العوارض

في 15 آذار/مارس 2020، غرّد دونالد ترامب عبر صفحته على مواقع التواصل الإجتماعي تغريدة قال فيها "الفيروس الصيني". بعد أن تم تداول هذه العبارة بأبشع أشكالها لفترة على مواقع التواصل، لفتت إنتباه الرئيس الأميركي، فكان اللافت إدراج ترامب هذه العبارة إلى قاموس مصطلحاته المستعملة. وسرعان ما انتقل الخوف الصيني من كونه مجرّد شائعات مضلّلة ومخيفة حتى وصل عتبة السياسة الوطنية. إن واقع كراهية الأجانب المرتبطة بفيروس كورونا (كوفيد-19) تهدّد بالإنزلاق إلى صراع عالمي غير مسبوق. وقد حاول الدكتور أنتوني فاوتشي رئيس قسم الأمراض المعدية في المعاهد الوطنية للصحة بذل قصارى جهده لكبح لغة ترامب القائمة على كراهية الأجانب ونظريات المؤامرة المرتبطة بمنشأ الكوفيد-19 في مختبرات يديرها الحزب الشيوعي الصيني. حتى الدكتور فاوتشي، المعروف بشخصيّته المعتدلة نسبيّاً، يطالب بإغلاق الأسواق الصينية الرطبة المتعارف عليها عند الصينيين بـ"أسواق الشوارع" (传统市场). إنّ السوق الرطبة ما هو الا ما معناه " سوق" (街市)’، يشير إلى الأسواق التي تباع فيها اللحوم الطازجة والأسماك والمنتجات، حيث يشير مصطلح "الرطبة" إلى استخدام مياه الخراطيم وتذويب الجليد كآليات للتبريد في هذه الأسواق. وهنا نرى أنّ أكثر الشخصيات اعتدالاً والمرتبطة بإدارة ترامب أصبحت تطالب أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان بإغلاق أهمّ وسائلها المعتمدة لتوزيع الغذاء وبالتالي إيقاف الشبكات المالية والإجتماعية والمجتمعية التي لا حصر لها. وفي الوقت نفسه، وبصرف النظر عن مصدر نشأة فيروس سارس وكوفيد 19، فقد لعبت أسواق المأكولات البحرية بالجملة في ووهان دوراً لا يمكن إنكاره باعتبارها ناقلة مبكّرة للوباء المحتمل. كما أفادت الصحافة الصينية الرسمية بالعلاقة بين الوباء وهذه الأسواق بسرعة، أي في وقت لا يتجاوز الأسبوع الواحد بعد تأكيد الحالات الأولى.

وفي الشمال العالمي( Global North)، وخاصة في الولايات المتحدة الأميركية، كشفت المناقشات الكارهة للأجانب حول تجارة الماشية غير المشروعة تناقضاً أعمق بكثيرـ وهو التناقض الذي من شأنه أن يؤثّر على اقتصاد السوق بشكل أعمق بكثير. فالبقاء على قيد الحياة يتمثّل في عدم الإصابة بالفيروس والمرض، أمّا العمل للبقاء على قيد الحياة فيتمثّل بقطع العلاقات الإجتماعية التي نعيشها جميعًا، سواءً كانوا عمّالاً متجولين أو مستثمرين أثرياء، من أجل أن نعيش يومًا آخر. وبالتالي، أصبح هذا التناقض ظاهرًا في الولايات المتحدة بشكل بشع، حيث أصبحت الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات تقارن تكاليف فتح الاقتصاد بقيمة الحياة البشرية. وفي حين تعلو صرخات عشرات الملايين من العاطلين عن العمل، تتصدّر شعارات مثل  #DieForthedow (موتوا لأجل مؤشرات داو في البورصة) موقع تويتر.

وليس من الواضح من هم العمال المحظوظون في هذه الحالة. هل هم أولئك الذين لا قيمة لحياتهم وبالتالي يمكن الاستغناء عنهم؟ أم هم أولئك الذين لا قيمة لحياتهم لدرجة أنه من المتوقع أن يواصلوا العمل حتى في خضم وباء؟ لم يكن هذا التناقض أبداً لغزاً كبيراً في الجنوب العالمي (Global South)، حيث يعمل مئات الملايين من العمال لساعات طويلة بموجب أنظمة غير متماسكة، ومعايير سلامة سيّئة، ونظافة صحيّة ضعيفة، وشروط أخرى كثيرة تهدّد سلامتهم. إن معظم هؤلاء العمّال هم من الجنسية الصينية، وبنظرهم، فإن وباء الكورونا ليس أكثر من عارض لمرض أعمق بكثير.

التشخيص

يُظهر كتاب "الفيروس الليبرالي" الصادر عام 2003 لكاتبه المفكّر الراحل سمير أمين حالة نادرة من استخدام لغة غير أكاديمية في نقد الإقتصاد السياسي، فقد استعمل أسلوباً لاذعاً في تقديمه أطروحة تظهر كيف أن التحوّل الليبرالي الجديد في الرأسمالية الذي يتمحور حول الولايات المتحدة يشكل علّة رئيسية في عصرنا. ومع الإقرار بجذور الليبرالية الجديدة في التقاليد الليبرالية الأوروبية، يزعم أمين أن التقاليد الليبرالية في الولايات المتحدة وأوروبا انقسمت بالتزامن مع اقتراب أوروبا من نوع من المساواة الليبرالية، في حين أنّ الولايات المتحدة أصبحت ليبراليّتها رهينة رأس المال بشكل شديد الوقاحة والوحشية. وقد يكون أمين متفائّلًا بشأن الليبرالية الأوروبّيّة، المشروع الذي  يبدو أنه محكوم أيضًا بالفشل الذريع. ومع ذلك، فإنه يرسم بدقة خطّاً زمنيًا بدءًا من المهام الإستعمارية والحضارية للّيبرالية الأوروبية المبكرة إلى الليبرالية الجديدة العسكرية في القرن الحادي والعشرين. وفي نهاية المطاف، لم يكن المشروعان أكثر من تبريرات سياسية لتعاظم سيطرة قوة السلاح على اقتصاد السوق.

كانت أولى السفن التي تستورد الأفيون من شمال شرق الهند البريطاني تبيع بضاعتها على طول ضفاف نهر يانجزي. وكانت ووهان إحدى الموانئ الموجودة على طول هذا النهر، وقد كان ميناءً صاخبًا، عُرف على مدى قرون من الزمن بكونه "الطريق الحرّ لتسعة مقاطعات". وحتى في أشدّ حالات فقر إمبراطورية الصين وتخلّفها الاقتصادي، كانت ووهان بمثابة نقطة تبادل رئيسي ربطت بين كافة أنحاء الإمبراطورية الضخمة. ومع تقدم القرون، كانت ووهان مركزَا لإنتاج الفولاذ، وهو مركز الإنتفاضة التي أسقطت إمبراطورية الصين. كما كانت سابقًا عاصمة لجمهورية الصين، وموقعًا شهد بعضًا من أشرس معارك الحرب الصينية-اليابانية ومعارك الحرب الأهلية الصينية. ولقد ساهم إنشاء جمهورية الصين الشعبية في إعادة بناء البنية التحتية التي دمرتها أربعة عقود من الحرب الأهلية والدولية. وبعد مرور سبعة عقود ساعد ذلك المسار الذي وضع في الخمسينيات ووهان مرة أخرى على الدخول إلى صفحات التاريخ كمحطة لمراقبة وزن السلع القادمة من جميع أنحاء العالم، وهي خطوة حيويّة في بناء السوق العالمية للقرن الحادي والعشرين التي انطلقت من بكين، مروراً ببروكسل ووصولًا إلى بيلو هوريزونتي. في عام 2018، تجاوز الناتج المحلي الإجمالي لمدينة ووهان 22 مليار دولار أمريكي؛ حيث بلغت قيمة وارداتها وصادراتها 34 مليار دولار أميركي.

ولكن ما علاقة كل هذا بفيروس أمين الليبرالي الجديد؟

أصبحت كل من الصين ووهان على ما هي عليه الآن نتيجة التوجه الليبرالي الجديد في عالم ما بعد عام 1970. فبحلول عام 1970، اصطدمت المرحلة الأولى من جمهورية الصين بقيادة الحزب الشيوعي الصيني بطريق سياسي داخلي مسدود، حيث لم تترك تداعيات الثورة الثقافية لـماو تسي تونج والفصيل الحاكم في الحزب الشيوعي الصيني إلّا قِلة قليلة من الحلفاء السياسيين المحليين، كما أدّت الاختلافات في النهج بين الحزبين السوفييتي والصيني إلى عزل الصين إلى حدٍّ كبير عن كلّ من المعسكرين الرأسمالي والإشتراكي، باستثناء ألبانيا. على الصعيد الداخلي، وضع هذا الواقع القيادة المركزية في وضع يسمح لها بأن تعيد تأهيل الجناح الإصلاحي للحزب - بل وحتى الليبرالي في بعض الحالات - وقد كانت شخصية دينغ شياوبنغ أفضل تجسيد لهذا النهج. ومع إعادة ملء المقعد السياسي، سرعان ما قرّر الفريق الجديد العمل على فتح الأبواب أمام التجارة الدولية، وتخفيف بعض جوانب الاقتصاد المخطّط له، وعقد اجتماعات مع شخصيات مشكوك في أمرها مثل ريتشارد نيكسون، وهنري كيسنجر، وشاه إيران، عدا عن شخصيات أخرى.

وقد ذكر تشي جيفارا (وزير المالية الكوبي) في مقابلة مع البرنامج التلفزيوني الأميريكي "Face The Nation" أن دولًا مثل كوبا سوف تكون سعيدةً بالتعاون مع الولايات المتحدة، ولكن إذا سمحت الولايات المتحدة بذلك. ويقول تشي إنّ كوبا لن تكون سعيدة بالتجارة فحسب، بل إنها لن تفرض شروطاً سياسية مسبقة مثل وضع حد للإعدام القائم على العرق، أو العنصرية، أو أشكال التفاوت الطبقي العنيفة السائدة في الولايات المتحدة. كان المرء ليتمنى أن يصغي الحزب الصيني إلى نصيحة تشي في سبعينيات القرن العشرين. والواقع أن الشروط السياسية المسبقة التي فرضتها الولايات المتحدة كانت تعني ضمناً وإلى حد ما أن الصين لا بد أن توقف كل حركاتها نحو إقامة سياسة إشتراكية. خلال هذه الأعوام، دعم الحزب الصيني الخمير الحمر المتحالفين مع الولايات المتحدة في كمبوديا، كما غزا دولة أخرى تقع تحت مسمّى الاشتراكية، وهي فيتنام المجاورة، بعد أربعة أعوام فقط من خروج فيتنام من حرب أهلية مدمرة دامت عقدين من الزمان. والأهم من ذلك أوقف الحزب الصيني دعمه للفصائل الماوية في مختلف أنحاء العالم، خاصة في الدول الرجعية مثل تايلند وماليزيا. ولكن هذا لم يكن كافياً لينال رضا المعسكر الأميركي. وكما يخبرنا الاقتصاد الكلاسيكي الجديد (neoclassical economics)، هناك مكاسب متبادلة من التجارة، ولم تكن الولايات المتحدة لتسمح للصين بالإستفادة من الإنفتاح على التّجارة وحدها. فقد أرغمت الإتفاقيات التجارية مع الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربيّة المنحازة إليها الحزبَ على فتح مناطق اقتصادية خاصة لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية، وهي مناطق الإستثمار التي خفّضت الأجور فيها، وتجاهلت الأنظمة الصحية وقواعد السلامة، وكانت ظروف العمل فيها في كثير من الأحيان سيئة جدَّا. وقد يكون أهمّ ما في الأمر أنّ "وعاء الأرز الحديدي" للحزب الشيوعي الصيني (وهو نظام ضمان اجتماعي يضمن الفرد من المهد إلى اللحد) قد انهار كليًّا تحت أقدام شعارات كمرونة العمل والحوافز، بعد أن كان هذا النظام يقدّم على أنّه من الأكثر عدالةً على مستوى العالم من حيث نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي. وبالتالي، استطاع المستثمرون في الولايات المتحدة والغرب جلب استثماراتهم الرأسمالية إلى الصين، بينما كانوا يجنون أيضاً أرباحاً هائلة من خلال استغلال العمالة التي كانت رخيصة إلى حدّ مذهل مقارنة بالعاملين في الولايات المتحدة وأوروبا. ولكن على الرغم من هذه الأجور المنخفضة، فإن العمّال الصينيين كانوا أكثر صحة وأفضل تعليماً من العمال في اي دولة اخرى على سبيل المقارنة  بدول ذات نفس معدل الفرد من النّاتج المحلي، وكان هذا نتيجة مباشرة لتوجيه الموارد البشرية ورؤوس الأموال إلى نظام "وعاء الأرز الحديدي" وغير ذلك من البرامج الإجتماعية التي ازدهرت خلال السنوات الأولى لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني.

وبصرف النظر عن ذلك، فإن الإصلاحات التي خضع لها الحزب الشيوعي الصيني في أواخر السبعينات قد عزّزت الظروف التي من شأنها أن تؤدّي إلى تفشّي الأمراض، ليس كوفيد- 19 وحسب، بل وأيضاً إلى تفشي أمراض سابقة مثل السارس ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية (الميرس). إنّ تجاهل القواعد التنظيمية للصحّة والسلامة خاصة في الزراعة، وضعف الأفراد، ووسع النّطاق الذي يغطّيه الإقتصاد الصيني كلها عوامل أدّت مجتمعةً ومضاعفة إلى تهيئة الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي يصبح بموجبها تفشّي الأوبئة حتميّةً علميّة. يبرز هذا الواقع التناقض الأساسي بين مفهومي البقاء على قيد الحياة والعمل من أجل ذلك. هذا التناقض يبدو أنّه السبب الأساس الذي جعل الصين - لا بل كلّ بلاد العالم النامي تقريبًا - تضع إجراء إصلاحات إقتصادية على رأس لائحة أولوياتها. فهل يضمن الإقتصاد النامي ساعات عمل لائقة وظروف عمل آمنة وصحة وتعليمًا..؟ هل هو مهدّد بالتحوّل إلى اقتصاد معزول وغير تنافسي في السوق العالمية؟ أم سيفضّل اتباع الأنظمة الليبرالية الجديدة رغم مرارتها وبالتالي التضحية بشعبه على مذبح التكامل الإقتصادي العالمي؟

لقد استيقظ العاملون في الجنوب العالمي كل صباح لعقود من الزمان وسألوا أنفسهم السؤال عينه. وكل ما يعنيه شعار “#Die For The Dow” هو أن العمال الغربيين أصبحوا الآن في نفس الموقف، أي أن السفينة قد قامت بالدوران حول العالم، وهي الآن تعود إلى الوطن.

العلاج:

وكما هي الحال بالنسبة للقاح فيروس كوفيد- 19 المجهول، فلا يزال علاج الفيروس الليبرالي الجديد مجهولاً أيضاً. ففي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، باءت محاولات تحريك حدود الواقع الليبرالي الجديد، ولو بشكل طفيف، في اتجاه العدالة من قِبَل معارضين سياسيين بالفشل. والمفارقة هنا هي أن النجاحات النسبية التي حققتها الصين في احتواء تفشي المرض كانت تعتمد إلى حد كبير على مشاركة أعضاء الحزب الشيوعي إضافة إلى المتطوعين، وهي الحقيقة التي ذُكرت في وسائل الإعلام الصينية والغربية. كما شكّلت حالات مماثلة من تعبئة المتطوعين وأعضاء الحزب، فضلاً عن التوزيع المجاني للأغذية للعمال المياومين وغير الثابتين، أهمية كبيرة في فيتنام، وبالتالي لوحظت فعالية في الإستجابة لتحدّي فيروس كورونا. وأياً كان حجم الاستجابة ونسبة تقهقر الفيروس في بلدان مثل الصين وفيتنام، فإن الإرث الاشتراكي المتمثل في التعبئة الجماهيرية والثقافة التطوعية أثبت كونه أمراً مركزياً، تماماً كما أثبت هذا النّهج أهميّته البالغة في مجالي الصحة والتعليم، الذين ساهما كثيرًا في انتقال اقتصاد الصين إلى اقتصاد سوقي قابل للإستمرار.

وكما هو متوقع، فإن وسائل الإعلام الأميركية، بما في ذلك صحيفة "نيويورك تايمز"، بذلت قصارى جهدها لتغيير الطابع التطوّعي ليأخذ طابعًا إجباريًا فُرض على العمّال والصّليب الأحمر الصيني من قبل الحزب الشيوعي.

إن ذكرى الماكارثية والخوف الصيني لم يكونا قطّ بعيدين عن الولايات المتحدة. فقبل سبع سنوات، كانت مراكز البحوث التحررية في سوق اليمين المتطرف مثل معهد "كاتو" تروّج لنجاح انتقال الصين إلى الرأسمالية. وبعد أقل من عشر سنوات، نرى "مفكرين" يكتبون في أجهزة صحفية محترمة مثل صحيفة "واشنطن بوست"، يحذروننا من الطبيعة الحقيقية للحزب الشيوعي الصيني، فيربطون الحزب بالشيوعية كلما سنحت الفرصة لهم بذلك. وهنا يشكل الإطار الزمني أهمية كبرى، حيث بدأت اللغة الخطابية التي تروج للصين باعتبارها حالة ناجحة للإصلاح تتغيّر بشكل حاسم، فقد بات من الجليّ أن النمو الاقتصادي الذي حققته ترافق مع كسر للكثير من الاتفاقات المتعلقة بمصالحها الوطنية. وخلافاً لآمال المتفائلين في السوق، فإن أي درجة من تكامل السوق لم تكن لتحل قضية جزيرة تايوان، أو أن تضع حدًّا للبنية التحتية الخارجية وبرامج الإستثمار التي تنفّذها الحكومة الصينية، أو أن تقنع الرئيس شي بدعم "الثوريين" السوريين. في الواقع إنّ تكامل السوق قد أدّى إلى استقرار المصالح الوطنية للصين بدلاً من إضعافها وأثار مخاوفَ من منافسة روسيا والصين وإيران لهيمنة الولايات المتحدة. وكان انتخاب ترامب في حد ذاته هدفاً لكسر هذا التحالف المناهض للهيمنة، المتمثّل في احتضان روسيا و"تفكيك علاقاتها".
هذه المحاولة لم تسفر عن نشوء أي محور دائم يقف في وجه روسيا، كما أن الصداقة الواضحة بين ترامب وبوتين والتي عرفت بكونها جوهر الغضب الليبيرالي قد ذهبت أدراج الرياح. إن سخافة إتهام الولايات المتحدة للصين وتحميلها مسؤولية تفشي فيروس كوفيد-19 هي في كونه غير منطقي، فقد فكان من الممكن أن يتفشى الفيروس في أي دولة نامية أخرى. لذلك، فإن إتهام الولايات المتحدة للصين ليس أكثر من محاولة سخيفة لكسر كتلة الهيمنة المضادة التي لا تتحقق إلا من خلال تفشي الفيروس. فقد مشى كل من بايدن وترامب على طريق "الصرامة مع الصين"، وبصرف النظر عمن سيفوز بانتخابات عام 2020، فإن احتمال اندلاع "حرب باردة جديدة" أمر لا مفر منه.

وكما قلنا سابقاً، لا يوجد علاج لفيروس الليبرالية الجديدة حتى الآن. والواقع أن البحث عن علاج له ما زال جاريًا حاليًا، وذلك بالتزامن مع إيجاد المحتجّين اللبنانيين سبلاً للنزول إلى الشوارع ومهاجمة المصارف مع التقيد بالشروط الصحية والتباعد الإجتماعي، وكما يثور العمال في بوليفيا ضد الإنقلاب الذي فرض عليهم. ولكن هذا البحث لا يزال تمهيديا، وهو يتطلب الكثير من التوجيه من أجل تطوير القدرة على علاج فيروس الليبرالية الجديدة الآن وإلى الأبد. في الوقت الحالي، كل ما يمكننا القيام به هو مقاومة الأعراض وإدارتها. كما ويتعين علينا أن نقاوم اللغة الخطابية التي تبنّـتها الحرب الباردة الجديدة، وينبغي أن ندرك أن هذا الصراع المصطنع ليس له أساس أيديولوجي وأنه لن يسفر إلا عن مأساة. كما ويتحتم علينا - نحن جميعًا - أن نقاوم الكراهية والقبح المتفشي بيننا، وأن نقاوم حتى لا نصبح رهائن في صراع عالمي لن يحقق شيئا ولن يعود بفائدة على أحد.