لم يكن انهيار العملة اللبنانية مفاجئًا للمتابعين بل أكثر من متوقع. فالليرة مثبّتة بتكلفة شديدة الارتفاع منذ تسعينيات القرن الماضي، أكان عبر تدخُّل مصرف لبنان مباشرة لشرائها، أو عبر السّبل الملتوية التي اتّبعها للحصول على الدولار. فماذا حصل؟ ولماذا انهارت اليوم؟
أتى تثبيت العملة مع وصول رجل الأعمال رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة بعد انتخابات 1992 وذلك بعد نحو عقد من الزمن ارتفع فيه سعر الدولار من بضع ليرات إلى أكثر من 2500 ليرة للدولار الواحد. أسقط هذا الارتفاع في طريقه رئيس الحكومة السابق والراحل عمر كرامي وأحلّ محلّه الراحل رشيد الصلح في انتظار وصول الحريري. كانت للتثبيت فوائده، فهو أدى إلى لجم التضخّم المفرط وسمح بالأمل في استعادة الرواتب والمداخيل المحدودة بعض قيمتها، وهي لم تعد إلى ما كانت عليه قبل الحرب الأهلية إلا في عام 2002.
في موازاة ذلك، كان الدين العام يتضخم بفوائد أحيانًا خيالية، كما باتت خدمته أول بند من بنود الموازنة. ولا تكمن الخطورة في ارتفاع الدين العام (وصل إلى 170% من الناتج المحلي الإجمالي اليوم)، فهو مرتفع في كثير من أقوى الاقتصادات العالمية، منها الاقتصاد الياباني. المشكلة هي في أمرين: أولهما أن الدُوَل عمومًا تستدين لسدّ الدين ولا تدفع فعليًا إلا الفوائد، وهذه الحلقة تُكسر متى فُقدت الثقة التي بدورها، متى انخفضت، رفعت معها أسعار الفائدة، وتكلفة خدمة الدين. أما الأمر الثاني، فيكمن في أن الاستدانة في لبنان لم تكن بهدف الاستثمار المجدي بل بهدف إعادة الإعمار مع ما رافق ذلك من هدر وسرقة وفساد على جميع المستويات. أي أن النموّ الاقتصادي لم يكن إلّا نتيجة لإعادة الإعمار لا نتيجة دينامية اقتصادية متوازنة. وأُهملَ الاستثمار في رأس المال البشري أو في القطاعات المنتجة وما زال يُهمَل.
رافق سياسة الاستدانة هذه عجز بنيوي في الميزان التجاري عوّضت عنه أموال المغتربين والاقتصاد غير المنظور (غير الشرعي) وأموال مؤتمرات باريس (1 و2 و3)، واستمر هذا التوازن النسبي حتى سنة 2011، أي حتى اندلاع الحرب السورية وإقفال رئة اقتصادية شديدة الأهمية للبنان. التوازن النسبي هذا سمح بتدفق عملات أجنبية إلى لبنان لتمويل عمليات الاستيراد والرفاهية الزائدة عن اللزوم التي عاشها الاقتصاد اللبناني.
إلا أنّ اندلاع الحرب الأهلية في سورية لم يكن السبب الوحيد في انهيار العملة اللبنانية بعد تسع سنوات، بل إن عوامل متعددة تضافرت وأدت إلى هذا الانهيار وصعّبت في الوقت نفسه على الطبقة السياسة الاستمرار في شراء وفاء أتباعها، فاندلعت الانتفاضة. من هذه العوامل، توقف السعودية عن الاستثمار في السياسة اللبنانية، ما يعني شحًا في الأموال التي كانت تدخل إلى بعض الأحزاب والتيارات السياسية اللبنانية. ترافق ذلك مع ضغوط اقتصادية شديدة على النظام الإيراني الذي خفف بدوره التزاماته تجاه من يموّلهم في لبنان.
الاقتصاد الإيراني لم يعانِ وحده، بل إن الاقتصادات الخليجية كانت قد بدأت تعاني منذ أزمة 2008/2009، ما انعكس تراجعًا في تحويلات المغتربين في هذه الدول إلى ذويهم في لبنان. وزاد طينَ صعوبات اللبنانيين في الخليج بلّة تبدُّلُ سياسات بعض دول الخليج التي بدأت تسعى إلى توظيف مواطنيها بدلًا من توظيف الأجانب. من دون أن ننسى طبعًا الخضّات السياسية وموجات الصرف الكيدي التي تعرض لها بعض اللبنانيين في الأعوام الأخيرة لأسباب سياسية/طائفية لا دخل لهم بها في معظم الأحيان.
وكأن ذلك لم يكن كافيًا، إذ أتت أزمة اليورو التي هي، في ناحية ما، من ارتدادات الأزمة المالية العالمية. فتعثّر النمو الاقتصادي في عدد من بلدان الاتحاد الأوروبي واستمرت نسبة البطالة بالارتفاع، ما حرم كثيرًا من اللبنانيين المغتربين في هذه البلدان من قدرتهم على تمويل ذويهم (أو مشاريعهم) في لبنان.
نحن إذن أمام اقتصاد قطاعاته الإنتاجية تعمل بأقلّ بكثير من طاقتها الكامنة، وقطاعاه المصرفي والعقاري متضخمان بل منتفخان (نذكر جيدًا الارتفاع الجنوني في أسعار العقارات بعد حرب تموز لإغراء المستثمرين واستجلاب العملة الخضراء)، اقتصاده مرتبط بالدولار الأميركي إلى حد العبودية، عملته مثبّتة اصطناعيًا إلى حد اعتبار انهيارها اليوم تصحيحًا لسعرها لا انهيارًا لقيمتها الفعلية... يضاف إلى ذلك أن اللبنانيين اعتادوا الرفاهية المفرطة، بمعنى أن قيمة عملتهم المعوّمة، لم تكن متناسبة، في السنوات العشر الأخيرة، مع واقع اقتصادهم المنهار. لهذا السبب كانت الأسعار في لبنان أغلى من محيطه، ولهذا السبب كان اللبنانيون يستسهلون السياحة سفرًا، ولهذا السبب ازداد الاستيراد وخفّ التصدير، ولهذا السبب كثر توظيف عمّال أجانب ساهموا (وساهمن) في استنزاف احتياطي الدولار الأميركي. ولولا البهلوانيات المالية المعروفة بالهندسات، التي أغرت المصارف بفوائد أكثر من خيالية لاستنزاف ما تخزنه هذه المصارف من العملة الخضراء، لما صمد الاقتصاد اللبناني ولما تجنبنا التضخم المفرط طيلة هذه السنوات. لكن بأي ثمن؟ بثمن ندفعه اليوم مع انهيار هرم بونزي الذي اختبأ وراءه صنّاع قرار السياسات الاقتصادية في لبنان.
ما يحصل في لبنان كارثي، صحيح، والرواتب فقدت ثلثَي قيمتها، هذا صحيح أيضًا، وهي لن تسترد قيمتها قبل عام 2040 بحسب ما قرأت، لربّما كان هذا صحيحًا أيضًا. لكننا نجني ما زرعت أيدينا، وكان هذا الانهيار منتظرًا لكل من تابع التطورات الاقتصادية. والواقع أن هذا الانهيار ما كان ليحصل لو حُرّرت قيمة الليرة تدريجيًا، ولكنا على الأرجح وصلنا إلى أربعة آلاف أو أكثر للدولار الواحد، لكن ذلك كان ليحصل ببطء، وكان ليسمح للبنانيين بالاحتياط ولصنّاع القرار بحماية الاقتصاد اللبناني أو بتحويله تدريجيًا ولما كان استنزاف العملات الأجنبية استمرّ ولا كان تدمير القطاعات الإنتاجية استمرّ. إن ما نراه اليوم من عودة عفوية (وجزئية) إلى مبادئ التعاضد الاجتماعي كان يجب أن يكون امتدادًا لما عشناه في الحرب الأهلية وبُعَيْدها. أما العودة، الجزئية أيضًا، إلى الزراعة، فيجب أن يُبنى عليها (من دون إهمال القطاعات الأخرى) اليوم كما يجب الاستفادة من صحوة الضمير لدى المواطنين اللبنانيين لإعادة زرع بذور التعاضد والاستهلاك المحلي وإعادة الاعتبار إلى المنتجين الصغار والحرفيين وإعادة تشجيع اللبنانيين على تخفيف الضغط عن المدن وإعادة الاستثمار في قراهم. ولا يمكن أن يحصل هذا الأمر إن لم يكن جزءًا من خطة اقتصادية شاملة تحرّر العملة الوطنية من عبوديتها للدولار وتحرر معها الاقتصاد اللبناني.