شاهدت في وقت سابق على شاشة "النيو تي ڤي" زوجة الشهيد علي مشيك الذي قضى بتفجير مرفأ بيروت، كانت زينب مشيك المتّشحة بالسواد تنعي حبيبها وتجول بين أكداس الركام باحثة عن مكان استشهاد زوجها علّها تلقى شيئاً من طيب أثره.  

لاحقاً، عرض التلفزيون نفسه تقريراً مباشراً عن الأضرار التي لحقت بالـKidz Mondo وهو مركز يحتوي مجموعة ألعاب ونشاطات للأطفال، وقد لفتني إشارة المسؤولة عن الإدارة في المركز أن النشاطات هي حاجة ماسة لأطفال لبنان لكي يمارسوها ضمن أعلى المعايير العالمية للطفولة السليمة. 

يقع الـ Kidz Mondo في منطقة البيال المقابلة لمرفأ بيروت، وهذه المنطقة هي منطقة بحرية تم ردمها في عهد الراحل رفيق الحريري كجزء من خطة الإعمار والنهوض بالعاصمة، ويذكر أن جزءاً من الردم هو ركام الأبنية التراثية لبيروت التي دمرتها الحرب الأهلية. ولست بصدد نقاش إمكانية الحفاظ على تراث المدينة عوض تركها فريسة لمشاريع "سوليدير" التي طمست روحها وسرقت أملاك أهلها الأصليين.

تطل منطقة الإهراءات التي كان يعمل فيها الشهيد مشيك على الـ Kidz Mondo ومما لا شك فيه أن علي قد رمق بعينيه هذا المركز مرات ومرات من تحت أكياس الطحين التي أحنت ظهره، وقد يكون علي قد حلم بأن يأتي بأولاده الثلاثة ليلعبوا في المركز يوم عطلته، إلا أن علي الذي استشهد أثناء عمله بعد الدوام من أجل كسب المال لتأمين العيش الكريم لأولاده، لم يملك ربما الوقت ولا المال من أجل الترفيه عن أولاده وأخذهم إلى أماكن للتسلية "ضمن المعايير العالمية لسلامة الأطفال". كان علي ليعود إلى بيته منهكاً من ثقل الأحمال على كاهله، لعله لم يكن يجد سبيل إلى الترفيه عن أطفاله سوى اللهو معهم بما تيسّر من ألعاب ابتكروها من رحم الحرمان.

بُني الـ Kidz Mondo على مطمر ركام بيروت القديمة وبالقرب من أراض مسلوبة من أهلها، وهو من حصة أحد زعماء الطوائف المعروفين بسرقة المال العام بحجة الحفاظ على حقوق الطائفة التي يمثلها، وما ذلك إلا سببٌ إضافي من أسباب قهر علي وموته. هذا الفساد هو شريك في تدمير البلاد وسحق العباد وإذكاء الطبقية وتهميش المستضعفين وحرمانهم من أبسط حقوقهم.

علي هو جزء من الناس الذين كانوا ضحية هذه الطبقية في لبنان والتي دأب زعماء الحرب على تغذيتها تطويعها. فالمواطن لا يمكنه الحصول على أي من حقوقه البسيطة إلا عبر وسيط حزبي وليس من الدولة مباشرة، وهذا ما جعل الناس تعتقد بأن التنظيم السياسي هو البديل عن الدولة والراعي لحقوقهم.

عشية الرابع من آب، كان علي يعمل بدوام إضافي لتأمين المزيد من المال لعائلته، كان جلّ همه أن يعود إليهم ببعض الطعام وبظهر فيه ما تيسّر من القوة ليحمل أولاده ويسليهم بعد يوم طويل في حمل أثقال القمح؛ انفجرت بيروت بعلي وحلقت به في السماء وهو يحمل كيس الطحين، نظر من عليائه إلى المدينة، إلينا وكشف عن ناظريه علة بؤسها فرمى بكيس قمحه صوب الأرض ليرتفع بسلام نحو عدل لا يحيف ولينثر حباته علّها تنبت فينا سنابل من غضب. 

استشهد علي مجاهداً كاداً على عياله الذين حلم أن يلعبوا في الـ Kidz Mondo الذي تملكه إحدى كريمات زعيم سياسي بارز كان قد وصل إلى ما هو عليه بحجة الحفاظ على حقوق علي و أمثاله من المحرومين.