الأمم من بعضها على تاريخ من اضطهاد قاموا به بحق بعضهم. ونتساءل هل فعلاً الاعتذار يجبر بخاطر من مورست بحقهم العبودية والعنصرية؟ ثم ما فائدة الاعتذار؟ ها نحن نرى جاستن ترودو يعتذر مراراً وتكراراً، ويدمّع أمام عدسات الكاميرا ويرتدي أزياء الشعوب التي يعتذر منها عما فعلته بلاده بها ثم يبعث جنوده ليقاتلوا ويستضعفوا شعوباً اخرى كما هو الحال في اليمن؟ ماذا سيفعل لاحقاً ايعتذر من اليمنيين ايضاً؟ ايقضيها هكذا يستكبر ثم يعتذر؟

تضامن بيلوسي ورفاقها مع شالات الكينتيه هو بمثابة التضامن الذي لا يكلف شيئاً. التضامن البافلوفي الآني الذي يزول بمجرد زوال الشرط، فلا يُبنى عليه أي إصلاح جذري يمكن أن ينقل حياة السود إلى واقع أفضل أو يلزم بقوانين صارمة لتحقيق عدالة ما. يقول المفكر والناقد السياسي كورنيل ويست في هذا التضامن المُزيّف: "تجربتي على الأرض هي أنه عندما يرى الناس الآن السياسيين والمتحدثين الليبراليين الجدد يقدمون أنفسهم كما لو أنهم متشددون جدًا، ويتصرفون كما لو أنهم متطرفون جدًا ضد العنصرية، فهم سيقولون، مهلاً، نحن فعلاً ولدنا في الليل، ولكننا لم نولد ليل أمس".

قالت لي يوماً إحدى رفيقاتي من الأصول الأفريقية، وأنا أجّهز لزيارة لبنان، أنها تغبطني لأني مع أني أعيش هنا في أميركا لكني أعرف من أين أتيت، وها أنا احضّر نفسي كل عام لزيارة جذوري وتعريف أولادي على جذورهم وبعد ذلك سيقومون هم بحفظ هذا الإرث ونقله إلى أولادهم. ثم أشارت إلى مجموعة من رفاقنا وقالت "انظري هذه من ايرلندا وهذه من روسيا وتلك من فلسطين. أما أنا فمن أفريقيا، أي بلد في أفريقيا؟ لست أدري، أين منزل أجدادي في أفريقيا؟ لست أدري، ما كانت مهنة أجدادي في أفريقيا؟ لست أدري". وأضافت: "هم لم يسرقوا عبيداً من أفريقيا، هم سرقوا تقنيين، رجال أعمال، أطباء، معلمات، أمهات، رائدات فضاء وحولوهم إلى عبيد لخدمة الرجل الأبيض، ولا شيء سيغفر لهم هذا مهما ركعوا تضامناً".