إنّ الوضع الاقتصادي الصعب الذي يعيشه لبنان اليوم أساسه تدهور المالية العامة (دين عام يناهز 90 مليار دولار وعجز خزينة مزمن) وتراجع سعر صرف الليرة من 1500 ل ل إلى 3500 – 4000 ل ل. وجرّ ذلك إلى تدهور الحالة المعيشية لأغلبية المواطنين لأنّ النسبة العظمى من السلع الغذائية والاستهلاكية تأتي عن طريق الاستيراد.

من المسؤول؟

تتوزّع مسؤولية هذه الحال بين حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ووزراء المالية في الحكومات المتعاقبة منذ 1992 (باستثناء حكومة سليم الحص 1999-2000). فوزير المالية مسؤول عن السياسة المالية (الضرائب والنفقات) وحاكم مصرف لبنان مسؤول عن السياسة النقدية (استقرار العملة الوطنية وإصدار النقد والسوق المالية وسعر الفائدة). ونسبة تاثير السياسة المالية على الاقتصاد هي أكبر بكثير من السياسة النقدية، بحيث تكون مسؤولية رياض سلامة 20 بالمئة ومسؤولية الحكومة ومن وراءَها من حيتان مال وزعماء ميليشيا 80 بالمئة. ولذلك عندما يُقال: هل رياض سلامة وحده المسؤول؟ يكون الجواب طبعاً لا، بل هو شريك في المسؤولية ويجب ملاحقته قضائياً كغيره.            

أمّا كيف وصل لبنان إلى هذا الدرك خلال أشهر قصيرة، فقد عاش لبنان سنوات من البحبوحة الكاذبة حتى فقعت في تشرين الأول الفائت لأنّ لبنان كان ضحية انهيار نظام بونزي (أو تهافت الهرم المالي). ومخترع هذا النظام هو محتال إيطالي يدعى كارلو بونزي هاجر إلى أميركا عام 1903 ثم انتقل إلى مونتريال في كندا حيث عمل في فرع لبنك إيطالي. وهناك شرح للزبائن أنّ البنك الذي يعمل به يدفع لهم 6 بالمئة على ودائعهم، في حين أنّه يستطيع شخصياً أن يؤمّن لهم نسبة فائدة/ربحية هي 50 بالمئة خلال 45 يوماً. فصدّقه الزبائن ومعظمهم من أبناء الجالية الإيطالية في كندا. ومع الوقت كثر عدد الذين وقعوا ضحية احتياله. فهو بعد 45 يوماً كان يسدّد المال للزبائن السابقين مع نسبة الربح الموعودة، ولكن بمال يأتيه من الزبائن الجدد، على طريقة "أسرُق من بولس لتدفَع لبطرس"، محتفظاً لنفسه بملايين الدولارات، أخذ ينفقها على نفسه وعلى عائلته وأصدقائه.
استمرار هذا الهرم لم يكن مضموناً إذ وصل كارلو بونزي إلى وقت فاقت معه نسبة الأموال التي عليه تسديدها، تلك التي كان يقبضها من الزبائن. ثم انتقل بونزي إلى أميركا عام 19011 وافتتح شركة تمارس نفس الاحتيال، إلى أن انكشف أيضاً بعدما كان زبائنه قد ائتمنوه على 20 مليون دولار، وتعرّضت 5 مصارف أميركية للإفلاس. وحُكم بونزي بالسجن ثم طردوه إلى إيطاليا عام 1934.

في لبنان وبعيداً عن ادعاءات عبقرية رياض سلامة، عرّت انتفاضة 17 تشرين الأول النظام المالي اللبناني الذي انفجر كبالون بونزي كبير، حيث تكاثر أحفاد بونزي في لبنان ووصلوا إلى منصب حاكم مصرف لبنان ورئاسة الحكومة منذ 1992 وليكونوا اصحاب مصارف تجارية تعدّ بالعشرات. فهم بنوا هرماً ائتمانياً ضخماً جذب المال الأجنبي واللبناني بنسبة فوائد أعلى من كل دول العالم، ذهبت حصة الأسد منها إلى الحكومة اللبنانية. وطالما أنّ المدفوعات هي أقل بكثير من الأموال المقبوضة، كان كل شيء بخير فتكاثرت نياشين وجوائز حاكم المصرف وحق لرئيس الحكومة أن يدّعي أنّ البلد ماشي.

إلى جانب فساد الحكومة، كان أسلوب رياض سلامة في العمل سطحياً لا علاقة له بحرفية حكّام المصارف في الدول الغربية. كما أنّ أصحاب المصارف غابت عنهم مهام المصرف التجاري الذي عليه أن يدعم نمو اقتصاد حقيقي ويشجّع الاستثمارات في القطاعات الانتاجية كالزراعة والصناعة. فانصرف أصحاب المصارف بكثير من الغباء إلى تحقيق الربح السريع لإثراء نفسهم من الفوائد المرتفعة على سندات خزينة الدولة اللبنانية وبتوسّع الفروع في لبنان والدول العربية والأوروبية بدون تخطيط أو دراسة جدوى. وانتهى أصحاب هذا القطاع في مطلع 2020 إلى أنّهم لم يعرفوا أهمية الصناعة والزراعة في بلد يعجز عن إطعام نفسه ويشتري كل شيء تقريباً من الخارج.

في 2001 و2003 حاولت حكومة رفيق الحريرية الاستدانة من الخارج عبر مؤتمري باريس 1 وباريس 2 ففشلت وبدأ وضع المالية العامة في الدولة يتقهقر، وسط استمرار محميات الفساد والهدر والسرقة القائمة منذ العام 1992. وكانت الإدارة الأميركية برئاسة جورج بوش الإبن قد أوعزت للصندوق الدولي وحلفائها عدم تلبية طلبات لبنان لأنّ سورية لا تلبي أوامر أميركا حول ضرورة لجم المقاومة في فلسطين ولبنان وقطع العلاقات مع إيران وتقليص العلاقات مع العراق وخاصة استيراد النفط الرخيص في زمن العقوبات الأميركية على بغداد. وإذ تمنّعت المؤسسات الدولية عن إقراض الحكومة اللبنانية، زاد اعتماد الأخيرة على المصارف المحلية المحصّنة بودائع تتجاوز احتياجات اقتصاد لبنان إلى درجة خيالية، ما أخّر الانهيار المالي بضعة سنوات.  

تعثّر المصارف

عندما اندلعت انتفاضة 17 تشرين الأول 2019، انكشف الوضع الهش للنظام المصرفي اللبناني الذي كان قد وفّر قروضاً للعموم بلغت 40 مليار دولار واشترى أوراق دين الدولة اللبنانية بلغت 70 بالمئة من مجموع الدين، منها 30 مليار دولار في شهادات إيداع مصرف لبنان و34 مليار دولار في سندات الخزينة.

إنّ السياسة النقدية في لبنان لا تعدو فليماً مضحكاً من أفلام عادل إمام عن عملية احتيال محكوم عليها سلفا بالانهيار في دولة هرمية مالية، لأنّه متى يصبح تدفق رأس المال الجديد أقل من مبلغ الفائدة التي يتعيّن دفعها، يدمّر الهرم نفسه بنفسه. أمّا المصارف فكان دورها لا يعدو حلقة من مسلسل غوار الذي حمل دفتر شيكات ينفق كما يحلو له وعندما يُواجَه أنّ شيكه بدون رصيد يكتب لهم شيكاً جديداً. لقد بدأت في خريف 2019 السحوبات بالدولار فتراكمت مليارات منها في المنازل داخل لبنان، ثم خرج أو تم تهريب بضعة مليارات من الدولارات إلى الخارج. وبتراجع ثقة المودعين والعموم وتراجع الدفق الخارجي، كان طبيعياً أن تقفل المصارف أبوابها عشية الانتفاضة وهذا في علم الاقتصاد هو التعثّر بعينه ومخالفة صريحة لقانون النقد والتسليف حيث يلتزم البنك التجاري بدفع الوديعة غب الطلب أو خلال فترة زمنية يتفق عليها مع الزبون وليس اللجوء إلى كابيتال كونترول وهير كات.

ومنذ تعثّر المصارف في تشرين الأول 2019 أخذ الدولار يرتفع في سوق بيروت خلال أسابيع قليلة إلى 2500 ليرة في منتصف شباط 2020. ومع القرار الذي اتخذته حكومة حسان دياب في 8 آذار 2020 بعدم تسديد مستحقات يوروبوند، توقّف الدفق الخارجي للدولار fresh money بشكل شبه نهائي باستثناءات قليلة فواصل الدولار ارتفاعه إلى 4000 ليرة في منتصف نيسان. فنظام بونزي اللبناني الذي لم يحتج لذكاء كان يحيا على التدفقات الحارجية ليستمر الفساد وتستمر السرقة والأرباح الهائلة ونهب الشعب. وإذ توقف الدفق وضغط المودعون على المصارف انهارت العملة.

تصحيح سعر الصرف ومستوى المعيشة

إنّ ما حصل هو تصحيح قيمة العملة تجاه الدولار إلى مستواها الحقيقي وليس انهياراً نقدياً. ونتجية التصحيح حصل انخفاض كارثي في مستويات المعيشة، بعدما تبيّن أنّ لبنان لن يعود أبداً إلى زمن التدفقات الخارجية والفوائد العالية والودائع الخيالية. ولسوء حظ حكومة دياب، أتت هذه الكارثة على خلفية أزمة مالية اقتصادية عالمية منذ 2008 وخاصة منذ تفشي وباء كورونا في كانون الأول 2019. إذ مهما حاولت البنوك المركزية تأخير انهيار الاقتصاد العالمي من خلال تخفيض سعر الفائدة إلى الصفر فهي تقف مكتوفة الأيدي أمام تراجع الانتاج وتعطّل التجارة.

لا شك أنّ فاتورة الاستيراد عبر السنوات كانت مرَضاً حيث توهم الشعب اللبناني أنّ ثمّة مستوى معيشة جيد في حين أنّ سبب جودة مستوى المعيشة كان تثبيت سعر صرف لليرة منذ 1997 (على 1500 ل ل للدولار) وهو أعلى بضعفين من قيمتها الحقيقية. فعلى أساس فاتورة استيراد 20 مليار دولار، تكون كلفة الاستيراد الحقيقية 64 ألف مليار ليرة على سعر 3200 ل ل، وليس 30 ألف مليار ليرة. وهذا يعني أنّ اللبنانيين قد أنفقوا في السنوات العشرين الماضية ضعف ما سمحت به إمكانياتهم لأنّ إمساك مصرف لبنان بالليرة تجاه الدولار أدّى إلى المبالغة بقيمتها الشرائية وخاصة للسلع المستوردة والخدمات المستوردة (مثل سياحة اللبنانيين في اليونان وبلغاريا ومصر، واستخدام اليد العاملة الخارجية بقيمة 500 مليون دولار سنوياً (معظمها لا ضرورة له مثل خدم المنازل).
إنّ فاتورة الاستيراد اللبنانية الضخمة والتي بلغت سنوياً 20 مليار دولار أميركي، قد أصبحت من الماضي لسببين الأول الأزمة الاقتصادية العميقة التي يعيشها لبنان منذ سنوات والتي انفجرت في 17 تشرين الأول 2019، والثاني، إنهيار الليرة اللبنانية من 1500 إلى أكثر من 3200 ليرة مقابل الدولار حتى أصبح من المستحيل تصوّر أنّ باستطاعة لبنان تمويل أي استيراد يفوق 5 مليارات أو 10 مليارات في السنة.

أي أن ما كان يفعله لبنان لم يعد يجلب الربح. بل إن الودائع في جميع أنحاء العالم، لم تعد تجلب الفائدة. والقطاع المصرفي اللبناني، حتى بدون الديون، سيكون محكوماً عليه بالانكماش إلى قطاع صغير يخدمة اقتصاد لبنان المنكمش إلى النصف (25 مليار دولار) في أحسن الأحوال. ولن يكون مستغرباً إفلاس عدد كبير من المصارف اللبنانية.

إنّ ازمة القطاع المصرفي ووقف تدفق العملة الأجنبية سيمنعان لبنان من  تسديد فاتورة الاستيراد. في عام 2019 بلغت صادرات لبنان 3.7 مليار دولار، مقابل استيراد بقيمة 19.2 مليار دولار، ما يعني عجز تجاري بقيمة 15.5 مليار دولار. الآن لن يتمكن لبنان من دفع ثمن هذا الاستيراد الضخم، وسيكون هناك نقص هائل في السلع في لبنان. ويطال الانخفاض في الاستيراد ما قيمته 8.35 مليار دولار: النفط والبنزين والزيوت (4 مليارات دولار) والسيارات والشاحنات (1.6 مليار دولار) والأدوية والمعدات الطبية (1.33 مليار دولار) والأجهزة الكهربائية والإلكترونيات (1.09 مليار دولار) والحبوب (0.33 مليار دولار) حيث ينتج لبنان 20 بالمئة من حاجته. كما يجب وفق استيراد ما قيمته 7.15 مليارات دولار، لكي يزول العجز التجاري بأكمله. ولكن لنفترض أنّ لبنان يستطيع تمويل استيراد ما قيمته 9.3 مليار دولار سنوياً، فهذا يعني تخفيض مستوى المعيشة إلى النصف، وهو هبوط هائل في الاستهلاك. وحتى طاقة الكهرباء التي كانت مقنناة منذ نهاية الحرب حتى اليوم، ستصبخ ترفاً في غياب حلول جذرية بعيدة عن المحاصصة وتجاذب لصوص السياسة وبأسرع وقت.     

حكومة دياب أمام مفترق طرق خطير حيث بلغ الدين العام 90 ملياراً وعجز الخزينة السنوي 6 إلى 7 مليار دولار.  فهي إمّا تلتزم بمسؤولياتها تجاه الشعب اللبناني وتفير شروط الصحة العامة والتربية والتعليم والغذاء الأساسيي، وبين إنقاذ القطاع المصرفي وسط عجز عن استعادة الأموال المنهوبة واستمرار سيطرة حيتان المال وزعماء الميليشيات الفاسدين على مقدرات البلاد بدون محاكمة.
ويبقى بصيص أمل أنّ هبوط العملة وتراجع فاتورة الاستيراد، يعنيان تنشيط الصناعة الوطنية ودخول البضائع المحلية إلى السوق وتراجع الطلب على الدولار، وكذلك استعادة القطاع الزراعي لنشاطه المفقود، وأن يصبح لبنان مقصداً للسياحة الرخيصة نسبياً بسبب عملته المنخفضة بدلاً من أن يسترخص اللبنانيون منتجعات خارجية لأنّهم ظنّوا أنّ عملتهم قوية.