عبر التاريخ الأميركي، كان التحول فى صورة الآخر ــ الفرد، والآخر ــ الفئة، نمطياً بشكل مبتذل. فالآخر دوماً يبدو فى البداية كائناً غير آدمي بسلوكيات غير عقلانية، أو كما وصفت وثيقة الاستقلال الأمريكية السكان الاصليين "همجيون منعدمي الرحمة".[1] ثم يدفع التناقض سواء المادى مع الفئات المستغلَّة أو الاخلاقى مع صورة المستوطن عن ذاته إلى محاولة إحتواء فى شكل أكثر فعالية للاستغلال.

لا تبدو الستينيات والسبعينيات لحظة من لحظات استيعاب أميركا لخطيئتها وتجاوزها العنصرية، إنما مجّرد حلقة في سلسلة تطوير آليات الاستغلال. فبعد الحرب العالمية الثانية توسّعت أميركا عبْر الأطلنطي، مما سمح لها تحميل كمّ أكبر من التكلفة لشعوب الدول المستعمرة سابقاً. تطلّب ذلك فرض شروط التبعية أولاً بالقضاء على حركات التحرر الوطني، وثانياً بدعم الكتل الرجعية. وفّر هذا للمشروع الأميركي صورة مناسبة للآخر يسقط عليها كل ما تعلّمه عن العنصرية وتسمح بدمج بعض العناصر الداخلية فى تعريفه للذات. في الوقت ذاته، كان الداخل يشتعل رفضاً لممارسات التمييز العنصرى الفجّة، أولاً في الجنوب المتخلف في الستينيات ثم في المدن الصناعية فى السبعينيات. وتصاعَد التوتر بظهور قادة راديكاليين متأثّرين بحركات التحرر الوطني مثل مالكولم إكس، وحركات راديكالية أخرى متأثّرة بحركات التحرير الشعبية، مثل حزب الفهود السود وحركة السكان الأصليين وحركة التشيكانوز (سكان أصليين للجنوب الغربي كانوا مواطنيين مكسيكيين قبل دخول الاحتلال الأميركي)، وكانت كلها تتمسك بالمقاومة المسلّحة وبروح تضامن أممي وبطرح قومي مناهض للمشروع الأميركي.

في تلك الظروف، قامت الولايات المتحدة الدولة، أو بالأصح أداة قهر الطبقة الحاكمة بكل ما هو متوقع:

  • قمع تام للحركات الراديكالية وللكثير من الحركات المروّضة باستخدام الاغتيالات والسجن والتعذيب.[2]
  • فتح المجال للتنظيمات الإجرامية.
  • احتواء عناصر من القوميات المستغَلة بتمهيد السبل لبعض من ذوي القدرات الفردية المتميزة منها لاستيعابهم فى الطبقة البورجوازية.
  • إثارة التوتّرات بين القوميات المضطهدة وبين الحركات المختلفة داخل كل قومية.
  • استيعاب المظاهر الثقافية لكل فئة مضطهَدة بعد تفريغها من أي مضمون تحرري أو ثوري حقيقي.

في تلك الفترة من أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، انتشرت الاضطرابات الداخلية وتحولت إلى "أعمال شغب" واسعة. ولم يكن ذلك مداً ثورياً. بالعكس، كان مؤشراً على أفول الفترة الثورية بسبب تفريغ القيادات، مع وجود جماهير غاضبة من فشل تحقيق تطلعات المرحلة. في تلك المرحلة أيضاً، وُظفَت الجريمة المنظمة لتوجيه العنف المسلّح لدى القوميات المضطهَدة. فعصابة البلودز[3] مثلاً بدأت من تنظيم للسود الرافضين للمشاركة في حرب فيتنام.

بتراجع حركات التحرر الوطني فى العالم الثالث وبداية ترسيخ منظومة التبعية، اتّسعت الطبقة الوسطى الأميركية لتسهّل عملية الاحتواء وتستوعب شكل الاستغلال الجديد الموجّه أكثر نحو الخارج. فموّل فائض الإنتاج في العالم الثالث نمط حياة قائم على الاستهلاك والاستدانة الدائمة، وتشارك فيه كل طبقات وقوميات المجتمع الأميركي بدرجات متفاوتة. وأصبح العامل الأبيض جزءاً من الطبقة الوسطى في كل شيء، وظلّ العامل الملوّن مستغَلاً ولكن بحدّة أقل كثيراً من السابق، ومن العامل فى الدول التابعة.

استراتيجية وتقنيات الاحتواء والتفريغ

ظلّت مناطق السكان الأصليين، وأحياء السود، والتشيكانوز، والصينيين، تعانى من التهميش والجريمة وقمع الشرطة، لكن مع وجود "فرصة" للفرد المميز ليخرج من الجيتو (حي السود) أو الباريو (حي التشيكانوز) أو الريز (حي السكان الأصليين) ليلتحق بطبقة المهنيين من بني لونه، من خلال الرياضة والترفيه وفرص التعليم المحمية بحصص قانونية أو تلك المدعومة بعمل خيري ومسؤولية اجتماعية. هكذا، تحول كل هؤلاء من قوميات مضطهَدة إلى "أقليات" داخل المشروع الأميركي، وأصبح كل منهم أميركياً - أفريقياً أو أميركياً – هسبانياً، أو أميركياً - آسيوياً. ولم تسمح الفرص المتاحة طبعاً بتغيير سريع للوضع على الاطلاق، لأن مستوى التعليم فى أحياء "الأقليات" كان متدن بشكل كبير، وكان الالتحاق بشريحة العمالة غير الماهرة والخدمية غير مُجدٍ فى صعود سلّم النمط الاستهلاكي، وكانت الجريمة قد أمست مساراً معتاداً يغذّى منظومة السجون، أو الخدمة العسكرية التي تنتهي أحياناً بالتعليم وكثيراً ما تنتهى بالإدمان والحياة فى الشارع.

لكن العامل الأساسي الذى أنجح مشروع الإحتواء كان مسألة التمثيل الفردي ووهم تساوي الفرص. صحيح أن فرص التعليم الجامعي كانت غير حقيقية، بسبب ضعف التعليم الأساسي وانتشار الجريمة والفقر، لكن الحراك الطبقي نقل البعض إلى الطبقة الوسطى. ولأن هذا الحراك كان مدفوعاً بقوانين رسمية، فقد أعطى انطباعاً بالمساواة في تحقيق الحلم الأميركي (أن تبدأ من القاع وتصل إلى القمة). غذّى هذا الانطباع ظهور تمثّلات واضحة لأفراد من الأقليات وقبولهم لدى "الأسرة الأميركية" بمعاييرها، وخاصة من خلال مجالات الترفيه. وأصبح من المعتاد أن يدوّن الفرد الملوّن الناجح تجربته مطالباً باعتراف مجتمعي بما حدث لناسه، اعتراف كان المجتمع الأميركي مستعداً لإعطائه فى إطار رسم صورة المجتمع التائب، على شرط إفراغه من أي تبعات لها علاقة بالحاضر. وحتى بعض الثوريين السابقين تم احتواؤهم فى الجامعات، وهي في ذهن كل أميركي مكان يتعرّض فيه الطالب لتجارب جديدة ومثيرة فى بيئة محكَمة نسبياً، بما في ذلك تجربة التعاطي ثقافياً مع فكر ثوري.

على المستوى السياسي، ارتبطت عملية الاحتواء بإفراغ العنصرية من جوهرها؛ "الاستغلال" والقهر، فصارت العنصرية تشير إلى ممارسات التمييز ضد "الأقليات"، بعيداً عن القهر والاستغلال. ومع دخول الولايات المتحدة عصر العولمة، لم يعد التنازل في مناطق الأقليات المهمّشة كافياً، إذ طرأت تغيرات جديدة على شكل علاقات الاستغلال. فمع العولمة وانتقال الكثير من الصناعات إلى خارج الولايات المتحدة، ومع توسُّع الاقتصاد القائم على انتاج المعرفة، ومع توسُّع القطاع الخدمي الاستهلاكي، زال إلى حد كبير الاحتياج الأميركي في الداخل إلى العمالة الرخيصة غير الماهرة. شهدت تلك المرحلة توسَّعاً في القطاعين العقاري والمصرفي حتى عام 2008، ما أدى إلى انتشار ظاهرة "التحسين"/"gentrification"، (وهي عملية "تجديد واعادة بناء مصحوبة بتدفق الطبقة الوسطى والميسورين إلى حي يعتبر متدهوراً)[4] كجزء من هذه العملية، بدأت محال ذات طابع ترفي، تعود ملكيتها لبيض من الطبقة الوسطى في الظهور وسط أحياء الأقليات. كانت هذه المحال مصحوبة بحماية من الشرطة غالباً، وبقوانين وتوصيات للشرطة بمعاقبة أي مخالفات بسيطة من "غيرهم" وبطريقة مشددة.[5] وفي غضون بضع سنوات، تحولت الأحياء ديموغرافياً.

أدّت الممارسات التى تذكّر بالمراحل الأولى من الاستعمار الاستيطاني (والتي تستدعي بعض تصوّراته عن الآخر بصفته همجياً لا يفهم إلا القوة) إلى الكثير من التوتر في مطلع الألفية. وفي غياب مشروع ثوري، وبعد فشل مستمر في انتاج قيادة ثورية، ومع الطريقة العشوائية لصياغة الأفكار من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، تحولت أعمال الشغب إلى رد الفعل الطبيعي على حوادث قتل الشرطة لمواطنين سود.

ما يفاقم التناقض اليوم، أن العولمة بدأت تؤدي إلى تراجع فى امتيازات الكثير من المواطنين الأميركيين. والسبب ليس اختياراً، ولكن تكلفة الهيمنة أصبحت أعلى مما ترضى الطبقة الحاكمة أن تقدمه للإبقاء على مواطنين لا تحتاج إلى الكثير منهم. هذا التنازل من الطبقة الحاكمة الأميركية عن التزاماتها تجاه مواطنيها هو بعض ما يفسر الفرز الذي نراه اليوم في الداخل الأميركي. للكثيرين من الشريحة الدنيا للطبقة الوسطى البيضاء استياء نامٍ من شعور باستحقاق الامتيازات. هم يستدعون أكثر فأكثر قيم المستوطن وهواجسه، وأولها هاجس البقاء في مواجهة الهمجي الذي يحاول أن يدمر ما بناه المستوطن. على الصعيد الآخر، بدأت أطروحات للتغيير في الظهور ولكن كلّها تنطلق من المشاركة فى العملية السياسية كما هي. فتبقى الشعوب المستغَلة في الداخل سابقاً، الأقليات حالياً، دون قيادة تبلور طرح ثوري نقيض لبنية الاستغلال والتهميش التي تسبب القمع. فى هكذا وضع، ستستمر الطبقة الحاكمة فى تصوير الأحداث كأحداث فردية أو محدودة النطاق، وسيزداد عنف الشرطة وداعميها من اليمين الشعبوي تجاه المهاجرين و"الأقليات"، وحتى إفراز قيادة ثورية، ستظل "أعمال الشغب" رد الفعل الطبيعي.

خاتمة

ما يحدث اليوم فى أميركا هو بلا شك نتيجة لأزمة في المشروع الأميركي، فأميركا لم تعد قادرة، على فرض هيمنتها الكاملة حتى على "فنائها الخلفي"، والدليل أن الجمهورية البوليفارية صامدة رغم أنها ليست بنفس قوتها في عهد شافيز. لكن المهم استقرائه في نمط الاستغلال الأميركي وكيفية مواجهته، هو أن قدرة أميركا على فرض مشروعها ليست أمراً داخلياً، بل هو مرتبط بقدرة الطبقة الحاكمة على تصدير الاستغلال إلى الخارج، وبقبول قيادات الفئات المستغَلة والمهمّشة داخلياً لصفقة الاحتواء على حساب الخارج. وما يجعل أميركا "سجن الأمم"[6] حقاً هو أن كل مرحلة مواجهة تنتهي باحتواء الفئات الرافضة للعنصرية، أو حتى ضمها فى ممارسة العنصرية ضد "آخري". فلا يمكن لمن يريد التغيير نسيان أن الحركة الثورية في الداخل الأميركي تبلورت حين كانت أميركا تواجه حركات التحرر الوطني، وكانت المقاومة الفيتنامية من أكثر العوامل التي أنمت وأزكت الحركة الثورية فى الداخل. وأما الأزمة الحالية التي أفرزت اليمين الشعبوي، فقد سبقها في عهد بوش فشل مشروع الشرق الأوسط الجديد بسبب المقاومة العراقية واللبنانية. فالحل الوحيد للفئات المهمّشة والمستغَلة في الداخل يكمن في مشروع ثوري مناهض للاستغلال، يرى المقاومة للهيمنة الأميركية في كل مكان حليفاً أكثر أهمية من مكاتب الكونجرس والبيت الأبيض.

يقول مهدي عامل إن "الحركة الخاصة بالممارسة السياسية للطبقة المسيطرة... تقوم على نزع الطابع السياسي عن كل ممارسة للصراع الطبقى بهدف الحفاظ على سيطرتها الطبقية"، وهذا بالضبط ما نجحت الطبقة الحاكمة الأميركية فيه حتى الآن، باستخدام القمع والاحتواء والتفريغ. في المقابل، "الحركة الخاصة بالممارسة السياسية للطبقات الكادحة...تقوم في أساسها على تسييس كل ممارسة للصراع الطبقي".[7] فرغم الأزمة التي تشهدها الطبقة الحاكمة، يشكّل عدم وجود قوى ثورية قادرة على إعادة إنتاج الوعي السياسي أزمة مزمنة، تدور تفسيراتها حول عقلية الشرطة واضطهاد عرق معين وأفعال أفراد، بدلاً من النظر إلى ما وراء القمع في علاقات الاستغلال و التهميش.

 


[1] https://www.archives.gov/founding-docs/declaration-transcript من المفارقات أن هذا النص يعتبر مصدر فخر كبير لمبشري أميركا كتعبير عن قيم التحرر والمساواة.

[2] أقامت الولايات المتحدة برنامجاً لمتابعة ومواجهة القيادات والتنظيمات الراديكالية، تطور إلى برنامج الـFBI الذى سمّي بـ"cointel pro". اغتالت أميركا، في تلك الفترة، مئات القادة والكوادر السود في حوادث كثيرة، أشهرها اغتيال فريد هامبتون وعشرات القادة من السكان الأصليين والتشيكانوز.

[3] عصابة الـ"بلودز" المعروفة أيضًا باسم الـ(Original Blood Family): هي أكبر عصابة شوارع أميركية من أصول إفريقية تأسست عام 1972 في لوس أنجلوس، في ولاية كاليفورنيا، عرف أعضاؤها من خلال اللون الأحمر الذي يرتدونه، ورموز العصابات الخاصة بها.

[4] الترجمة لكاتب المقال من ص239:

Warde, Bryan. Inequality in U.S. Social Policy: An Historical Analysis. Routledge, New York, 2016.

[5] في أكثر من مكان شهد التغيير الديمغرافي، كانت نظرية "broken window policing"، تُستخدم لرسم الخطوط العريضة لتصرّفات الشرطة ثم تبرير العنف فيما بعد. وهي نظرية في علم الجريمة تقوم على أن ترك المخالفات الصغيرة يزيد فرصة انتشار الجريمة. فتُبنى التوصيات في الأغلب على عقوبات صارمة لأي مخالفة صغيرة في الأماكن التي يتم فيها "التحسين"، وبالأخص تجاه الشباب.

[6] التعبير للينين من "البروليتاريا الثورية وحق الأمم فى تقرير المصير"  استخدمه فى وصف روسيا القيصرية لأن بورجوازيات القوميات المختلفة داخلها كانت تتنازل عن حرية قوميتها لصالح التوسع الرأسمالي

https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1915/oct/16.htm

[7] للاطلاع بشكل أوسع يمكن مراجعة: مهدي عامل، مقدمات نظرية لدراسة أثر الفكر الاشتراكي في حركة التحرر الوطني، دار الفارابي، بيروت – لبنان، 2013.