تشكّل تجربة الولايات المتحدة الأمريكية نموذجاً حياً لتطوّر آليات السياق الاستعماري الغربي في عالم ما بعد الحرب العالمية. فالبلاد التي قامت على مثلّث رأس المال – الاستعمار - الاستعباد، صبغت سياستها التوسّعية في العالم بشعارات "حقّ تقرير المصير" و"حقوق الإنسان" التي وصلت من خلالها الى التواجد العسكري في أكثر من 80 دولة حول العالم.

لكنّ أعمدة "المثلّث" الأمريكي تخلخلت إثر اهتزاز عنصر "الاستعباد"، حيث تحوّل المجتمع الأسود في أمريكا الى "أزمة داخلية"، هي في الواقع نتاج العقلية الاستعمارية التي تسعى للحفاظ على استغلال "اليد العاملة القادمة من العبودية" تحت قناع "المواطنة" في خدمة المشروع التوسعي الأمريكي في العالم.

وقد خاض المجتمع الأسود في الولايات المتحدة سلسلة من الحقبات النضالية ضدّ المنظومة الاستعمارية التي تشنّ حرباً شاملة ومستمرّة منذ عقود لمحاصرة وتفتيت بذور أي عمل ثوري في المجتمع الأسود، وذلك بالاعتماد على أداتها الحديدية: مكتب التحقيقات الفدرالي "أف بي آي".

وفي منتصف القرن العشرين، تزامن صعود الحركات الاحتجاجية داخل المجتمع الأسود مع استلام "إدغار هوفر" لمنصب مدير مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي أي). جسّد هوفر الخرّيج "المثالي" للمنظومة السياسية والأمنية الأميركية بما تحمله من فوقيّة استعمارية، طعّمها هوفر بعنصريّته العرقيّة. وفي تلك الحقبة، لخّص مكتب التحقيقات الفدرالي بقيادة هوفر السياسة الاستعمارية التي تعتمدها الولايات المتحدة في محاربة حركات التحرّر للمجتمع الأسود، وهي سياسةٌ متطابقة مع تكتيكات الأجهزة الأمريكية ضدّ حركات التحرّر في العالم. تقوم هذه السياسة على خطّين يسيران بالتوازي نحو هدم البنيان الثوري عبر مهاجمة أسفل الهرم ورأسه.

سياسة "نخر" أسفل الهرم

في تعاملها مع المجتمع الأسود، تسعى المنطومة الحاكمة في الولايات المتحدة الى ترسيخ تفوّقها، وذلك برسم حدود "الممكن" و"المستحيل" للمجتمع الأسود، بما في ذلك تحديد سقف المسموح به من مطالب ضمن الاحتجاج. في برقيّة صادرة عن المكتب الرئيسي لمكتب التحقيقات الفدرالي عام 1968، يقول إدغار هوفر: "على الزنوج اليافعين والمعتدلين أن يفهموا بأنّهم إذا أرادوا أن يكونوا ثوريين، فسينتهي بهم الأمر ثوريين مقتولين."[1] تختصر هذه المقولة سياسة تحديد الممكن، حيث يهدّد هوفر مجتمعاً كاملاً بالقتل في حال تخطّت مطالبه حدود موازين القوى السياسية والثقافية والنفسية التي قامت عليها البلاد منذ تأسيسها. وتتجسّد هذه المقولة على أرض الواقع من خلال عنف الأجهزة الأمنية التي تسعى لترسيخ هذه الحدود من خلال القمع الدائم الذي يظهر على شاشاتنا كلّ حين بهيئة خبرٍ عن مقتل شاب أسود على يد (أو تحت ركبة) شرطيّ أبيض.

لكنّ عمل مكتب التحقيقات الفدرالي يتخطّى العنف المباشر، فيعمل على خلخلة الأسس الاجتماعية والسياسية لأيّ حراك سياسي داخل المجتمع الأسود. في ستّينيات القرن الماضي، أسّس مكتب التحقيقات الفدرالي مشروعاً "لمكافحة الإرهاب والانتشار الشيوعي على الأراضي الأمريكية" (Cointelpro)، والذي تكشف ملفّاته المسرّبة بأنّ الجزء الأكبر من نشاطه كان موجّهاً ضدّ المجتمع الأسود، حيث خُصّصت غرفة خاصّة لهذا الشأن.[2]

وتقوم هذه الغرفة على أربعة أهداف تلخّص سياسة "النخر في أسفل الهرم"، وأوّل هذه الأهداف: "منع قيام أي تحالف بين المجموعات القوميّة الناشطة في المجتمع الأسود". كان مكتب التحقيقات يدرك خطورة الفكر الثوري الصاعد بين أوساط الجيل الجديد في المجتمع الأسود، وقد تميّز هذا الفكر بقدرته على التحوّل الى تجمّعات سياسية منظّمة وهادفة وشبه-عسكريّة، تنوّعت أهدافها ما بين تحصيل الحقوق وبين تقرير المصير. لهذا، عملت المنظومة الحاكمة على اختراق هذه التجمّعات وزرع الفتن فيما بينها في سبيل تحقيق الهدف الثاني المذكور في المشروع، ألا وهو، "منع الحركات القومية للسود وقياداتها من كسب الاحترام الشعبي من خلال ضرب سمعتهم".[3] ولعلّ المثال الأبرز حول هذه السياسة هو الخلاف بين مالكوم أكس و"أمة الإسلام"، والذي قام مكتب التحقيقات بتغذيته عبر عملائه لدى الطرفين، معبّداً الطريق لعمليّة اغتيال مالكوم أكس بوصفها "صراعاً داخليّاً" لا شأن للحكم الأمريكي بها. وبهذه العملية، تمكّن مكتب التحقيقات الفدرالي من ضرب عصفورين بحجر، إذ تخلّص من أبرز صوت ثوري وشوّه صورة أكبر حركة اجتماعية داخل المجتمع الأسود. لكنّ الوثائق المكشوفة حديثاً تؤكّد بأنّ دور مكتب التحقيقات والشرطة في اغتيال مالكوم يتخطّى التحريض، ويصل الى تجنيد وحماية القاتل المباشر.[4]

وقد اعتمد مكتب التحقيقيات الفدرالي الأسلوب ذاته في محاربة حركة "الفهود السود" التي سطع نجمها في أواخر الستينات، فكانت أوامر "إدغار هوفر" عام 1968 لعملائه بـ"اعتماد خطوات استباقية تهدف الى شلّ حركة الفهود السود" من خلال تصويرهم في سياق "نشاط العصابات والتهديدات الجديّة بالقتل والانتقام".[5] وفي العام التالي، تُرجمت أوامر هوفر بإطلاق سلسلة من الإشاعات والتهديدات الموجّهة الى قيادات متنوّعة في المجتمع الأسود، تبيّن لاحقاً أنّها صادرة عن عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي. كان الهدف من هذه السياسة هو تشويه صورة المجموعة الثورية لدى الجمهور الأسود، بالإضافة الى شحن الأجواء وزرع الفتن بين المجموعات المختلفة لتشتيت جهودها وتحويل مجرى عنفها عن هدفه الأساسي. وقد أثمرت سياسة هوفر أجواءً مشحونة أدّت الى صراع داخل المجتمع الأسود كان من أحداثه الاشتباك الدامي بين طلّاب "الفهود السود" وطلّاب مجموعة "الولايات المتحدة" في جامعة كاليفورنيا (UCLA) عام 1969 والذي أدّى الى مقتل وجهين بارزين من كلّ مجموعة.[6]

وما زالت سياسة "النخر" قائمةً إلى يومنا هذا، حيث يخصّص مكتب التحقيقات الفدرالي ملفّاً جاسوسياً بعنوان "التطرّف في هويّة السود"، يقوم من خلاله بمراقبة وإعداد تقارير ودراسات حول مختلف فئات المجتمع الأسود، بما فيهم المجموعات السياسية والناشطين، وذلك لاتخاذ نفس الإجراءات التخريبية المعتمدة منذ الستينات. وفي عام 2014، أثناء المظاهرات الاحتجاجية التي خرجت في مدينة "فيرغيسون" إثر اعدام الشاب مايكل براون، بثّ عملاء المكتب الفدرالي إشاعات حول ارتباط عدد من ناشطي (black lives matter) مع تنظيمات إسلامية جهادية، بحسب ما كشفته وثائق حصلت عليها جريدة (Intercept).[7]

سياسة قطع رأس الهرم

بالتوازي مع "النخر" في أسفل الهرم، عمد مكتب التحقيقات الفدرالي الى ضرب الرموز البارزة لدى أيّ مجموعة ناشطة داخل المجتمع الأسود. فمن الأهداف المعلنة للمكتب، يبرز الهدف الثاني القاضي ب"منع صعود مسيح (مخلّص) قادر على توحيد وإذكاء نشاط المجموعات القومية داخل المجتمع الأسود".[8]

ويظلّ مالكوم أكس القياديّ الأبرز الذي شكّل اغتياله ضربةً قاسمةً لنضال المجتمع الأسود. لكنّ العمليّة الأبرز التي نفّذها مكتب التحقيقات الفدرالي وقعت عام 1969 باغتيال "فريد هامبتون" (22 عاماً)، زعيم حركة "الفهود السود" في شيكاغو، الذي قتلته الشرطة بالتعاون مع عناصر مكتب التحقيقات في غرفة نومه بإطلاق 90 رصاصة عليه أمام زوجته الحامل بشهرها الثامن.[9] لم يُحاسب أيّ شرطيّ في تلك الحادثة، حيث اعتبر اطلاق النار "دفاعاً عن النفس" بعد زعم الشرطة - بدون أي دليل - بأنّ هامبتون بادر بإطلاق رصاصة واحدة باتجاه القوّة. وسياسة قطع رأس الهرم (أو "القضاء على المسيح" بلغة هوفر) تهدف الى تعمية أي نشاط منتظم داخل المجتمع الأسود، وهي سياسةٌ ناجحة في ضرب الحركات الثورية الناشئة. إذ تكمن أهميّة "البطل" أو "المخلّص"، كما يقول الشهيد غسان كنفاني، في كونه "النموذج المجسّد للمستقبل.. الذي يستطيع أن ينتزع من الناس شكّهم في التجربة".[10] الأمر الذي يجعل من عمليّة "قطع رأس الهرم" استراتيجية ناجحة في تفكيك التجربة وتخفيف حدّتها.وعادةً ما يترافق التخلّص من الرموز الثورية مع صناعة لرموز مزيّفة (أو لنمط اعتراضي مزيّف) لا يمسّ بأساسات المنطومة الحاكمة، ويساهم بصهر الوعي الجماعي عب الخطاب والفعل. كان مارتن لوثر كينغ أحد الأمثلة البارزة عن القيادات "المقبولة"، في حين لعب العديد من المشاهير السّود دوراً سلبيّاً في تعويم فكرة "الخلاص الفردي" للمجتمع الأسود في حربه ضدّ المنظومة الاستعمارية الأميركية.

خاتمة

للتاريخ أن يسجّل بأنّ منتصف القرن العشرين شكّل فرصةً ذهبيّة داخل المجتمع الأسود لتطوّر الصراع من مرحلة ردّة الفعل (الانعتاق من العبودية) الى مرحلة الفعل (الخطاب التحرّري المناهض للاستعمار). لكنّ المنظومة الاستعمارية الأميركية نجحت عبر سياسات إدغار هوفر بتطويع نضال السود وحصره تحت سقف "المساواة"، أي تحسين شروط العبودية المقنّعة. وإن كان قاتل جورج فلويد معروفاً أمام العالم، فإنّ سياسة إدغار هوفر المستمرّة الى اليوم، تجعل من المجتمع الأسود بأكمله ضحيةً بلا قاتل.

 

 

 


[1] Dee J., (1997). The FBI-Manufactured Plot to Kill Farrakhan. Published by The Final Call on March 4. Retrieved from: http://www.finalcall.com/artman/publish/Perspectives_1/article_9579.shtml

[2] FBI Records, (1967). The Vault (COINTELPRO): Black Extremist. Retrieved from https://vault.fbi.gov/cointel-pro/cointel-pro-black-extremists/cointelpro-black-extremists-part-01-of/view

[3] Ellis D. & Mueller D. (1990). The FBI’s War on Black America (Documentary). https://www.youtube.com/watch?v=LYbxsXBYyk0

[4] Dretzin R. & Bertelsen P., (2020). Who Killed Malcom X? (Netflix Documentary).

[5] Renata Aron N., (2017). When the black justice movement got too powerful, the FBI got scared and got ugly. Published by Timeline on February 9. Retrieved from: https://timeline.com/black-justice-fbi-scared-ebcf2986515c

[6]  المرجع السابق.

[7] Speri A., (2019). The FBI Spends a Lot of Time Spying on Black Americans. Published by The Intercept on October 29. Retrieved from: https://theintercept.com/2019/10/29/fbi-surveillance-black-activists/

[8] Ellis D. & Mueller D. (1990). The FBI’s War on Black America مرجع سابق

[9] Haas J., (2009). The Assassination of Fred Hampton: How the FBI and Chicago Police Murdered a Black Panther. Published by Lawrence Hill Books.

[10]  غسان كنفاني. (1969) المنهج التطبيقي للاشتراكية العربية. من كتاب "معارج الإبداع" ، صدر عندار الأسوار، عكّا، فلسطين.