في البدء:

يجبُ التنبيه، بسبب حساسيةِ الطرح، وغمرة الحَدَث، وقُدسِية القضية المطروحة للنقاش، إلى أنَّما كتبتُه، يندرج في إطار التحليل النقدي، الذي أزعمأنه يقصد البناء لا الهدم، وهو ما استلزم مني جهدا مُضنيا، كي أكمله بأمانة وطنية، ومحاولات شاقة، كي يكون متسقاً ما أمكن؛ إلا أنه، قد يبدو قاسياً، أو مستفزاً للبعض، بل مرفوضاً؛ أو يبدو سليماً، يوافق قناعات بعض آخر؛ أو حتى صادما لبعض ثالث؛ وقد تعتبره فئة ما، أنه لا قيمة له بتاتاً ولا يستحق القراءة؛ ولكن هنا، لا بد لي، من توضيح أنّ قصدي مما أقول، خالصٌ لوجه فلسطين؛ فلست مرتهنا لجهة مخابرات، ولا مرتبطا بفصيل أو حزب، ولا أرتزق بكلماتي، ولا أحمل حقداً بين أضلاعي سوى الحقد الوطني تجاه العدو الصهيوني، والطبقي تجاه أعداء الفقراء والمظلومين والمسحوقين في الداخل والخارج.

ولأنني، كما قصَد النوّاب، لا فقط كما لفَظ: "أنتمي للفدائي، لرأس الحسين، وللقرمطية كلُّ انتمائي"، ولأنها فلسطين، ولأنها معركة مُشَرفة ومُكلِفة، تلك التي زلزلت كيان العدو قبل أيام قليلة، لم يتكرر ظهورُ بَدرِها بعد، فسأختم بادئة الحديث بأنني، إن كنت قد أخطأت، فعذري أنني أخلصتُ النية، ولم أهدف لخيانة القضية.

في التوطئة:

حيثُ إنه لكل مقام مقال، ومقامُ المعركة الأخيرة التي دارت رحاها في فلسطين هو مقام عظيم، فقد أصغيت، في البداية، بِانتباه ممزوج بالترقب والابتهاج، لمقال القائد "يحيى السنوار"، رئيس المكتب السياسي لحماس في غزة، في حديثه بالمؤتمر الصحفي الأخير عن مقام المعركة، حيث كان، كما نفترض، ينطق بلسان جامعٍ لمواقف فصائل المقاومة المسلحة الباسلة، وبلسان القيادة السياسية لحماس، على وجه الخصوص، وذلك بحسب موقعه في القيادتين؛ وبصراحة، أعدتُ حضورَه أكثر من مرة، بتركيز كان يفوق مثيلَه الذي يسبقه، وأخضعتُ تصريحاته، بـ "مسؤولية وطنية"، لتشريحٍ موضوعي ودقيق، يتناسب والمرحلة التاريخية التي نعيشها في ظلال معركة "سيف القدس"، أو "بندقية فلسطين" كما أفضّل تسميتَها، ويحترم محورية القضية الفلسطينية وأبعادَها وتاريخَها؛ وبدون أي تشكيك في حجم ونوعية نتائج المعركة، لا زيادةً ولا نقصانا حسبما رصدتُها، وأوضحته في كتابات سابقة، وبكامل اعتزازي وتقديري وفخري، بما ولما قدّمته سواعدُ المقاومين النظيفة، وجادت به الدماء الزكيّة، وحتى نَنفُذَ مباشرة إلى مضمون الخطاب، الذي أراد له السنوار أن يكون خطاب انتصار "فوق العادة"، ربما ليرفع من معنوِياتنا، نحن العِطاش، ردحا من الزمان، للشعور بالكرامة، وليُذِلَّ أعداءَنا المتغطرسين؛ فإنني، توقفت مَلِيّا، في حديثه، عند نقاط، لا تستقيم مع الحالة الثورية المبدئية التي نحن بصددها، لأنها تحمل دلالات كامنة، وتستفز تساؤلات مشروعة، في أي عقل هادئ يسعى نحو الاتزان، غير مأسور بالعاطفة الجمعية؛وذلك استشرافا لمرحلة تاريخية جديدة على صعيد الصراع، نقترب منها، أو نبتعد عنها، بقدر ما نُمسِك بزمام الاتزان الواعي، وانخراطا نظريا، لا في هذه المعركة فحسب، بل في الحرب التاريخية للطبقة، والشعب، والأمة.

لأنه، وسواء كانت مقاربتنا للعقل، ماركسية، بحيث تَحكُمُ الإنسانَ قوانين علمية، لا يمكن رصدُها إلا بابتداء عصر الصراع الطبقي، أي بابتداء حركة التاريخ الإنساني، فيكون العقل إذ ذاك، ذا وظيفة واحدة، تنشأ من مادة داخلية فيه، متحركة على الدوام، ومحكومة بقوانين الفيزياء والكيمياء، هي وعي ذاتِه من خلال وعيه لموضوعِه، كجزء من حركة التاريخ؛ أم قُمنا بتجزئة العقل ميكانيكيا، بمقاربة التحليل النفسي، إلى عقل شعوري واعِ، وآخر لا شعوري، مستبطِن، لا يدركه الإنسان بِحِسِّه المباشر، وإنما بميوله غير المفسرة، عقل غير واع؛ فإنه، في كلتا المقاربتين، قد يؤدي التفاعل العاطفي، في سياق قضية تاريخية، مع حزب سياسي ما، من خلال العمل المباشر معه أو كجمهور له، تحت سطوة العاطفة الجمعية، إلى مساواة الحزب بالعقل، وإذ ذاك، سيكون الاختلافُ مع الحزب، اختلافا مع العقل، وخطيئةُ الحزب، خطيئةً للعقل، وهزيمةُ الحزب، هزيمةً لتوازن العقل.

في الفكرة الأولى - قناة الجزيرة والمال السياسي ولعبة التوازن بين المحاور والجبهات - أقول:

"من لا ماضيَ له، لا حاضرَ له ولا مستقبل"؛ فَبِرغمِ أنه قد يبدو، للوهلة الأولى، أنَّ السنوار في حديثه، كأي مُتَحَدِّثٍ في مَوقِعه، قد يضطَّرُ إلى بعض المُجاملات، التي لا تكون مِحوَرية، أو ذاتَ دلالاتٍ فارِقة، تَمَسُّ المبادئ الثورية والحقوق، وذلك من باب اللباقة، إلا أنَّه، في بعض المواقف، يكون الكلامُ سَيفا، إذا لم نَزِن بِذُؤابَتِهِ لَحَظاتِ الشَّرَف، يستحيلُ السَيفُ زَيفا؛ فإذا وضَعنا الكلامَ في إحدى كفتي ميزان، ووضعنا إزاءَهُ في الكفة المقابِلة، تاريخا طويلا من الصراع، مُثقَلا بدماء شعبنا الفلسطيني والعربي، فسيكون بمثابة طعناتٍ في الوعي والذاكرة، لا لَباقةً في الحديث. هنا تبرزُ قيمة المضامين؛ لأن السنوار، خَصَّ بالتحية والمديح، قناةَ الجزيرة الصهيونية، وشَمِلَها بتوصيف "الإعلام الحر والأبي، وبالإعلام العروبي الوطني، الذي يعيشُ همومَ الأمة وينقلُ قضاياها"، وبَرَّرَ تلك الخصوصية التي أوْلاها إيَّاها، بأمرَين اثنَين: أنَّ "ما تَيَسَّرَ له متابعته، في غرفة العمليات، كان الجزيرة بصورة خاصة"، وكأن الصحن الفضائي لم يلتقط سواها...!وأنها، وهنا مَربَطُ الفَرَس، كانت "أفضلَ منبرٍ يُعبر عن حقيقة موقف المقاومة وجرائم الاحتلال".

هنا، أجدُهُ لِزاما عَلَي، التحدثَ بـ "شيء من التفصيل" عن هذه القناة، التي نالت كل هذا المديح من السنوار، رغم أنها لا تخدم سوى مصالح مُلَّاكِها في الدوحة، ومشاريع العدو في واشنطن ولندن وتل أبيب:

- في النشأة: يُمكنُنا القول، بدايةً، إن "قناة الجزيرة" هي نِتاجُ تزاوج سِفاحي ثلاثي، متتابع ومترابط، بين خبرات بريطانية، وتمويل قطري، ودعم استخباراتي أمريكي-صهيوني. فقناة الـ BBC، هيئة الإذاعة البريطانية، كانت، كما يعلم الجميع، وليدةَ المشروع الاستعماري البريطاني عام 1922، وهو ذات المشروع الذي كان قد أنجب وعد بلفور واحتلال فلسطين،والذي هَندَسَ عملية تسليمها للصهاينة. الدعم المالي لهذه الهيئة كان من جيوب دافعي الضرائب في بريطانيا، ومن أرباح جميع محطات التلفزة هناك، والتهرب من دفع تمويلها تحت عنوان الضريبة كان، ولا يزال، يُعتَبَر جريمةً جِنائية، لِيَصُبَّ في النهاية في خزينة الـ BBC. والأهم، هو أن جهاز المخابرات المَحلِّية البريطانية-المكتب الخامس MI-5، الذي كان، منذ الثلاثينيات وحتى التسعينيات من القرن الماضي -لأنه استَحدثَ بعد ذلك وسائلَ أُخرى- قد أشرَفَ مباشرة على فحص المتقدمين لشغل وظائف في الـ BBC، لِمَنع دخول الأشخاص الذين يَعتبرُهُم "مُخرِّبين" وِفقَ معاييره. المهم أن هذه القناة الأم، توقَّفَ بَثُّها باللغة العربية عبر شبكة أوربِت، بعد خلافٍ بينهما، فأضحت، وهي الغنية بالإمكانات التقنية المتطورة، والخبرات الإعلامية عالية المستوى، والكوادر الاحترافية المُتَّسِقَة مع معايير الـ MI-5، محتاجةً بشكل مُلِح للدعم المالي، الذي يخدمُ توجيهَها للجمهور العربي. ذلك كان بدايات عام 1996، الذي لم ينقضي، حتى أسعَفَها "حمد بن جاسم" وزير خارجية قطر الأسبق، واشترى القناة بإمكانياتها وخبراتها وكوادرها، ودَعَمَها أميرُ قطر "حمد بن خليفة"، آنذاك، بـ 150 مليون دولار مبدئيا. ومِن ثَمَّ، تَمَّ إلحاقُها بمبنى التلفزيون الرسمي القطري، على بُعد كيلومترات قليلة من قاعدة العيديد الأمريكية؛ كما تَمَّ إطلاق اسم "قناة الجزيرة" عليها، التي سرعان ما دخل مُستثمِرا فيها مديرُ عام وزارة خارجية كيان العدو سابقا، الصهيوني من أصل عراقي "ديفيد كمحي/داوود قمحي"، وهذا ما كَشَفَه "جمال اسماعيل" مُراسِلُها السابق في باكستان. "كمحي" هذا، وقبل عَمَلِه في خارجية الكيان، كان نائبا لرئيس جهاز الموساد، ومهندسا لعمليات اغتيال الفدائيين الفلسطينيين الذين ساهموا بعملية ميونيخ عام 1972، كما كان راعيا لعلاقات العدو السرية مع حزب الكتائب اللبنانية، ذراع الصهاينة الممتدة لضرب الثورة الفلسطينية حينها في لبنان.

- في الغايات: بعد بدء طغيان الدور السعودي والإماراتي في منطقة الخليج، كوكيل لمصالح الولايات المتحدة والغرب الرأسمالي في العالم، وتحقيقا لمَصالحهما في الإقليم بالتوازي، حاوَلَت الدوحة المتصهينة، استثمار القناة استثمارا جيو-سياسيا أكثر منه اقتصاديا، حيثُ يَخلقُ حيزٌ جغرافي محدود، دورا سياسيا مهما؛ فَقَطر، المُنتَفِخَة بالغاز، كانت تسعى لِمُماثَلة تجربة كيان العدو، الذي بِرَغم أنه لا يتمتع إلا بحيز جغرافي ضئيل، إلا أنه فَرَضَ ثِقَلا سياسيا كبيرا في المنطقة. فكانت الجزيرة، منبرُ الدوحة، حاملَةَ مشروع قطر التوَرُّمي، اللاهث نحو لعب دور وظيفي أكبر، كعبد تابع، يتفوق على أقرانِه، ليكونَ الأكثرَ حظوةً لدى السيِّد الأمريكي، بما يخدم، المشاريع الرأسمالية الصهيونية في بلادنا.

- في الاستراتيجية: نستطيع تلخيصَها في النقاط التالية:

- إعلامٌ مفتوح، تكمن قدرتُه، على الجذب، في تناولِهِ التابوهات المُحَرَّمة عند أجهزة الأمن العربية؛ وتمويلٌ متعدد، من جهات ذات مصلحة في محطة إعلامية عملاقة، لها نفوذ واسع، يَستقطِب عشرات الملايين في الشارع العربي.

- الترويضُ التدريجي للعقل العربي، وكسر الحاجز النفسي -الرافعة التاريخية الضرورية لإطالة نَفَس المواجَهة جيلا بعد جيل- الذي يمنع التعامل مع العدو على جميع المستويات، من أجل تَقَبُّلِه كواقع، ومِن ثَمَّ شرعنَتِه، لإتمام عملية الرضوخ، وتحقيق هزيمة نهائية للوعي العربي.

- تكريسُ واقع التجزئة العربية، بل تعميقُه، بتثوير نوازِع انفصالية، على أسس دينية-طائفية، وعِرقية-إثنية، لتفكيك وتمزيق ما تبقى من الجسد العربي المُتَهالِك أصلا.

- ترويجُ الآلية العاطفية اللاعلمية في تحليل الوقائع والأحداث، من أجل تسطيح العقل، وإفقادِهِ القدرة على مُطابقة وعيِهِ لواقعه. لأن العاطفة، كتجربةٍ شعورية، يُمكن التلاعبُ بشروطِها، وهذا هو تماما ما تَفعَلُهُ الجزيرة؛فإذا تمَّ اغتصابُها لإنتاج "المعرفة" في وَعيِ المُشاهِد، بدون إعمال العقل، أنتجَت "وَهمَ المعرفة"؛ يقول "ستيفن هوكنغ": "الجهل ليس أعظم عدو للمعرفة، وإنما وَهمُ المعرفة"، لأن هذا الوهم، سيُتَرجِمُ ذاتَه إلى انحيازاتٍ ثقافية وهوياتية وسياسية، لا تنتمي إلى الواقع، بل تُحلِّقُ في عالم المُتَخَيَّل.

- عدم المساس "المؤثِّر" بالخطوط الحمراء المركزية، داخل حيز الحريات الإنسانية والسياسية والإعلامية في قطر، ودائرة علاقاتِها السرية.

- تحقيقُ المصلحة الاستخباراتية لأجهزة العدو الصهيوني والأمريكي والغربي عموما، في نقلِ المعلومات اللوجستية، والدراسات الاستراتيجية السايكولوجية والإحصائية.

 

- في الوسائل والأدوات: يُمكن تلخيصُها، أيضا، فيما يلي:

- تبَنِّي شعارات وطروحات ليبرالية مُخاتِلة، بعناوين صفراء وبرتقالية، كالرأي والرأي الآخر، وأكثر من رأي، والاتجاه المُعاكِس، وسِرِّي للغاية، حسب مبدأ دس السم في العسل، أمام جماهير مكبوتة، تعاني من الظمأ الإعلامي لمدى عقود، لتفجير مَخزونها الغاضب تفجيرا هدَّاما لا بَنَّاءً.

- اعتماد الطريقة العسكرية التقليدية في التمهيد الناري الكثيف عبر الجو، قبل التوغل البري على الأرض؛ وذلك من خلال تكثيف إطلاق برامج وتقارير وتغطيات للأحداث الوطنية، بقصد تدمير مواقع التحسس العميقة في وعي المُشاهِد، وتصوير نفسها كإعلام "حر وأبي" كما وصفها السنوار، واكتساب مصداقية وطنية في العقل العربي، الانطباعي بطبيعته العمومية، والعاجز عن الرؤية بوضوح، بفعل القنابل الإعلامية الدخانية، من أجل التمهيد لاختراقه وغزو وعيه، بعد مدة كافية، بسلاسة. امتدت المدة التمهيدية بين العام 1996، والعام 2010، والتي كانت ميزتها تلك البرامج الحوارية التعبوية، التي بدأت بتغيير ملامحها بعد ذلك، لحساب التغطيات الميدانية لاشتعال المنطقة العربية، وهو أحد ثمار تحضيرها.

- كاميرا بدقة عالية، تَخلقُ مؤثرا بَصَريا مُبهِرا، جديدا على الثقافة البصرية الإعلامية العربية، غير قابل للمنافسة من قِبَل التلفزيونات الرسمية حينها، لتشتيت ذِهن المُشاهِد، وإفقادِهِ تَوازُنَه، بِصَدمة تَشل قُدرَتَهُ على المُحاكَمة العقلية السليمة، وتجعلُهُ مُستعِدا، على الصعيد النفسي، وبشكلٍ مُسبَق، لتصديق وقبول ما يَتِم طرحُه.

- تظهيرٌ مُتَعَمَّد ومستمر، لِمُفرَدة ((إسرائيل)) على شاشتِها، لفظا وكتابة، بدلا من "كيان العدو الصهيوني"، وخصوصا، أينما ظَهرَت خريطةُ فلسطين، أو كان الخبر عنها، من أجلكَيِّ عَقلِ المشاهد ومسحِ ذاكرته وزرع نبت خبيث شيطاني في رأسه. "احذَر أن تُزرَع ((إسرائيلُ)) برأسِك.. حَصِّن رأسَك...!"، كم كان النوَّابُ نبيا في استشراف المستقبل...!

- تصويرُ حُثالاتِ الصهاينة، من زاوية "وِحدَة الطبيعة الإنسانية"، على أنهم أشخاصٌ طبيعيون، فيهم العسكريون والمفكرون والعلماء والأساتذة والفلاحون والعمال والطلاب والبُسَطاء، لإسباغ الصفات القشرية على شخصية "الإنسان الإسرائيلي"، ونزع جوهر وجودهم اللصوصي الإجرامي،بما يُمَهِّد الأرضية للتعايُش.

- إثارةُ النزاعات والانشقاقات والحروب الأهلية، تحت مظلة الإعلام الحر، عبر تزييف الحقائق، وإعادة تركيب الأحداث، وتلفيق الأخبار، وتصنيع المَشاهد، وتجنيد شبكات كاملة من الشباب العربي، عبر بوابة المُنتَديات، وتحت سطوة الإغراءات المالية والجوائز والأوسمة والألقاب، ودعمها بالمال السياسي السخي، وربطها بمنظمات الأنجزة، ومنظمات حقوقوية وإنسانوية استخباراتية، وتدريبها من أجل إعدادها للتنفيذ على الأرض.

- الانتقائيةُ في تركيز المِجهَر الإعلامي على مكامِن الثقوب القابلة للتفجر في مجتمعاتنا، كحق يراد به باطل، وتحديدا في الجغرافيا السياسية المُضادة للمشروع الأمريكي، أو التي تَتِم تَهيِئَتُها لسُلطة الإخوان المسلمين، لا من أجل تثويرها تقدميا، بل من أجل استخدامها كأدوات.

- توفيرُ مِنَصَّات إعلامية للمشروعين الإخوانجي والليبرالي، وكذلك اليساروي-القومجي المُمَوَّل، لتحقيق هيمنة ثقافية رجعية يمينية.

- في الوقائع والأدلة: وهنا لن أتطرق، بالتفاصيل، لشُبهات لم أطَّلِع على وثائق تؤكدها، لكنني، بالمُقابِل، وحسبَ المنطق الاستقرائي للأمور، لا أنفيها، كالمساهمة في اغتيالات بعض الرموز النِضالية، في صفوف صقور حماس كـ "عبد العزيز الرنتيسي ومحمود المبحوح وسعيد صيام"، عبر تسريب مقابلات أجْرَتها القناة معهم، قبل تنفيذ الاغتيال بوقت قصير، لأن تلك المقابلات، تَحمِلُ للموساد والشاباك، معلوماتٍ استخباراتية ثمينة، كالأوجه والأصوات والأمكِنة؛ بل سأكتفي بأهم ما رصدتُهُ واستطعتُ توثيقَه:

- في عام 2008 صَدَرَ قرار الكونجرس الأمريكي برقم 1308، والذي يقومُ بتصنيف "القنوات المناهِضة" للولايات المتحدة وكيان العدو، والهيئات الداعمة لها أيضا، كـ "مَنظَّمات إرهابية" تُحرِّض على العُنف، واتخاذ إجراءات ضد الدول التي ترعاها، وضد مُشَغِّلي الأقمار في حال التعاقد معها. الجدير بالذكر، هو أن القرار شَمِلَ "قنوات المنار والأقصى والرافدين والزوراء والعالم"، ولم يتطرَّق أبدا، لا من قريب ولا من بعيد، لقناة الجزيرة، التي تدَّعي، صباحَ مساء، دعمَها للمقاومة، ويَخُصُّها السنوار بالعِرفان.

- أولُ مؤتمرات "منتدى الولايات المتحدة والعالم الإسلامي"، ومعظمُها لاحقا، والذي تأسَّسَ بمبادرة من الدوحة، عام 2002، تم تسويقُه وبثُّه على قناة الجزيرة. هذا المنتدى، رعاهُ "مركز صبان لسياسات الشرق الأوسط"، التابع لـ "معهد بروكينغز Brookings Institution"، وهو منظمة غير ربحية استخباراتية أمريكية. و"حاييم صبان"، مؤسس مركز صبان، هوَ صهيوني من أصل مصري، ومدير المركز، هوَ "مارتن إنديك" الأمريكي الصهيوني، والسفير السابق لبلاده في تل أبيب. والجدير بالذكر، هو أنَّ مركز صبان له ثلاثة مكاتب في العالم فقط، في الدوحة، وواشنطن، وتل أبيب. "جون جوزيف ميرشايمر"، وهو أكاديمي سياسي أمريكي، ممن عارضوا بشدة احتلال العراق، كان قد كتبَ في مقالةٍ تنتقدُ تأثيرَ اللوبي الصهيوني في السياسة الأمريكية قائلا: "من الصعب تخيل أن معهد أبحاث يُمَوِّلُهُ صبان ويُديرُهُ إنديك، سيكونُ أيَّ شيء إلا مُناصِرا لإسرائيل". ولابد أن أذكر على هامش السياق، أنَّ المؤتمر السنوي للمركز عام 2008، كان قد أُقيمَ في كيان العدو.

- "غسان بن جدو" مدير مكتب القناة في بيروت، عندما كان لا يزال "جزيري الهوى"، قبل الـ 2011، ويتغزل بأرباب رزقه، وفي سياق توضيحه لما تمَّ نشرُه، بصحيفة هآرتس التابعة لكيان العدو، عن اعتذار قناة الجزيرة الذي قدَّمَه "وضاح خنفر"للكيان، وهو -خنفر أقصد- الرَجُل الأول للإخوان المسلمين في القناة، ومديرُها آنذاك، عن "انتهاك المعايير الإعلامية والتغطية اللاأخلاقية" لحفل تحرير الشهيد "سمير القنطار" في سياق برنامج "حوار مفتوح" معه عام 2008، قال: "قناة الجزيرة مؤسسة تحترم نفسَها ومُشاهديها والعامِلين فيها"، ثم أضافَ "بن جدو"، مدافعا عن القناة، أنَّ ما يقولون عنه رسالة اعتذار، إنما هو توضيح اعتمدته هيئة تحرير القناة لتقديمه لكل من طالب بتوضيحات..!! المُلفِت هو أنَّ أهمَّ ما في هذا التوضيح، كان بحد ذاته إدانة وتعرية للجزيرة ومديرها الذي نفى تقديم الاعتذار أيضا. مما جاء في التوضيح: "…وأنَّ قسم ضبط الجودة في القناة رأي أنَّ حلقة البرنامج بتاريخ 19 تموز خَرَجَت في بعض جوانبها عما أقرَّته الجزيرة لنفسِها من دليل سلوك مهني، لا سيما الأجواء الاحتفالية التي صاحَبَت الحلقة". هذه الأجواء التي يتحدث عنها بن جدو والقناة، هي احتفالات الحزب وجمهور المقاومة وسمير القنطار نفسه بتحرير الجنوب وانتصار 2006 وتحرير الأسرى؛ ولكن، بعد أن كَشَّرَت القناة عن أنيابِها، وأسقَطَت أقنعتها، مما جعل الدفاع عنها تورطا مفضوحا في اللعبة، وبعد أن تمَّت، بقدرة قادر، توسِعَةُ "ميادين" بن جدو في لبنان، بعد الـ 2011، خرج علينا شارِحا أسباب طلاقه مع الجزيرة: "إنَّ هناك سقوطا مِهنيا مُريعا في تغطية القناة، وأسلوبِ تعامُلِها مع الأحداث […] ونمطا إداريا سيئا يجب أن يتوقف […] ودماءا تسيل […] وزملاءَ قُتِلوا، وتمَّ توظيفُ دمائِهم في أمور لا علاقة لها بالمهنة".

- في حوار له مع إذاعة ABC الأسترالية، عام 2017، يجيب "وضاح خنفر" -وقد تحدثنا عن صفته وانتمائه- مُحاورَه "فيليب آدم"، عن تفاؤل خنفر بتنصيب "نيلسون مانديلا" رئيسا للبلاد في الوقت الذي كان فيه خنفر موجودا في جنوب أفريقيا -كغطاء لعمله، هناك، في إدارة تنمية الموارد البشرية للاتحاد الإسلامي العالمي للمنظمات الطلابية (إيفسو)، أي مهمة تجنيد الطلاب لصالح التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تلك المنظمة على علاقة وثيقة معه-وسأنقل جوابَه حرفيا دون تعليق: "في الحقيقة، ربما كانت هذه أكثر لحظة تفاؤلية في حياتي، عندما شاهدتُ نيلسون مانديلا يُقسِم اليمين ليصبح الرئيس الجديد لجنوب أفريقيا، كانت عيوني غامرة بالدّموع، لأنّني شهدتُ انتصار هذه الأمة الجميلة، وشاهدت كيف قاموا بحل عقدة مشكلتهم، وأنا كفلسطيني، أتَفَهَّم مدى معاناة شعب قد تُوصِلُهُم إلى نتيجة، وفي هذه الحالة كانت نتيجةً جميلة، وكنتُ أفكّر مع نفسي، لماذا نحن والإسرائيليون، على سبيل المثال، نتفاوض على الطّلاق، بينما الجنوب أفريقيين تفاوضوا على الزواج، ووصلوا إلى نتيجة سعيدة؟".

- عام 2008، في منتصف نيسان، ربيع الدوحة، وعلى هامش زيارتها لقطر، لإلقاء الكلمة المركزية في "منتدى الدوحة للديمقراطية والتطوير والتجارة الحرة"، ذلك الحدث الذي لم يظهر على شاشات الجزيرة، بينما نقله التلفزيون الرسمي القطري، كانت "تسيبي ليڤني" -وزيرة خارجية الكيان آنذاك- في مكاتب واستوديوهات القناة، تلتقي بمديرها، خنفر، وكبار مذيعي ومُحَرِّري القناة، من أجل فتح حوار حول التوازن في تغطية الأحداث في فلسطين المحتلة.

بعد كل هذا، وغيرِه الكثير مما لا يتسع المجال لذكره هنا، ألا يحق لي أن أسأل: هل يتحمل تاريخ القضية الفلسطينية هذا المديح والثناء والامتنان، الذي غازل به السنوار قناةَ الجزيرة الصهيونية، ذات التاريخ المُضمَّخ بدمائنا؟! وإذا كان هذا الماضي القذر -والراهن كذلك- لدور هذه القناة، ومن ورائها الإخوان المسلمين وحُكام الدوحة، والتي تعمل كحِصان طروادة ملئ بالنجوم السداسية، والمينوراهات/الشمعدانات السباعية، والـ "كيبوت"/القبعات المستديرة، حسب شريعة الـ "هالاخاه"، إذا كان كل ذلك، لم يكشِف للسنوار، ولِمَن يتحدث بِاسمِهِم، حقيقتَها، فما هو إذن، بالتحديد، الأمر الذي سيفعل ذلك؟!!