شح في الدولارات استتبع شحاً في المشتقات النفطية، فوقف الناس في الطوابير أمام محطات الوقود وانخفضت قدرة مؤسسة كهرباء لبنان على التغذية بالتيار الكهربائي إلى الحدود الدنيا، إذ لم تعد المولدات الخاصة قادرة على سد الهوة الكبيرة بين الطلب المتزايد على الطاقة والقدرة على الإنتاج مما هدد - ولا يزال يهدد - بتوقف ضخ الدم في شرايين المجتمع الأساسية من مستشفيات ومصانع وإدارات ومؤسسات عامة وأفران ومراكز تخزين المواد الغذائية وما شاكل. وبغض النظر عن كون الأزمة حقيقية أم مفتعلة فالنتيجة واحدة، المحروقات هي عصب الحياة في أيامنا هذه ولا بد من تأمينها كي لا يؤدي التزاحم إلى التقاتل.

في 19 آب 2021 وبعد خطاب الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله الذي أعلن فيه قرار الحزب استقدام باخرة تتبعها بواخر محروقات من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، استيقظت سفيرة الغطرسة الأميركية على معاناة الشعب اللبناني وأبلغت رئيس الجمهورية في اتصال هاتفي قرار إدارة بلادها متابعة مساعدة لبنان لاستجرار الطاقة الكهربائية من الأردن عبر سوريا من خلال الغاز المصري، بالإضافة إلى تسهيل نقل الغاز المصري عبر الأردن وسوريا وصولاً إلى شمال لبنان حيث معمل دير عمار لإنتاج الطاقة.

إعلان السفيرة أثار الكثير من التساؤلات بين عموم الناس حول أوجه الإستفادة من الغاز المصري وحجم الوفر الذي يمكن أن يحققه تشغيل معامل الكهرباء باستخدام هذا الغاز، لذلك لا بد من كشف غبار البروباغندا الأميركية لتبيان حقيقة الموضوع ومدى تأثيره على قطاع الكهرباء في عاجل الأيام لا آجلها لأن الأزمة في لبنان اشتدّت إلى حد لا يمكن عنده انتظار حلولٍ جذرية تتبيّن نتائجها على المدى البعيد بل لا بد من معالجات تلطيفية عاجلة تساعد على الصمود إلى حين استقرار موازين القوى إقليمياً على تسويات تنعكس إنفراجاً ما في لبنان.

الحديث عن الغاز المصري يستدعي تحديد المعامل الكهربائية التي ستستفيد منه، إذ يتم استجرار الغاز من مصر عبر خط الغاز العربي الذي ينطلق من العريش في مصر إلى العقبة جنوب الأردن ومن ثم إلى دمشق ومنها إلى حمص وحلب باتجاه تركيا، ويتفرّع منه في حمص فرع باتجاه شمال لبنان، مما يعني حصر الإستفادة من الغاز في تشغيل معمل ديرعمار فقط دون سواه من معامل مؤسسة كهرباء لبنان بسبب عدم وجود خط أنابيب ساحلي يسمح بنقل الغاز من شمال لبنان إلى معامل الزوق والجية والزهراني،ولا إمكانية لنقله إلى هذه المعامل عبر البواخر كما أُشيع لأن ذلك يستلزم تسييل الغاز قبل تحميله في البواخر ومن ثم إعادة تغويزه قبل استخدامه ولبنان لا يملك منشآت لتسييل الغاز ولا محطات لإعادة تغويزه.

وتجدر الإشارة إلى أن الإستفادة من خط الأنابيب العربي متعذر حالياً بسبب تضرر الأنابيب في الشمال والجنوب السوريين، وقد يستهلك إصلاحها وقتاً وأكلافاً مادية من غير المعلوم إن كانت سوريا ستوافق عليها، كما أن أجزاءً من هذه الأنابيب ستبقى عرضة للتهديد والتخريب بسبب عدم استقرار الوضع الأمني في سوريا مما سيهدد بتوقف معمل دير عمار عن الإنتاج في كل مرة تتعرض فيها الخطوط لأعمال تخريبية أو في حال حدوث خضات أمنية أو سياسية تؤثّر في مجمل إتفاقية الإستجرار. واذا افترضنا استعادة هذه الأنابيب لجهوزيتها فمن يضمن موافقة سوريا على إجراء عملية استبدال الغاز المصري بالغاز السوري إلى لبنان، إذ لم يكن هناك إمكانية سابقاً لإيصال الغاز المصري مباشرةً إلى لبنان دون الحاجة لعملية الـ"SWAP" هذه، فما الذي تبدّل اليوم؟

إذاً كيف يستفيد لبنان من الغاز المصري في معمل دير عمار في حال وصوله؟ وما حجم الوفر المتوقع تحقيقه في هذه الحالة؟

تم إنشاء معملي ديرعمار والزهراني ووضعهما في الخدمة عام 1998، وهما يعملان بتقنية الدارة المختلطة (CCGT) ويضم كل معمل مجموعتين غازيتين ((GT بقدرة 160 ميغاوات للواحدة ومجموعة بخارية (ST) واحدة بقدرة 150 ميغاوات، وتكمن المشكلة الأساسية في هذين المعملين في استخدام مادة المازوت كلقيم للتشغيل بدلاً عن الغاز الذي يؤمن كفاءة أعلى ويقلل من كلفة الصيانة.

بين عامي 2009 و2010، تم تشغيل مجموعة غازية واحدة في معمل ديرعمار على الغاز من خلال اتفاقية تسمح بنقل الغاز المصري إلى لبنان عبر المبادلة مع الغاز السوري وفق آلية الـ"SWAP"، وكانت النتيجة وفراً بالكلفة التشغيلية للمعمل وحريقاً أنظف وأقل تلويثاً. أما اليوم، وبلغة الأرقام، وإذا ما اعتمدنا على المعطيات المتوفرة عن أداء معمل ديرعمار عام 2017، على سبيل المثال، حيث بلغ إنتاجه الصافي حوالي 3258,875 جيغاوات ساعة بكفاءة 178 طن من المازوت لكل جيغاوات ساعة، فإنّ الجدول أدناه يحاكي الوفر الذي سيحققه استخدام الغاز الطبيعي في المعمل وفقاً لسعر برميل النفط عالميّاً:    

 

 

تم استخراج هذه الأرقام عبر المقارنة بين القيمة الحرارية للمازوت والقيمة الحرارية للغاز الطبيعي، وتحديد كمية الغاز الطبيعي التي يحتاجها المعمل لإنتاج ذات الطاقة التي أنتجها باستخدام مادة المازوت ومن ثم تحديد فارق الكلفة بين المادتين وفقاً لتغيّر أسعارهما عالميّاً، ونرى أن الوفر المحقق يبلغ حوالي 284 مليون دولار أميركي اذا ما وصل الغاز إلى لبنان بسعر 5 دولارات لكل MMBTU واستقر سعر برميل النفط على 70 دولار كما هو اليوم تقريباً، ويزداد الوفر كلما ارتفع سعر برميل النفط أو كلما تم شراء الغاز بسعر أقل.

إذاً لا شك أن تشغيل المعمل على الغاز يحقق وفراً مالياً كبيراً، ولا شكّ أن توفير ملايين الدولارات من أسعار المحروقات هو أمر مفيد وجيد على الصعيدين المالي والإقتصادي، ولكن إذا عدنا إلى أصل المشكلة اليوم، مصرف لبنان يدّعي أنه لا يملك الدولارات اللازمة لفتح الإعتمادات لشراء المحروقات وأنه وصل إلى حدود التوظيفات الإلزامية للمصارف، فمن أين سيأتي بالدولارات اللازمة لشراء الغاز من مصر؟ وكيف تتوفر الدولارات لشراء الغاز طالما أنها لا تتوفر لشراء المازوت والفيول لزوم المعامل؟ وعلى فرض تأمنت الدولارات من خلال التفاوض مع البنك الدولي لشراء الغاز المصري فهل ستتأمن أيضاً لشراء المازوت والفيول لزوم باقي المعامل كي يتم رفع الإنتاج وزيادة التغذية؟ لأن الاقتصارعلى رفع إنتاج معمل ديرعمار دون غيره من المعامل سيكون تأثيره محدوداً على ساعات التغذية بعيداً عن الزيادة التي سيشعر بها اللبنانيون بعد انتهاء فصل الصيف نتيجة انخفاض الطلب على الكهرباء في فصل الخريف، خاصة إذا ما علمنا أن التمديد لعقد شراء الطاقة من البواخر التركية ينتهي مع نهاية أيلول الحالي فتنخفض بذلك القدرة الإنتاجية الإجمالية بحدود 370 ميغاوات إذا لم يتم تمديد العقد مرة أخرى ومن غير المعلوم إذا كانت شركة كارادينيز ستقبل بالتمديد على فرض تأمين الدولارات اللازمة لذلك خاصة في ظل النزاع القضائي القائم بينها وبين الدولة اللبنانية. أما بما يتعلق باستجرار الكهرباء من الأردن فإن دونه عقبات تقنية بالدرجة الأولى تتعلق بتضرر شبكات الربط و خاصةً في منطقة درعا خلال الحرب السورية ومحدودية محطة كسارة، وقد يستغرق إصلاح الأضرار وقتاً ليس بالقليل، وقد لا توافق سوريا على تنفيذها أو تحمل أكلافها المادية، كما أن شراء الطاقة من الأردن يستلزم أيضاً توفر الدولارات لفتح الإعتمادات اللازمة، إلا إذا ظنّ البعض أن الكهرباء ستصل من الأردن بالمجان.

والحديث عن التفاوض مع البنك الدولي من أجل تمويل هذه العمليات يدفعنا للسؤال عن الأثمان التي سيطلبها الأميركيون بالمقابل وما هي الشروط السياسية والإقتصادية التي سيفرضونها على لبنان، وكيف ولماذا سيتغاضى الأميركيون وبنكهم الدولي بسحر ساحر عن مفاعيل قانون قيصر الذي يمنع التعامل التجاري مع سوريا، من خلال تمويل وتسهيل عمليات تجارية قطب الرحى فيها سوريا التي ستستفيد منها ماليّاً ولا إمكانية لإتمامها دون إذن منها.

ليس الكلام أعلاه للتشاؤم ولكن لعدم الإفراط في التفاؤل. إذ في المحصلة، لا يعدو ما أثارته السفيرة أن يكون ذرّاً للرماد في العيون، فلو أنّ الغاز استقدم إلى لبنان قبل الأزمة لشكّل بلا أدنى شكّ جزءاً من الحل، ولكن اليوم بعد وقوع الواقعة واستنزاف إحتياط العملات الصعبة القابلة للصرف كما يدّعي مصرف لبنان، فإنّ استقدام الغاز من مصر سيواجه ذات العقبات التي يواجهها شراء المحروقات الأخرى من مازوت وفيول أويل من دول أخرى؛ أي عدم القدرة على فتح الإعتمادات، إلا في حال ارتضت مصر تقديم الغاز مع تسهيلات كبيرة في الدفع أو وفق آلية الغاز مقابل الخدمات كما حصل مع النفط الخام العراقي، وكذلك الأردن بما يتعلق باستجرار الطاقة منها، بحيث لا يحتاج لبنان إلى العملة الصعبة، أو إذا تذكر رياض سلامة عقب اتصال من السفيرة أنه لا يزال هناك بضع مليارات من الدولارات في قجة مصرف لبنان كان قد نسيها في زحمة الأعمال اليومية المضنية التي يقوم بها لاستنقاذ لبنان واللبنانيين من المحنة. حينها فقط يمكن القول أن الغاز المصري مع الكهرباء الأردنية بالإضافة إلى النفط العراقي يشكلان حلاً تلطيفياً مؤقتاً إلى حين الذهاب نحو الحلول الجذرية في معضلة الكهرباء.