يتجه مصرف لبنان إلى وقف تمويل الدعم كلياً. الإجراءات المتعلقة بالتحرير التدريجي للودائع بالدولار من خلال سداد المصارف بعض الأموال المدولرة والمحتجزة لديها، هو جزء من عملية توزيع الخسائر التي يقودها مصرف لبنان منذ أكثر من سنة ونصف سنة. لن يُمنح المودعون كامل أرصدتهم، وقد تصل نسبة ما قد يستحصلوا عليه في السنوات الـ6 القادمة إلى نحو 50 ألف دولار كحد أقصى بعد توحيد حسابات الجهة الواحدة ومع حسم الأموال المجمدة. تبعات هذه القرارات تصيب عموم المودعين ومن خلفهم سعر صرف الليرة. بهذا المعنى يستهدف مصرف لبنان اللبنانيين عامة، من خلال حمايته لرأس هرم النظام المالي الفاسد في البلاد، والمتمثل بالقطاع المصرفي وكبار المودعين. تعيد إجراءات المصرف النقاش حول توزيع خسائر الأزمة ومعادلاتها. السؤال الأهم أين هي الدولة وأين هم سياسيوها؟ المصرف المركزي يقتل الناس؛ قرارات المصرف تتجاوز مسألة النقد لتطال عموم القطاع الاقتصادي، فيما الغائب الوحيد عن اهمتمامات المسؤولين والمعنيين في هذا البلد، هم المسؤولون عنه.

نهاية المخطّط
تشكل مديونية مصرف لبنان والخسائر اللاحقة بموازنته بسبب تمويل الإنفاق صلب أزمة النقد والاقتصاد اللبناني اليوم. تعود الأزمة بجذورها إلى العقود الثلاثة الماضية. لب المشكلة كانت في مسألتين: دعم سعر صرف الليرة، وغياب سياسات اقتصادية حكومية. من الضروري إعادة التذكير أن مصرف لبنان موّل إنفاق كل المقيمين في لبنان من خلال أموال المودعين بالعملات الصعبة في المصارف اللبنانية. قام رياض سلامة بذلك معتمداً على ضخ دولارات المودعين في السوق لتثبيت سعر صرف العملة. المشكلة وقعت بعيد عام 2011 بشكل رئيسي. لم تعد بيانات المودعين إلى الارتفاع منذ ذلك العام نتيجة للأزمة السورية وانقسام البلد حولها. كان واضحاً لحاكم المصرف المآل الذي سنؤول إليه. ومع ذلك بدى الرجل غير مبالٍ في رهان بونزي على النجاة. كان طوق النجاة الوحيد سياسي. ويتمثل بالرافعة السياسية للبنان إقليمياً ودولياً. الحال تغير بعد عام 2016. هو لم يتغير حقيقة، بل اضطرد بفعل الخسائر الفادحة التي تلقاها القطاع المصرفي. بحلول عام 2019، كانت الواقعة قد نزلت. بالنسبة للحاكم "بأمر الله والمصرف" كان الحل واضحاً وتحت السيطرة. يجب تحميل وزر الخسائر المتأتية عن هذه السياسات الكارثية لعموم اللبنانيين والمودعين أصحاب الودائع الصغيرة. إنها المقتلة. الفقراء يدفعون ثمن سياسات لم يكونوا يوماً شركاء فيها. إنه الظلم بعينه. بالمعنى الطبقي، تدفع الفئات الدنيا من الطبقة الوسطى، ومعهم الفقراء مسؤولية اتخاذ سياسات احتيالية قادها مصرف لبنان منذ ثلاثة عقود. لم يسأل اللبنانيون رأيهم يوماً بدعم سعر الصرف المرتفع والاستدانة من المصارف. حتى وإن سئلوا، كان الطاقم السياسي وخطاب "البلد ماشي" كفيلاً بتعمية ذهن الجمهور عن حقيقة ما سيؤول إليه الأمر. السياسة في خدمة المصرف، والمصرف في خدمة كبار المودعين والمستفيدين من النظام السياسي.

بحسب زياد الحافظ في مقال له في جريدة الأخبار، فإن عموم اللبنانيين وصغار المودعين (من خلال تفاعلهم مع المصارف اللبنانية)، هم الطرف الأضعف في هذه الأزمة. ضخّ المزيد من الكتلة النقدية بالليرة اللبنانية إلى الأسواق يعني تبديد ودائع الطرف الأضعف في الأزمة، ويعني أيضاً انخفاضاً في سعر صرف الليرة وتدفيع عموم اللبنانيين الثمن. هل ينبغي للناس تحمل وزر الساسات الكارثية داخل مجالس إدارات المصارف؟، وهل للناس أي شأن بكيفية تبديد مليارات الدولارات، في ظل خسائر تتراوح بين 70 مليار دولار و90 مليار دولار أميركي؟. إن قرارات مجالس إدارات وأصحاب المصارف اللبنانية هي مكمن المشكلة الحقيقية، فهي وحدها من دخلت طوعاً في تمويل مخطّط هرميّ احتيالي منذ بداية التسعينيات، تحت عنوان إقراض الدولة وإقراض مصرف لبنان. ومجالس إداراتها وحدها من كان يعلم بماهيّة سياسات مصرف لبنان ومآلاته. لكن وفي الآن عينه يبدو عصياً "فهم دوافع المصارف تلك إلا من خلال عاملين: الخوف والطمع" يقول الحافظ.

تغيّر البيئة
ثمة تغير بنيوي طاول بيئة القطاع المصرفي اللبناني مع دخول الحرب الأهلية اللبنانية نصفها الثاني في الثمانينيات. إذ سيطرت طبقة جديدة من رجال الأعمال اللبنانيين على ملكيات المصارف مستفيدة من الأرباح الكبيرة التي حققتها في الخليج (بالأخص في السعودية) مرحلة السبعينيات. بالتدريج بدأت هذه الطبقة تستبدل طبقة العائلات البرجوازية القديمة التي كانت تحتكر العمل المصرفي قبل عام 1975، بأخرى جديدة شملت المهاجرين إلى الخليج ورجال أعمال مقربين من الميليشيات المتقاتلة في بيروت. ومع حلول نهاية الحرب كانت طبقة العائلات البرجوازية القديمة قد خسرت هيمنتها على القطاع لصالح أخرى لها سلوكيات أقرب لما يمكن أن نسميه بسلوكيات "حديثي النعمة".

وعلى عكس الطبقة البرجوازية التقليدية، التي لعبت دور الوسيط بين رأس المال الخليجي والغرب بهدف تمويل الاستهلاك الخليجي، بدأت الطبقات الجديدة تركيز جهودها على مراكمة الأرباح من خلال المضاربة على العملة الوطنية. فاستخدمت القروض لخلق سيولة بالليرة بهدف شراء الدولار الأميركي. وبما أن انخفاض سعر صرف الليرة في حينه كان رهاناً آمناً في ظل سياسات أمين الجميل، كان يمكن تحقيق الأرباح عن طريق بيع الأصول بالعملات الأجنبية وسداد القرض الأصلي. وفي المقابل، كان المصرف المركزي يوفّر الدولارات لهذه المضاربة من خلال تدخله في سوق الصرف الأجنبي. بحلول التسعينيات كانت هذه الطبقة الجديدة قد أحكمت سيطرتها على القطاع المصرفي فارضة توجّهاتها وسياسات المالية.

ورغم أنّ هذه الطبقة كانت مدعومة برأسمال سعودي، إلاّ أنّ هيمنتها على القطاع المصرفي ظلت معرّضة للاهتزاز بسبب حداثة عهدها بالعمل المصرفي، ولارتباطها بالطفرة المالية والسياسية السعودية، مع ما يحمله الارتباط بالسعودية من مخاطر الاهتزاز السياسي. ستؤثر الطبقة الجديدة بشكل كبير على سلوك النظام المصرفي والسياسات النقدية بشكل كبير. فبالرغم من تهيئة هذه الطبقة القطاع المصرفي اللبناني للعب الدور الذي أدّاه لاحقاً بشكل مثالي، إلا أنها ظلت تعاني من اضطراب الخوف من الخسارة، وجشع مراكمة الثروة بشكل سريع.

بالنسبة إلى هذه الطبقة، كانت الخسارة هي خسارة السباق في استملاك الحصة الجديدة من القطاع المصرفي. أما الربح بالنسبة لها، فقد كان مختصراً في الحفاظ على ملاءة المصرف إلى حين انتهاء لعبة مصرف لبنان. بمعنى آخر، كان الجميع على دراية تامة، أن اللعبة البونزية التي يحرص المصرف على لعبها ستنتهي بعد حين. كان الكل مقتنع أنها مرحلة آيلة للانتهاء والأفول. هذا الأمر كان سبباً في ازدياد سباق الحصص في القطاع المصرفي، وسبباً آخر يفسر استماتة المصرف المركزي لتثبيت سعر الصرف لضمان عملية المضاربة وجني الأرباح.
لكن الأرباح الفاحشة، التي أمّنها مصرف لبنان، كانت سبباً لتضاؤل الحساسية. إذ ستصبح الأطراف الاقتصادية الفاعلة أقلّ حساسية تجاه الخسائر كلما ارتفعت قيمة المبالغ المأخوذة في الاعتبار. تشكل النظرية الاحتمالية مرجعية جيدة في فهم سلوك الطبقة الجديدة. ففي النظرية الاحتمالية[1] هناك ما يُعرف بـ: تضاؤل الحساسية (diminishing sensitivity)، أي أنه كلّما كبرت قيمة المبلغ المعني تقلّ حساسية الفرد في الخسارة أو الربح. وهذا يعني أنه إذا عُرض على الفرد خياران: خسارة 3$ على صفقة قيمتها الإجمالية 30$، أو خسارة 20$ على صفقة قيمتها الإجمالية 150$؛ سيختار الخيار الثاني رغم أن القيمة المطلقة للخسارة أكبر. وهذا يعني أن قيمة الخسارة أو الربح تتأثر بحجم المبلغ.
هذا يفسّر كيف انساقت الطبقة الجديدة لمراكمة خسائر كبيرة رغم أن القيمة المطلقة لهذه الخسائر كان من اللازم أن تشكّل تحذيراً من الاستمرار في السياسات عينها. فكلّما كبرت قيمة الصفقات كانت حساسية البنوك تقل لناحية الخسارة أو الربح. فكان أن أصبح لبنان جمهورية مصارف الخوف والطمع. وهو ما يُراد للبنانيين جميعاً، من أبناء الطبقة الوسطى في السابق والفقراء، تحمل تبعاته ولو كان الثمن خسارتهم كل ما يملكون.


[1]  تعتبر النظرية الاحتمالية إحدى أهم نظريات الاقتصاد السلوكي. تُعنى النظرية بشكل رئيس بمحاولة تفسير السلوك غير العقلاني الذي يعتري الأسواق المالية. أسس للنظرية كل من دانيال كانيمان Kahneman، وعاموس تفرسكي Tversky، عام 1979، وأضافا إليها قواعد جديدة في ما بات يُسمى بالاحتمالية التراكمية سنة 1992. انكبّت النظرية في صيغتها الأولى على محاولة تفسير كيفية تقييم الأفراد احتمالات الربح والخسارة بطريقة غير متماثلة، من خلال تقديمها نموذجاً رياضياً لتقييم الاحتمالات تدخل فيه أربعة عناصر تمثّل السلوك اللاعقلاني من وجهة نظر اقتصادية، هي:
- الاعتماد المرجعي (reference dependence): أي أن الأفراد يقيّمون النتائج المحتملة لخياراتهم بناء على نقطة مرجعية موجودة أو على الوضع الراهن.
- تجنّب الخسارة (Loss aversion): يرتبط هذا العنصر بعنصر الاعتماد المرجعي، وهو يُعنى بميل الأفراد لتجنّب الخسائر حتى ولو على حساب تحقيق المكاسب.
- تضاؤل الحساسية (diminishing sensitivity): بأن يصبح الأفراد أقل حساسية نسبة إلى التغيرات في الثروة كلما ارتفعت قيمة المبالغ المأخوذة في الاعتبار.
- ترجيح الاحتمالات (probability weighting): بأن لا يقيّم الأفراد نتائج خياراتهم من خلال احتمالاتها الموضوعية، بل من خلال الاحتمالات المتحوّلة بأوزان ترتبط بالعناصر الثلاثة الآنفة الذكر.