"إن قامت محكمة كل دولةٍ عضو في الاتحاد بتقديم تفسيرها الخاصّ لما يمكن أو لا يمكن أن تقوم به أوروبا، فهذه بداية النهاية".

عضو البرلمان الأوروبي، البلجيكي غاي فيرهوفستادت.

 

يتحدّث البروفيسور أليساندرو باربيرو في إحدى محاضراته المنشورة على الشبكة عن أزمات القرن الرابع عشر، القرن الذي تحوّلت فيه البنيّة الإجتماعية والسياسية الأوروبية بالإضافة إلى نمط الإنتاج المرافق بشكل جذري. يعدّ باربيرو من أهم مؤرخّي القرون الوسطى في إيطاليا، وله أسلوب مسرحيّ مسلٍّ في سرد الأحداث التاريخيّة لا يُضعف من كمّ المعلومات والتحليلات الهائل الذي تحمله محاضراته، والتي كان بودّي أن أشاركها دوريًّا لولا أنّها باللغة الإيطالية.

النقطة الأساس التي يركّز عليها باربيرو في نقاشه، إلى جانب التغيّرات المناخيّة التي قضت على نسبة كبيرة من المحاصيل وقلّصت الإنتاج الزراعي في حقبة كانت القارّة الأوروبية بأمس الحاجة بسبب التزايد السكاني الهائل، هي عن الطاعون أو الموت الأسود الذي دقّ أبواب هذه القارّة كما أبواب المدن المتوسطيّة كافّة وحصد فيها من الأرواح ما حصد. وقتها، لم يكن هنالك من بديل عن قطع الغابات بغية توسيع الأراضي الزراعية، في حقبةٍ لم تعرف فيها البشرية أدوات الإنتاج الزراعي الحديث ولا العلم المختصّ بذلك، بالإضافة إلى الأسمدة الزراعية التي سمحت بزيادة إنتاجية الأرض نفسها مرّات مضاعفة. الطريف في الموضوع هو أن نظريّة "الفخّ المالتوسي" المثيرة للجدل نسبة لمنظّره توماس روبرتس مالتوس، كان يمكن تطبيقها في فترات من التاريخ البشري حتّى زمن مالتوس نفسه حين بطلت النظرية. عندما نقلت الثورة الصناعيّة الحصريّة القيمية من الأرض وموادها نحو الصناعة والتحويلات، سمحت بتجاوز العقبات الزراعيّة السابقة والسماح بزيادات سكانيّة هائلة لم تكن ممكنة سابقاً، ذلك في تناقض مع ما كانت النظريّة تدّعيه من ارتباط عدد السكان حصراً بالموارد المحدودة للأرض، كما يعبّر المؤرخ الإقتصادي غريغوري كلارك.

عودةً لموضوعنا حول الطاعون، مما لا شكّ فيه أن ما سمّيَ بـ"الطاعون" وهو مجموعة أمراضِ وليست مرضاً واحداً) حصد حوالي نصف سكّان أوروبا عبر موجاته المستمرّة خلال القرن الرابع عشر). لم يملك الناس وقتها أي إدراك لمفهوم الجراثيم والميكروبات ناهيك عن كيفية محاربتها، إلاّ أنّه كان من الواضح، بناءً على العديد من الكتابات التي وصلتنا من تلك الحقبة وخصوصاً تلك التي أنتجها العلماء المسلمون كابن سينا ولسان الدين بن الخطيب، وجود إدراكٍ لمفهوم العدوى. كنتيجةٍ لهذا الإدراك، قامت المدن بإغلاق أبوابها أو باتباع إجراءاتِ أخرى كفرض الحجر الصحي لمدّة أربعين يوماً على السفن الواصلة كمدينة البندقية في إيطاليا، ومن هنا نشأ الجذر الأوروبي للكلمة .(quaratena) 

 في السنوات التي تلت انحسار العدوى وانطلاق الأعمال التي كانت قد أوقفتها، تبدّت ظاهرة غريبة في عالمٍ لم يعرف بالإضافة إلى كلّ ما ذُكر أيّ نظرية عن الاقتصاد: فقد بدأ العمّال اليدويّون والفلاحون بالمطالبة بأجورٍ أعلى من إقطاعيّيهم وأرباب أعمالهم، في تطبيق لنظرية العرض والطلب في سوق العمل متى ندر العمّال، حتى أن السجلّات التاريخية تعرض شكاوى قدّمها الإقطاعيّيون والصناعيّيون للسلطات عن استبداد العمّال بهم والمطالعة بمضاعفة أجورهم. بالمحصّلة ارتفع الأجر المتوسّط الذي كان يتلقّاه العامل، فنشأت عبر وفرة الموارد الماديّة أشكال جديدة من الإنتاج كما توسّعت أسواق سلع أخرى كانت حكراً على الطبقات الأثرى، فزاد استهلاك سلعٍ كالنبيذ، الأجبان، اللحوم، حتى أنّ الأقطان الملوّنة التي أصبحت متاحة لعدد أكبر من المستهلكين، فكان هذا النموّ من الأسباب الأساسيّة الدافعة لعصر النهضة اللاحق.

تطوّرت المجتمعات البشرية واقتصادياتها أيما تطوّر منذ طواعين القرن الرابع عشر من جميع النواحي: نوع الإنتاج، الإنتاجية، مصدر الثروة، وتوزعّها كما ومعدّل دخل الفرد وماهيّة السلع "الضرورية" والأساسية.. حيث أنّ الفرد وقتها كان يصل تقريباً للإكتفاء متى ما حصل على كفاف يومه وكسائه، فلم تكن السياحة ولا الكماليات موجودة لمعظم البشر. بالتوازي مع ذلك، تغيّرت نظرة السلطة السياسيّة إلى مواطنيها في السياق الأوروبي، كون موضوعنا يتمحور حوله. بعيداً عن ترهّات المفتونين بالغرب، التي تعتبر أن للأخير تفوّقًا معنوياً وثقافيًّا أجبر السلطة السياسية فيه على احترام مواطنيها (حصراً) بحياتهم وممتلكاتهم، أميل للتفسير التاريخي البراغماتي لهذه الظاهرة. محاولة عرض هذا التفسير سيتطلّب مقالاً بذاته ولكن بالمختصر: فإن التفاعلات الإقتصاديّة والسياسيّة منذ الثورة الفرنسيّة أو "الثورة المجيدة" في انكلترا، أفضت بالسياق العامّ إلى اتّباع الدول الأوروبية تباعاً لقدسية الملكيّة الفردية كأساس غير قابل للتحوير في النظام الرأسمالي الأكثر فاعليّة في وقتها. على نفس الوزن، دفعت الحركات الإشتراكية التي أوصلت للثورة البلشفية الدول الأوروبية لاتباع نظام الضمان الاجتماعي خوفاً من وليس تبنياً لهكذا قيم تنادي بها هكذا حركات.

على الرغم من أنه لا يمكن بأي حالِ مقارنة الطاعون بفيروس كوفيد 19 المستجدّ، لا من ناحية الظرف ولا عدد الضحايا والتأثير، إلا أنه وضع القيم والسياسات التي تقوم عليها المجتمعات الغربية تحت المجهر. عادت مشاهد المدن-الدول الإيطالية في قرون الطاعون التي تغلق نفسها على جيرانها في إغلاق الأوروبيين الحدود على بعضهم، بل وإستيلاء بعضهم على المعدّات الطبيّة المتوجّهة لدولة ما كما حدث بين تشيكيا وإيطاليا في بداية الأزمة. الفيروس من جهة قام بوضع "قدسيّة" حياة المواطن ورخائه تحت المجهر أمام صنم الاقتصاد، المراكمة الرأسمالية والنمو المستمر. من جهة أخرى، فإنه أظهر الثغرات التي يتخللها نموذج النمّو عبر الإستهلاك الفتشيّ (fetish) للكماليات الماديّة والخدماتيّة المدمّر للفرد والبيئة من حوله، والمبني على آلام ودماء أناس آخرين حول الكوكب. بالإضافة إلى كونه أضاء على محدودية المشروع الأوروبي بأسره، والذي بدأ كمشروع اقتصادي رأسمالي للسوق الحرة مع مشروع الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (ESCS) ليس فقط كحجر أساس للنموّ، بل لجعل الحرب "غير ممكنة مادياً" كما يروّج له أحد منظريه روبرت شومان عند تأسيسها عام .1950 تطورّ المشروع الأوروبيّ تدريجياً نحو بنيةٍ سياسيةٍ غير مكتملةٍ تقف على مفترق طرق خطرٍ أفرزه دخول الفيروس وتأثيراته على السّاحة.

ينقسم الاتحاد الأوروبي حاليًا إلى محورين متعارضين حول السياسة التي يجب أن يتمّ اتباعها في مواجهة أزمة الركود الاقتصادي جرّاء توقّف العجلة الإقتصادية بسبب كورونا. محور أوّل يضمّ ما يمكننا أن نسمّيه جغرافيّاً بدول الشمال الأوروبي بقيادة ألمانيا وهولندا، ومحور آخر يضمّ بمعظمه دول الجنوب الأوروبي بقيادة إيطاليا واسبانيا. في تصريح سابق اتهم ووبكي هوكسترا وزير الماليّة الهولندي، دول المحور الجنوب، بأنها سياساتها التبذيرية كانت سبب الأزمة التي تعاني منها هي نفسها. تصريحٌ يعكس النظرة الفوقيّة التي تنظر بها هذه الدول لمثيلاتها المتوسّطية، والتي كما يرى: انكبّت على مخالفة معايير الإتفاق الماليّ الأوروبيّ (EFC) حول العجز في الموازنة، ونسبة الدين إلى الناتج المحليّ، انطلاقاً من أن ما تعاني منه دول الجنوب الأوروبي كان نتيجة لتراكمات سابقة. تشترط الدول الشماليّة أن تكون المساعدة الموجّهة نحو التعافي من كورونا تحت إطار آلية الإستقرار الأوروبي (ESM) ذات الشروط التقفشيّة القاسية.

من جهة أخرى، تنطلق دول الجنوب من نظرة أكثر راديكاليّة تجاه الإتحاد وأهدافه، فهذه الدول تطالب المجتمع الأوروبي ككلٍّ بتحمّل مسؤولياتٍ أكبر تجاه الدول المتعثّرة. فهي تطالب وعلى رأسها إيطاليا، بما يسمى بـ"الكورونا بوندز"، أي بمساعدات غير مشروطة يتحمّل عبئها الجميع حتى ممن لن يستفيد منها بشكل مباشر. تنطلق هذه الكتلة من فكرة أن الشروط والقواعد الإقتصاديّة الأوروبية تفضيليّة لكتلة الدول الشماليّة، التي حقّقت أرباحاً قياسيّة عبر الفوائض التي جنتها من آليات الإتحاد الأوروبي نفسها؛ اليورو كعملة ثابتة القيمة، الحدّ من التضخّم، المحافظة على مستوى فائدة منخفض كما ومستوى منخفض من الديون نسبةً إلى الناتج المحليّ، لم تكن فقط مداميكاً للسياسة الإقتصادية التي أوجدت الإتحاد الأوروبي كما نعرفه، بل والعوامل التي أدّت إلى مراكمة تلك الفوائض لدى دول الشمال التي استفادت في حالة ألمانيا من فائض إيجابي تجاري كبير كدولة تصديريّة، أو في حالة الدول الصغيرة كإيرلندا من قوانين ضريبية أخفّ من غيرها سمحت بتحويل الشركات أرباحها وإداراتها نحو الخارج .(offshoring) يقول ج. ستيغلتيز مقبساً ج.م.كاينز أنّ الفوائض التجارية مضرّة للطلب الكلّي في سوقٍ كالسوق الأوروبية، خصوصاً إذا ما رافقتها عملةٌ موحّدة ثابتة القيمة تمنع السوق من إعادة تعديل نفسه، بمعنى آخر: لن يزيد سعر السّلع الألمانية بشكل مضطرد بسبب تزايد الطلب عليها عبر زيادة قيمة المارك الألماني،  ما يفسح مجال المنافسة أمام الدّول الأضعف كما كان يحصل في السابق. انطلاقاً من ذلك تجد دول الجنوب نفسها مطالبةَ دول الشمال بإعادة جزء من الفوائض التي حقّقتها عبر هذه العمليّة.

كانت القنبلة النووية التي فجّرتها المحكمة الدستورية الألمانية في خضمّ هذه الأزمة، حكمها بأن عمليّة شراء السندات التسهيلية التي سيقوم بها البنك المركزي الأوروبي (ECB) مخالفةٌ للمواثيق الأوروبية المتّفق عليها سابقاً. قرارٌ شبهه البعض بحسب مقال في "الفاينانشل تايمز" بقرار ولاية كارولاينا الجنوبية ببطلان القانون الفدرالي والذي أدى لإندلاع الحرب الأهلية الأمريكية. من المؤكّد أن الحرب الأهلية الأوروبية لن تندلع في الأفق القريب بالحدّ الأدنى، إلا أن الصدمة المترتّبة على هكذا قرارٍ ستبرز تبعاته في الشهور المقبلة. ألمانيا، الدولة المركز في المشروع الأوروبي، وللمرّة الأولى وضعت محكمةً ذات سلطة وصلاحيّة وطنيّة في مرتبة أعلى من محكمة فوق وطنية أوروبية في هذه الحالة. القرارُ الذي لا يهدّد فقط بتفكيك الإتحاد الأوروبي عبر استجلاب ردّ فعلٍ مضادّ من دول الجنوب الغاضبة من الشروط التقفشيّة القاسيّة وإغلاق باب تقديم المساعدة غير المشروطة في وجهها، بل قد يشجّع دولاً أخرى في تحدّي سلطة محكمة العدل الأوروبية (ECJ) كما في حالتي المجر/هنغاريا وبولندا. في صراع هاتين الدولتين مع محكمة العدل الأوروبيّة تحاول الحكومة البولندية السّيطرة على محكمتها الدستورية، فيما استطلاع أوربان، دكتاتور هنغاريا غير المُعلَن، من الهيمنة على مفاصل السلطة عبر استحصاله على سلطاتٍ استثنائية كانت الكرزة على الكعكة التي خبزها خلال السنوات الماضيّة، الأمر الذي مكنّه من "الحكم عبر المراسيم" متجاوزاً كلّ الضوابط القانونية (checks and balances)، بواقع الحال كانت بولندا أول الدول المرحّبة بالقرار الألماني. 

 

 خاتمة

أظنّ بأنه من الصعب الآن الحكم على مآل السياسة الأوروبية بعد هذا العرض، إلا أن هناك إشارات شعبيّة يُترجمها صعود اليمين الشعبوي في القارّة، ساهمت أزمة فيروس كورونا بتسريع مفاعيل هذا الصعود. كانت إيطاليا وشعبها من أكثر الدول تحمّساً للمشروع الأوروبي قبيل توقيع اتفاقيّة "ماستريخت" المؤسِّسة للإتحاد، إذ أن معارضة الإتفاق لم تتجاوز الـ 9% بداية التّسعينات، رقم أقل من معدلّ 14% الأوروبي حينها. إيطاليا اليوم تبدو كبلدِ مختلفِ تماماً: في استطلاع أخير للرأي بحسب صحيفة "الإيكونوميست" فإن الموافقين على الخروج الفوري من هذا الإتحاد يعدّون 44%. لا أعتقد بأن الحظ سيجانب رؤيتيّ أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوَضيّة الأوروبية، وإنريكو ليتّا رئيس الوزراء الإيطالي السابق، في مسعاهما لجعل الإتحاد كتلة جيوسياسيّة كما تعبّر الأولى، أو قوّة عظمى بجانب الصين والولايات المتحدة كما يعبّر الثاني.

بناءً على ما سبق، يظهر بأن فيروس كورونا قد يكون أقلّ فتكاً من الموت الأسود الذي فتك بالقارة في قرون خلت، إلا أن تأثيراته ستتجاوز كلّ التوقعّات والتطلعات السابقة حول عمليّة دمج الإتحاد الأوروبي. فالأوبئة عبر التاريخ، خصوصاً تلك التي تظهر وتنتشر في مراحل مفصليّةٍ منه، تملك تأثيراً جذرياً تحويليًّا على البنى السياسيّة، الإقتصادية والإجتماعية التي يشيّدها الإنسان أكثر من تأثيرها على صحّة الإنسان نفسه. أعتقد بأننا هذه المرّة، أي بؤساء العالم الثالث والعربي خصوصاً، سنملك في مستقبلِ ما على الرّغم من بؤسنا، ترف مشاهدة تفكّك إتحاد "المئة لسان" كجزء أساسي من المنظومة الرأسمالية العالمية الظالمة التي تحكم هذا العالم، بعدما ساهم بشكل أساسيّ بتفكيك وتدمير أرض"اللّسان الواحد".