يقف الفلسطينيون اليوم، كما هو حالهم دوماً، على مفترقٍ سياسي جديد في ظل خطة الحكومة الإسرائيلية بِضمّ أجزاء جديدة من الضفة الغربية. يشير الموقف من جهةٍ إلى عنجهيةِ هذه الحكومة، كما يدل، دون شكٍ، على تواطئٍ كامل من قِبل الإدارة الأمريكية. إلا أن قرار الضم يعكس أيضاً عجز السلطة الفلسطينية - وخلفَها منظمة التحرير - عن تقديم أية أدواتٍ جديدة يواجه بها الفلسطينيون هذه الخطة.

يلقي هذا المقال الضوء على إحدى الجبهات (الأدوات) التي خسرها الفلسطينيون: جبهة الاقتصاد.يقدّم المقال ثلاث أفكار مركزية، تقترح الفكرة الأولى فَهم العلاقة الاقتصادية التي تلت احتلال العام 1967 من منظور التبعية الاقتصادية. تفسّر الفكرة الثانية كيف حدَّت هذه العلاقة من دور الاقتصاد كأداةٍ للمقاومة أو استنزاف المستعمر. فيما تستعرض الفكرة الثالثة فَشَلَ السلطة الفلسطينية في إصلاح هذه العلاقة، وكيف ساهمت العملية السياسية في نشوء تبعيات جديدة.

التبعية الاقتصادية:

يخلط الكثيرون بين المفهوم الحَرْفي للتبعية وتعريف النظرية الاقتصادية. تنطبق الحالتان على الوضع الفلسطيني: فمن ناحية التعريف الحرفي، هناك اعتمادية فلسطينية مباشرة في الخدمات الأساسية كالكهرباء والماء والوقود، وهناك اعتمادية غير مباشرةحيث تلعب إسرائيل دوروسيطالتجارة مع باقي العالم ومَصْدرٍ للعملة الأساسية (الشيكل) وغيرها. أما النظرية الاقتصادية فتضيف بُعداً هيكلياً مهماً في فهم نتائج التبعية. تُعرّف النظرية الاقتصادية التبعية بالعلاقة بين اقتصادين، إحداهما اقتصاد قوي مستقر يدعى باقتصاد المركز، والآخر اقتصاد هش متذبذب يدعى اقتصاد المحيط. ينشأ بين الاقتصادين نوعان من التحركات المتعاكسة: من جهة تتحرك الموارد الطبيعية والبشرية من المحيط إلى المركز، ومن جهة أخرى تتحرك البضائع من المركز إلى المحيط. يَنتُج عن هذه التحركات انهيار القطاعات الإنتاجية (الزراعة والصناعة) في دول المحيط، وتضاؤل قدرتها الاستيعابية لخلق فرص العمل، وينحصر النشاط الاقتصادي فيها بتلك الخدمات أو المواد الأولية التي يطلبها اقتصاد المركز.

نشأت النظرية لتفسّر الحلقة المفرَغة التي علِقت فيها اقتصادات دول أمريكا اللاتينية ودول العالم الثالث، إلا أنه من السهولة إسقاط تلك النظرية على الحالة الفلسطينية. فلا زالت الموارد الطبيعية (أرض وماء ومعادن) والموارد البشرية (العمال) تتحرك باستمرار من الاقتصاد الفلسطيني إلى الإسرائيلي. بينما تتحرك البضائع بالاتجاه المعاكس، من السوق الإسرائيلية إلى الفلسطينية. أدرك الإسرائيليون الأهميةَ الاقتصادية لهذا النوع من التبعية منذ بداية الاحتلال، حيث يتطرق التقرير الأول لما سمي بعد ذلك بـ"الإدارة المدنية" بشكل لا لبس فيه إلى المنفعة الاقتصادية لاقتصاد المركز: "تشكل الأراضي سوقاً إضافية للبضائع والخدمات الإسرائيلية من جهة، ومن جهة أخرى مصدراً لعوامل الإنتاج خاصة العمالة غير الماهرة" (سعيد، 1995، ص215). وقبل ذلك تصريح السفير الإسرائيلي في الولايات المتحدة أن إسرائيل تحبّذ أن تكون علاقاتها التجارية مع الدول العربية والأراضي الفلسطينية"شبيهة بتلك التي تربط الولايات المتحدة مع دول أمريكا اللاتينية" (روبين، 1973، ص55).

تأثير علاقة التبعية على الاقتصاد الفلسطيني:

تُرجمت علاقة التبعية بتشوهات هيكلية في الاقتصاد الفلسطيني لحقت احتلال عام 1967. عملت هجرة معظم رؤوس الأموال إلى الخارج، بالإضافة إلى الأوامر العسكرية الإسرائيلية التي حدت من النشاط المصرفي والتجاري، إلى انهيار القطاعات الإنتاجية وارتفاع نسب البطالة. كما ارتفعت وتيرة مصادرة الأراضي وبالتالي فقد الفلسطينيون عامل الإنتاج الأهم ألا وهو الأرض. لم يتبق لدى الفلسطينيين سوى القبول بالعمل غير الماهر في السوق الإسرائيلية، خاصة في قطاعات الإنشاءات، حتى وصلت نسبة العمل الفلسطيني في إسرائيل قبيل الانتفاضة الأولى عام 1987 إلى 40% من قوة العمل الفلسطينية.[1] استفاد رأس المال الإسرائيلي من ظاهرة العمل الفلسطيني خاصة أن اليد العاملة الفلسطينية كانت أوفر بكثير من تلك الإسرائيلية.[2] إلا أن المنفعة لم تقف عند الأجر المتدني، حيث أن دخل العامل الفلسطيني كان يدور دورة كاملة ويعود للاقتصاد الإسرائيلي عن طريق شراء البضائع والخدمات الإسرائيلية، حتى باتت حوالي 80% من جميع واردت وصادرات الاقتصاد الفلسطيني من وإلى إسرائيل.[3]

مَنَعت الأوامر العسكرية الإسرائيلية ذات الأرقام (10) و (11) و(12) علاقات الاستيراد والتصدير للأراضي المحتلة. نتيجة لذلك، وكما هو الحال في كل علاقات التبعية، بدأت النشاطات الاقتصادية الفلسطينية تتمحور حول متطلبات الاقتصاد الإسرائيلي. احتاج سوق العمل الإسرائيلي عمالةً رخيصة في قطاع الانشاءات لاستيعاب الهجرات اليهودية المتتالية، فوفّرت قوة العمل الفلسطينية له ذلك. احتاج سوق البضائع الإسرائيلي منفذاً بعد المقاطعة العربية بُعيد عام 1967، فعمل بعض كبار التجّار على خلق علاقات اقتصادية مع إسرائيليين من أجل استيراد البضائع الإسرائيلية وبيعها في السوق الفلسطينية. احتاج الاقتصاد الإسرائيلي عُملة صعبة بعد تضاؤل مخزونها في الستينات فسمحوا لكبار التجار بتصدير بضائع محددة إلى الأردن (مقابل حافز مالي) على شرط أن يُدفع لهم بالعملة الأردنية توضع في حسابات البنوك الإسرائيلية.[4]

يتضح من أخر مثالين أعلاه بأن علاقة التبعية لم تكتف في خنق الاقتصاد الفلسطيني وتدمير بنيته الإنتاجية وتحويله إلى سوق للبضائع الإسرائيلي، بل عملت أيضاً على تغيير الهيكلية القطاعية للاقتصاد وتصاعد دراماتيكي لقطاعات لا تشكّل تهديدا للاقتصاد الإسرائيلي، مثل القطاع التجاري. بدأ هذا الصعود التدريجي منذ احتلال عام 1967، في حينها وعلى النقيض من الرأسمالية الزراعية والصناعية، وجد كبار التجار ورؤساء الغرف التجارية مصالح مشتركة مع الاحتلال، وتحولوا- بغض النظر عن النوايا - إلى مثال على طبقة "الكومبرادور" في نظرية التبعية، وهم أولئك من السكان الأصليين الذين تتساوق مصالحهم مع المستعمر. أكبر دليل على ذلك هو تهافت مجموعة من التجار على التقديم لتصاريح تسمح لهم باستيراد البضائع الإسرائيلية في "عِز" الانتفاضة، مما حدا بالقيادة الموحدة تحذيرهم تكراراً في أكثر من بيان. يذكر عادل سمارة، أحد أوائل من كتب عن علاقة التبعية مع إسرائيل، بأن طبقة التجّار الكبار كانت "أول طبقة اجتماعية ترتبط ارتباطاً عضوياً مع الاحتلال" (سمارة، 1989، ص10). كما يذكر عالم الاجتماع جميل هلال والمتخصص بالتشكيل الطبقي الفلسطيني بأنه "ليس من المفاجئ أن تظهر هذه المجموعة رغبتها بالتعاون مع سلطات الاحتلال أكثر من البرجوازية الصناعية أو الزراعية" (هلال، 1976، ص15).

ما بعد أوسلو: تبعيات جديدة

في نهاية الثمانينات كانت التشوهات الهيكلية التي تسببت بها علاقة التبعية في أوجها. على الرغم من ذلك، فقد نجح الفلسطينيون خلال الانتفاضة الأولى في استخدام العامل الاقتصادي كأداة للمقاومة. تتناول 35 من بيانات الانتفاضة الأولى جانباً من جوانب اقتصاد المقاومة والصمود، ابتداء من البيان رقم (3) الذي دعا "جماهير شعبنا من كافة الفئات والطبقات ... لنبدئ منذ اليوم بمقاطعة شراء السلع والمنتوجات الإسرائيلية والتي تنتج مثيلاتها مصانعنا ومشاريعنا الوطنية" والبيان رقم (5) الذي دعا العمال الفلسطينيين إلى "التزام الموقف الموحد والمقاطعة الصلبة للعمل في المشاريع والمصانع الإسرائيلية"، وعشرات البيانات التي شجعت على "إقامة التعاونيات" و"تشجيع الاقتصاد المنزلي" وامتناع البعض عن دفع الضرائب وغيرها من مظاهر العصيان المدني.[5]

فهم الإسرائيليون نقطة الضعف الاقتصادية التي واجهتهم إبان الانتفاضة الأولى وبدأوا بتصحيحها فوراً. تخطّت إسرائيل أي نوع من الاعتمادية على العامل الفلسطيني من خلال استقدام عمالة وافدة من الفلبين وتايلند ورومانيا وغيرها. من جهة أخرى، بينما كانت الأراضي الفلسطينية تعتبر ثاني أكبر شريك تجاري لإسرائيل بعد الولايات المتحدة في السبعينات، لم تعد بذات الوزن مع بروز الاتحاد الأوروبي والصين والهند.

فلسطينياً، لم تؤثر العملية السياسية على علاقة التبعية، ولم تستطع السلطة الفلسطينية حديثة النشأة أن تُصلح التشوّهات الهيكلية التي أحدثها الاحتلال. فمن جهة أصبح توفر فرص العمل في إسرائيل المتغير الأوضح في تحديد نسب البطالة الفلسطينية (انظر للشكل 1 أدناه)، ومن جهة أخرى عملت الاتفاقيات الاقتصادية على تكريس العلاقة التجارية غير المتوازنة، كما تواصل انهيار القطاعات الإنتاجية. بالإضافة إلى كل ذلك، لا يزال النشاط الاقتصادي الأبرز هو ذاك الذي يرتبط عضويّا بإسرائيل، فحسب تعداد المنشآت للعام 2017 فقد وصل عدد المنشآت الاقتصادية العاملة بالتجارة إلى 81,260 منشأة، ما يشكل أكثر من نصف (52%) مجموع المنشآت الاقتصادية الفلسطينية (الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 2019).

تلا توقيع اتفاقيات أوسلو نشوء تبعيات جديدة بعد أن أصبحت السلطة الفلسطينية مسؤولةً (فعلياً لا قانونياً) عن الحياة اليومية للفلسطينيين في الضفة وغزة. ترتب على ذلك فاتورة مالية باهظة الثمن، إلا أن إسرائيل لم تنقل مسؤولية الموارد الطبيعية أو السيطرة على الحدود للسلطة، كما أنها أجّلت مِراراً التحويلات المالية المترتبة عليها بفعل الاتفاقيات الاقتصادية. كبّل ذلك من القدرة المالية للسلطة، حتى باتت تعتمد كلياًعلى المجتمع الدولي ليس لتمويل الاحتياجات التنموية فحسب، بل لتمويل الإنفاق الجاري وأجور القطاع العام أيضا. تحولت هذه الحاجة المالية للسلطة إلى أداة ابتزاز من قبل الإسرائيليين من ناحية، ومن ناحية أخرى أضحت السياسات الاقتصادية، بشكل مباشر أو غير مباشر، حبيسة المنظمات المالية الدولية وكبار الممولين. 

أما التبعية الأخرى فتجلّت في تزايد نسب الإقراض الشخصي للبنوك. وضعت سلطة النقد الفلسطينية قيوداً صارمة على التسهيلات الائتمانية خلال السنوات العشر الأولى من اتفاقيات أوسلو ليبلغ مجموع التسهيلات مجرّد 1.3 مليار دولار عام 2008. إلا أن ذلك العام شهد صدور قوانين جديدة حتّمت على البنوك تشغيل حصة من أموالها داخل الاقتصاد الفلسطيني، فبدأت تسوّق للإقراض الشخصي حتى وصلت التسهيلات إلى 7,1 مليار دولار عام 2018 أي ارتفاع قدره 446%. لا يعتبر توفّر مصادر تمويل إشكالية بحد ذاته، خاصة إذا تمّ استثمار تلك الأموال في مشاريع إنتاجية تخلق فرص عمل وتوفّر قدرة شرائية تخدم المنتوج المحلي. إلا أن نظرة سريعة على بيانات التسهيلات توضح أن الجزء الأكبر يذهب لصالح قروض السيارات والبضائع الاستهلاكية، بينما يحصل قطاعي الزراعة والصناعة معاً على أقل من 10% من مجموع القروض.

لا يحمل هذا المقال حلاً سحرياً، ولا يفترض أصلاً وجود حلٍ اقتصادي لقضية سياسية. بل على العكس، لسوء حظ الذين آمنوا بالسلام الاقتصادي، فقد فشلت الخطط الاقتصادية للرباعية الدولية وجون كيري وجاريد كوشنر في تدجين الشعب الفلسطيني. يثبت كل يوم يمضي، علمياً وعملانياً، بأن المقاومة في كل الأصعدة الميدانية منها والاقتصادية والثقافية وغيرها، هي السبيل الوحيد للتحرر. لذلك من الأَولى بنا كفلسطينيين التفكير في كيفية استغلال تلك المجالات ومن ضمنها المجال الاقتصادي من أجل استرجاع كرامتنا أمام المستعمر، بدل أن نكون رهينة لعلاقات اقتصادية تهدف إلى كسر أي إحساس جَمعي تحرري.


[1] تعكس هذه النسبة العدد الرسمي الذي سجل في مكاتب العمل الإسرائيلية، إلا أنه من المتوقع أن تكون الأعداد الحقيقة أعلى بكثير، خاصة أن العمل غير المنظم كان منتشرا بشكل واسع.  

[2] على الرغم من أن متوسط الأجر للفلسطيني العامل في الاقتصاد الإسرائيلي كان أعلى من متوسط الأجر المحلي في الضفة وغزة.

[3] من الجدير ذكره أيضا أن أصحاب العمل اليهود وجدوا في العمل الفلسطيني الرخيص وغير المنظم تهديداً لابتزاز العمال الإسرائيليين وبقاء متوسط الأجر في مدى يسمح لهم بتعظيم الربح.

[4] منعت أوائل القرارات العسكرية الإسرائيلية خاصة أرقام (7) و (18) و(26) و(30) عمل أية مصارف فلسطينية أوعربية في الأراضي الفلسطينية.

[5] تشكل البيانات التي تذكر سبل اقتصاد المقاومة أكثر من ثلث مجموع البيانات التي أصدرتها القيادة الموحدة للانتفاضة وعددها 97 بياناً.