ينبغي التعامل مع الجوع في لبنان من اليوم فصاعداً على أنّه تهديدٌ واقعٌ لا تهديدٌ محتمل. الأزمة بلغت حدّ تهديد اللبنانيين بانتزاع لقمة العيش لا مجرد اختطاف إيداعاتهم البنكية وأعمالهم وحظوظهم بالحياة الكريمة. البعض لا زال يؤمن بميثولوجيا البلد المحبوب الذي لن يتركه أصدقاؤه للجوع والفقر، وإن كان رهانهم السابق بقدرة هؤلاء على تجنيب لبنان الانهيار قد فشل. التحذير من الجوع ليس دعاية سياسية ولا تشاؤم في غير محلّه، بل هو واقع تثبته الأرقام والإحصاءات. 

منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) حذّرت قبل أشهر من أنّ اليمن وسوريا ولبنان والصومال من الدول المهددة بانعدام الأمن الغذائي لجزء من سكانها. هذه المرة الأولى التي يصدر فيها مثل هذا التحذير بشأن لبنان، الذي لا يعيش بخلاف البلاد المذكورة آنفاً من حرب عسكرية أو اختلالات أمنية. 

القلق الدولي من جوع في لبنان له ما يبرره، فالبلد يفتقد مقوّمات تحمّل أزمات اقتصادية خانقة، فلا هو يستطيع تأمين كمية ملحوظة من حاجاته الغذائية من خلال الزراعة والتربية الحيوانية، ولا الاحتياطات المالية في المصرف المركزي كافية للاستمرار في تمويل جزء من فواتير الاستيراد الغذاء المطلوب، فيما يسبب تداعي سوق العمل وارتفاع نسب البطالة (يُتوقع أن تبلغ 41.4% عام 2021 بعد أن سجّلت 36.9% عام 2020) بعجز متواصل عند شريحة واسعة من اللبنانيين عن بلوغ عتبة تحصيل الحدّ الأدنى من القدرة على الصمود.

البنك الدولي أصدر تقريراً في حزيران/يونيو الماضي قال فيه إنّ الأزمة الاقتصادية في لبنان قد تضعه ضمن أسوأ 10 أزمات عالمية منذ منتصف القرن الـ19، وربما أشد 3 أزمات، ما يعني أنّها أسوأ من أزمة اليونان عام 2008، وأزمة الأرجنتين عام 2001، مقدراً أن يتحقق التعافي في مدة تتراوح ما بين 12 و19 عاماً، ليكون في ترتيب التعافي من الأزمات ثانياً بعد إسبانيا التي استغرقت 26 عاماً للتعافي من حربها الأهلية في الثلاثينيات، وتشيلي التي تطلّب تعافيها من انهيارها الاقتصادي في عام 1926 إلى 16 عاماً.

التضخم الذي بلغ أرقاماً فلكية (84% عام 2020) أدى إلى قص رواتب الموظفين الذين لم تشهد أجور معظمهم تصحيحات مناسبة، فيما أدى احتكار السلع الأساسية إلى جعل المدعوم في خانة المفقود، لتكتمل بذلك الحلقة التي تضيق شيئاً فشيئاً على أعناق اللبنانيين. 

دعكم من المخاوف الدولية، جولة واحدة في أقرب استهلاكية توضح وضع المواطن اللبناني اليوم وقيمة ما يستطيع نيله من الغذاء. إن أخذنا الحد الأدنى للأجور معياراً، والذي يبلغ رسمياً 675 ألف ليرة، فإن عائلة مؤلفة من 3 أفراد ستكون مضطرة إلى دفع نحو ربعه ثمن ربطات الخبر على طول الشهر إن أرادت شراء ربطة (850 غرام) واحدة يومياً. وبحسابات بسيطة، ستكلّفها مائدة فطور متواضعة لا أقل من 400 ألف (2 كيلو لبنة بسعر 100 ألف، 2 كيلو جبنة بسعر 200 ألف، كرتونتي بيض 100 ألف)، بمعنى آخر، فإن فطور متواضع لعائلة صغيرة تبلغ 80% من الحد الأدنى للأجور، وهذا ما يعكس عمق الأزمة التي نعيش.   

وما يزيد الأمر سوءاً أنّ توجه عدد من اللبنانيين نحو الزراعية وتربية قطعان الماشية اصطدم بواقع فقدان مواد الزراعية والتربية الحيوانية الأساسية، فكما تظهر بعض الوقائع، اضطر بعض أصحاب مشاريع الزراعة والمزارع الناشئة إلى التخلي عن مشاريعهم أو البحث عن بدائل بسبب قلة مردود هذه الأنشطة ومواجهتهم عقبات جمّة بينها انقطاع التيار الكهربائي الضروري للري أو ارتفاع أسعار المواد الأساسية بما في ذلك العلف والبذور والأسمدة.   

وفي هذا الصدد، حذّر قسم برنامج الأمن الغذائي في الجامعة الأميركية في بيروت من مخاطر نقص الوقود على القطاع الزراعي، نظراً لعدم قدرة المزارعين على ريّ حقولهم "ما يُرتّب آثاراً سلبية على إنتاج الغذاء المحلي والصادرات الغذائية". 

إذاً الجوع على الأبواب. والجوع لا يعني رؤية أقارب أو جيران على حافة الموت فقط، وإنما هو تهديد يطال الأمن الاجتماعي في كافة نواحيه، وينذر باضطراب لم تظهر إلا طلائعه بعد.