كيف يسخر فنّ الكاريكاتور من فيروس مجهريّ يُبالغ في الاستهزاء بالجنس البشري، وطرق معاشه؟

يُظهّر فنّ الكاريكاتور أخبار الساعة، والقضايا السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والبيئيّة وحتّى الدينيّة الراهنة "على طريقته"، فيرسم وجوه البشر مشوّهةً أو يُضخّم عيوباً شكليّة فيها أو في أجسامهم، ويستخدم الاستعارة للتعبير بالرموز عن خبر ما أو لحثّ المتلقّي على الاهتمام بالكامن وراء الخبر.

 كما "يتصيّد" فنّ الكايكاتور تصاريح السياسيين، ويتهكّم عليها عن طريق الكلام المصاحب للرسوم المُبالغة. لكن، يُلاحظ في التعبير عن جائحة "كورونا" كاريكاتوريّاً، تجاوُز رسّامي الكاريكاتور اللبنانيين شكل الفيروس التاجي كما صوّرته المختبرات العلميّة، إلى تبعات هذا الفيروس على الصعد السياسيّة والاجتماعيّة. فكيف يتناول فنّ الكاريكاتور في لبنان فيروس "كورونا"، الذي يعيد رسم حدود العالم الذي نعرفه، والتبادلات فيه، ويحصد ملايين الضحايا، ويستخفّ بسلطان الحكّام مهما عظم؟

في أعمال الرسّام أرمان حمصي (1965) في جريدة النهار اللبنانيّة، لـ"كوفيد_19" رسوم عدّة، نقل في أحدها خبر الموجة الثانية من الإصابات بالوباء في لبنان عن طريق استعارة سكّين الجيش السويسري، وتلطيخه ببقعة تشير إلى الدم في رسالة منبّهة المواطنين من الخطر المحدق! ووجّه حمصي التحيّة إلى الجسم الطبّي والتمريضي في رسم ثان عن طريق  كتابة "شكراً" بوساطة سمّاعة الطبيب، كما حبس الطائرات داخل بيوت تحاكي بيوت المزروعات البلاستيكيّة في رسم ثالث، مع تحميل طائرة منها لافتة تقول: "خلّينا بالبيت".

رسوم الفنّان حمصي بالأسود والأبيض تعكس أسلوبه الذي يصوّر الفكرة بواسطة التعابير الشكليّة، بعيداً عن استخدام الجمل الموضّحة للرسوم، انطلاقاً من إيمانه بأنّ القارئ "ذكي"، وهو لا يحتاج من الرسّام إلى الإمساك بيده، فالأهمّ حسبه أن يكون الرسم ذا صلة بالموضوع، وبعيداً عن التزييف.

جائحة سنة 2020 لم تُبدّل في أسلوب الرسّام "المخضرم" أو تدفع به إلى التركيز على الفيروس كمادة خبريّة حصريّة، دون غيره من الأخبار السياسيّة والاقتصاديّة كما فعلت وسائل الإعلام "التقليديّة" والجديدة؛ الوسائل التي غالت في تناول أخبار "كورونا". كما لم تجعله الجائحة يتخّلى عن رصانته في التعبير، فهو يؤمن أن التأقلم سمة البشر عموماً، فبعد بضعة أيّام على الإعلان عن انتشار المرض على الصعيد المحلّي، لم تعد وجوه العابرين في الشوارع، مغطّاة بالأقنعة الطبيّة، ولم يعد سماع الأخبار عن المصابين بالوباء يدعو إلى الاستغراب.

من جهةٍ ثانيةٍ، من شهد الحرب اللبنانيّة (1975- 1990) وسلّط الضوء عليها عبر الكاريكاتور، وعلى مآسي البلاد الكثيرة و"أوبئتها" الاقتصاديّة والسياسيّة لن يغيّر فيروس في طريقة تعاطيه مع الحدث بحسب حمصي في حديث إلى "الخندق"، ولو أنّ الفارق أن الحدث الصحّي عالميّ هذه المرّة، وليس محليّاً. والوباء لا يداهمنا وحيداً، بل في ظرف يشهد لبنان فيه أزمة اقتصاديّة ونقديّة مستفحلة، وبالتالي لا يمكن التركيز على الفيروس وإهمال الموضوع الاقتصادي.

رسّام الكاريكاتور هو صدى لهموم الناس بحسب حمصي، ومواطن يتأثّر بكلّ الأحداث، ويمتلك منبراً يهدف من خلاله إلى بثّ شرارة قد تدفع بالقارئ إلى الابتسام أو الحزن أو الانتباه إلى التفاصيل.

تجربة حمصي التي لم تغيّر "كورونا" فيها، تختلف عن محاولات الشاب محمد نهاد علم الدين (1996) الفنيّة، التي شكّلت الجائحة مناسبة له لتكثيف إنتاجه.

في مجموع الرسوم التي تتناول الجائحة على حسابات علم الدين على وسائل التواصل؛ ألبس الرسّام خريطة لبنان القناع الطبّي، في إشارة إلى دخول الوباء البلاد في أحدها، وتهكّم على عبارة "لا داعي للهلع" التي قالها وزير الصحّة اللبناني حمد حسن، في وقت كان سيل الأخبار لا يهدأ عن رحلات لا تزال تحطّ في مطار بيروت، آتية من بلدان موبوءة، في رسمٍ ثانٍ.

وعن خطّة وزارة الخارجيّة لإجلاء اللبنانيين العالقين في الخارج، رسمان متصلان لعلم الدين، أوّلهما يبيّن موكباً من الطائرات مُحلّقاً في السماء، مع طائرة ترفع لافتة "وسّع يا Boeing" للدلالة على موكب الزعيم الجوي. وثانيهما، وعلى النقيض من الأول، تستبدل طيراً بمجموع الطائرات، دوره نقل المغتربين! يقول الطير: "كيف حيساعوا عضهري؟!".

المباشرة، سمة أعمال الفنّان الشاب الملوّن كلّ منها بثلاث ألوان غالباً، ومنها الأخضر الفاقع للفيروس -الرسوم التي تُقارب ذيول الفيروس الاجتماعيّة بخاصّة- والمحمّلة بحمولة تهكّمية زائدة. فأثناء الجائحة، وقبلها، السخريّة سلاح بحسب علم الدين، يستخدمها في رسومه في وجه فئة من اللبنانيين تعرف "التشبيح" في مسلكها اليومي، ولمّا تزل تتبع هذا المسلك أثناء الأزمة راهناً، كما عندما تستخفّ بالفيروس، وتتفلّت من الحجر المنزلي وتعرّض نفسها وغيرها لخطر العدوى (بعيداً عن وضع العمّال المياومين الذين يقطع الحجر سبل معاشهم، بدون معالجات متزامنة من الحكومة)، حتّى عاودت الحالات في الظهور بعد أن كانت قد انحسرت! السخرية موقف في وجه المتنمّرين على ضحايا الفيروس من المصابين. السخريّة في مقابل طبقة سياسيّة معتلّة.             يقول علم الدين "للخندق": "الكاريكاتور قد يستهض المتابعين له، ويمكّن من الوصول إلى مستوى آخر يتجاوز حدود الرسم، إلى التفكّر أكثر في ظاهرة ما أو أزمة ما، بخاصّة على وسائل التواصل حيث سلطة الرقابة لا تزال معدومة". ويضيف أنّ "حالته النفسيّة لاعب رئيس في كيفيّة تظهير الرسم لأي موضوع"، مُعلقاً أهميّةً على الضحك الذي يولّده العمل كجزء من الانتصار على السائد.

كلام الشاب يُذكّر بالفيلسوف الفرنسي التسعيني إدغار موران، الذي يقول في معرض الإجابة عن سؤال لصحافيّة فرنسيّة، عن كيفيّة قضاء فترة الحجر المنزلي برفقة زوجته: "(...) نحن نُثمِّن النكت وأشكال التصوير الكاريكاتوري والرسائل الساخرة التي أثارها الحجر الصحي باعتبارها أجساماً مضادة أو مضادات للاكتئاب".

رسّامان وأسلوبان، وفيروس مسيره لما يزل مجهول النهاية!