تهاوت الولايات الأفغانية كأحجار الدومينو بيد مقاتلي طالبان الذين لاقوا ترحيباً شعبياً في عموم البلاد بما فيها الولايات التي لا تتشكل غالبيتها السكانية من القاعدة البشتونية للحركة ولم تخضع سابقاًلسيطرتها حتى في إوج توسعها في التسعينات. عشرةُ أيامٍ فقط فصلت بين سقوط أولى عواصم الأقاليم في الجنوب وبين سقوط العاصمة المركزية كابول دون أي مقاومةٍ يعتد بها، ما شكل مفاجأةً يصعب تصديقها حتى في الإعلام الأميركي، وفتح الانهيار السريعُ المذهلُ البابَ أمام تساؤلاتٍ كثيرةٍ وشكوكٍ أكثر، فهل أخطأ الأميركيون في التقدير أم أنهم تعمدوا الخطأ؟ وهل ما حصل مسرحية لحرف الأنظار عن التسوية أم هو كأسٌ مرٌ أُجبر الأميركيون على تجرّعه؟

لا شك أن لأفغانستان سجلٌ حافلٌ في إذلال الامبراطوريات العظمى ولجبالها ووديانها سمعةُ مقبرةِالجيوش الكبرى، ففيها أُنهك جيش الاسكندر المقدوني وفيها اختفى عشرات الألاف من جيوش الامبراطورية البريطانية ولم يعد منهم سوى 16 في القرن الثامن عشر وفيها غرق الجيش الأحمر السوفييتي في ثمانينات القرن الماضي، ولكن ليس هناك أي مبررٍ لدى الرئيس الأميركي ليذل علم وجيش وهيبةَ بلاده  طوعاً من أجل مسرحيةٍ يتقاسم فيها البطولة مع طالبان، ولا يمكن تخيل إقدام الأميركيين على خطوةٍ بهذا القدر من التأثير على مكانة الولايات المتحدة لولا وصولهم إلى الحائط المسدود بعد 20 سنة من المكابرة واستحالة تحمّل كلفة البقاء ولو لشهرٍ إضافيٍ واحد، كذلك من السذاجة الاعتقاد بأن الأميركيين انسحبوا دون خطط بديلة تضمن حداً أدنى من الخسائر، إذ قبل خطاب الهزيمة الذي ألقاه بايدن ثمةَ عشرات اللقاءات بين الدبلوماسيين والعسكريين الأميركيين، من ادارة بايدن وترامب على السواء، وموفدي حركة طالبان في العاصمة القطرية وطوال سنوات من الحرب كان حساب المتحدث باسم طالبان "ذبيح الله مجاهد" على موقع تويتر مفعّلاً دون حجب (تماماً كموقع أعماق التابع لتنظيم الدولة الذي لا يزال يعمل رغم هزيمة التنظيم، فيما يتم حظر أصغر المواقع والصفحات المؤيدة للمقاومة مثلاً).

بانوراما الوضع السياسي والعسكري

يتضح من سياق الأحداث أن تعويل الولايات المتحدة على الفوضى كبديلٍ لوجودها قد سقط، حتى اليوم على الأقل، بسببتهاوي الجيش الأفغاني الكرتوني وسقوط مؤسسات الدولة السريع، فعلى الصعيد السياسي أحدثَ هروب الرئيس الى الامارات، رغم تعهده بتسليم السلطة إلى جهة متوافق عليها، أزمةً دستوريةً وأعطى ذريعةً لطالبانِ لدخولِ العاصمةِ بحجّةِ سدِّ الفراغِ الأمنيِ والسياسي ومنعِ الانهيار، وبدت ملامحُ صفقةٍ لتقاسم السلطةِ مع الرئيس السابق حامد كرزاي ورئيسِ لجنةِ المصالحةِ عبدالله عبدالله ، لكنّ الحركةَ منذ دخولها العاصمةَ في 15 آب الجاريلم تعلن كاملَ تصوّرها لادارة البلاد بانتظار الجلاءِ التام لقوات الاحتلال الأميركي وتبلورِ نتيجةِ المفاوضاتِ مع الأطرافِ الداخلية والخارجية، تاركةً المجالَ للتكهنات حول شكلِ المرحلة المقبلة، أهوحكومةٌ مؤقتةُ  تشرف على انتخاباتٍ تحتاجها طالبان لاثباتِ شرعيتها أمإمارةٌإسلامية؟ أم حكومةُ موسعةٌ تضم  الجميع ويتحمل فيها كافة الاطراف المسؤولية؟ خصوصاً أن نائب الرئيس الفار أعلن نفسه رئيساً مؤقتاً للبلاد في اقليم بانشير شمال شرق البلاد حيث تحتشدُ قوى المعارضة ومؤيدو الحكومة السابقة وتتبلورُ جبهةُ معارضةٍ مناهضةٍ لطالبان تحت مسمى "جبهة المقاومة الوطنية الأقغانية" في معقلِ التحالف الشمالي السابق بزعامة نجل القائد التاريخي أحمد شاه مسعود، لكن تحركاً كهذا يحتاجُ دعماً مالياً ولوجستياً وغطاءاً سياسياً دولياً يبدو غير متوفرٍ حالياً بسبب موقف دول الجوار، لكنه خيار قائمٌ يتم التلويح به لا سيما أنّ احتياطات البنك المركزي الافغاني البالغة 9 مليارات مخزنة في الخارج وغالباً ستستخدمها واشنطن لتنفيذ أجنداتها وعرقلة أي نموذج حقيقي للاستقلال في أفغانستان.

 أما على الصعيد العسكري فقد كانت توقعاتُ الحكومةِ المركزيةِ السابقةِ تفترض بأن صمود قواتها قد يستمر لأشهرٍ ستةٍ بعد الانسحاب الأميركي ريثما يصلُ الشتاء وثلوجه ويفرضُ الجنرالُ الأبيضُ هدنةً اجبارية وهو ما لم يحصل بل العكس، وعوضاً عن أخبار المعاركِ المفترضة تتالت أخبارُ سقوطِ أسلحةِ الجيش الأفغاني بيد طالبان وتزاحمت التقارير عن عدم كفاءة الجيش الأفغاني المُدرب أميركياً وانهياره أمام طالبان خلال أيام في مشهدٍ مماثل لسقوط فرق الجيش العراقي المدربة أميركيا أمام داعش عام 2014، وطًرحت الكثيرُ من الأسئلةِ عن حقيقة ما جرى وعن المليارات الثمانين التي قيل أنها أنفقت على بناء أجهزة الأمن الأفغانية.

بقراءةٍ سريعةٍ لأنواع وكمياتِ الأسلحةِ والأعتدةِ يتضح أن ما يُقال عن أسلحة بالمليارات وأسلحة حديثة هو مجرد حرب نفسية وما تُرك لا يُعد شيئاً عظيماً بالنسبة لبلدٍ بحجم أفغانستان بل لا يزيد كثيراً عما تمتلكهُ الحركةُ أو يمكنها امتلاكه إذ أن معظمَ الاحصاءاتِ تشيرُ الى عددٍ ضخمٍ من الآليات مقابلَ عدد محدود من الأسلحة التقليدية وبعض الطائرات الخفيفة كالسيسنا والسوبر توكانو، وهذا ما يقودنا إلى شبهاتِ فسادٍكبرى حيث أن تقديراتَ قوةِ الجيش الأفغاني الذي بناه البنتاغون وشكلَ أبرزَ بنودِ استراتيجيةِ إدارة أوباما تشير بشكلٍ واضحٍ إلى إلى فسادٍ مقصودٍ حيث أن معظم الأموالِ التي تداولتها التقارير ذهبت بالفعل إلى شركات الأسلحة والأمن الأميركية وليس إلى مخازن الجيش الأفغاني،  وبمزيد من التمحيص نجد أن الرقم الكبير المتداول سببه الارتفاع الكبير في أسعار الأسلحة الأميركية مقارنةً بمثيلاتها الروسية والصينية، وارتفاع كلفة التدريب الأميركي (كذبة التدريب يعرفها اللبنانيون جيداً حيث يتبين أن معظم أموال الهبات الأميركية هي عبارة عن ساعات تدريب باهظة الكلفة) كما تشير تقاريرٌ إلى أن ضباطَ الجيش الأميركي كانوا، على عكس ما يشاع، مدركينَ لوضع الجيش الأفغاني وأقصى ما كانوا يتوقعونه هو دخولُ أفغانستان في دوامة عنفٍ لا ينتصر فيها الجيش، كما لم يكن في تصورِهم أنه قادرٌعلى خوض حروب أو حتى إدارة معارك صغيرة لأسبابٍ بنيويةٍ كثيرة منها سوءُ إدارةِ المواردِ ونقصُ المعداتِ والتقنياتِ والارتباطُ الكاملُ بمصادرِ تسلّحٍ محددةٍ ومشروطةٍ وضعفُ القيادةِ والسيطرة وانتشارُ الأميّةِ وضعفُ الولاءِ الوطنيّ وظاهرةُ الهروبِ من التجنيدِ التي بلغت 25% عام 2020، وسوءُ التدريبِ الأميركي (عرض الأميركيون، مثلاً، تدريباً عبر تطبيق زوم الالكتروني في بلد يفتقد لشبكة انترنت وحواسيب جيدة).. يُضافُ إلى كل ذلك ثغرةٌ كبيرةٌ في عديد الجيش إذ لا يمكن لجيش قوامه 300 ألف جندي (بينهم 8000 في القوات الجوية تقوم طالبان باصطيادهم تباعاً) أن ينهارَ أمامَ ميليشيا عددها 70 ألف مقاتل، إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذه الأرقام موجودةٌ على الورق فقط، حيث كان القادةُ الميدانيون يرفعون أرقاماً وهميةً مبالغاً فيها للحصول على الرواتبِ والموازنات وبالتالي زيادة نفوذهم وثرواتهم. أما الجنود الحقيقيونَ فلم يكونوا أحسن حالاً إذ لم يكن لديهم الاستعدادُ للقتالِ وبذلِ الدماء من أجل قادةٍ "فولكلوريين" عفا عليهم الزمن يُثرون على حسابهم –كعبد الرشيد دوستم الذي فر الى أوزباكستان وعاد ليقود الثورة ولكن من تركيا!- أو من أجلِ حكومةٍ متهالكةٍ فرضها الأميركيون ولم تُشعرهم بأي تحسن حتى في حتى في المدن الرئيسية التي اقتصر عليها وجودُ الدولةِ الهشة، حيث لا بنيةَ تحتية ولا ماءَ ولا اتصالات وتقتصر خدمةُ الكهرباءِ على 30% فقط من الشعب الأفغاني.

يقول فهمي هويدي في كتابهِ "طالبان جندُ الله في المعركة الغلط" عام 2001 أن "طالبان أثبتوا نجاحاً نسبياً في إزهاقِ الباطلِ لكنّهم فشلوا في إحقاقِ الحق"، ويُتوقع أن تعاني الحركةُ من مشاكلِ الحكمِ المركزي في بلدٍجبليٍّ مشرذمٍ ومن مصاريفِ جيشٍ مركزيٍ موحّد، لكن تقديراتَ الأمم المتحدةَ تشيرُ إلى أن دخل الحركة السنوي يتراوح بين 0.3 و1.6 مليار دولار وهو رقم ضخم بالنسبة لميليشيا محلية في دولة كأفغانستان، 460 مليون دولار منها تتأتى من تجارة الأفيون –التي تُزرع وتصنع تحت أنف قوات الايساف في أفغانستان  منذ 20 سنة وتتدفق إيراداتها إلى بنوك الامارات العربية المتحدة فيما تتوزع سمومها على دول الجوار الأفغاني لا سيما إيران، ومنها 464 مليوناً من التعدين، و160 مليوناً من الأتاوات، و240 مليوناً من التحويلات الخارجية التي أشار اليها بيان الخارجية الروسية بالقول ان "طالبان تُموّل من صناديق إسلامية خليجية"، وكل هذه الأموال تنساب بسلاسة مريبة عبر الأنظمة المالية العالمية التي تراقب أصغر مبلغ يمكن أن يصل إلى إيران أو فنزويلا أو سوريا وتغلق مصارف (لبنان مثالا) بجرة قلم من موظف في الخزانة الأميركية لمجرد الشبهة، لكنها تعجزُ عن ضبط مئات ملايين الدولارات التي تخصّ طالبان (وقبلها داعش والنصرة وأخواتها في سوريا والعراق واليمن). أما الأهم الآن فهو الثروات الهائلة التي يختزنها باطن أرض أفغانستان وتناهز قيمتها تريليون دولار، كالليثيوم الذي قد يكون أكبر احتياطي في العالم أي بحجم احتياطي بوليفيا، والنحاس بقيمة 88 مليار دولارٍ وهو ثاني أكبر إحتياطي في العالم، والحديد بقيمة 420 ملياراً، والبريليوم بقيمة 58 ملياراً إضافة إلى مناجم الذهب الأربعة ومكامن الوفود الأحفوري. هي ثروة تبعث على التفاؤل في مستقبل التنمية للشعب الأفغاني لكنها في الآن عينه تثير التشاؤم كمعظم ثروات الدول النامية، إذ لا شك أن لدى الأميركيين خططاً كثيرةً لحرمان الأفغان من الاستفادة منها في التنمية، بل في مشاريع الاقتتال الداخلي وحروب الجوار والانفاق على التسلح، ولعل أكثر الصور تعبيراً عن سوداوية المشهد هي صورة أستاذٍ أفغاني أمام تلامذته في العراء لعدم وجود مدرسة وخلفه مدخنة تابعة لشركة albemarle corp الأميركية لاستخراج الليثيوم الباهظ الثمن الهام والهام جداً في صناعة القرن.

الساحة الدولية

قبيل إعلان الانسحاب أيضاً كان وفد طالبان يجول بصمت على دول الجوار المعنية بالملف الأفغاني من موسكو وبكين إلى طهران وإسلام آباد وساد ترقبٌ يوحي بالاطمئنان لدى عواصم هذا الدول للمسار الجاري أو أنها تستمرئ مشهد إذلال اليانكيز في وسط آسيا، فلدى باكستان علاقاتها القديمة بحركة طالبان التي ولدت في المعاهد الدينية الباكستانية عام 1994 برعاية الاستخبارات الباكستانية (بعد الانسحاب السوفييتي بسنوات وليس قبله كما يتصور البعض ويخلط بينها وبين مجاميع المجاهدين الذين قاتلوا السوفييت) كما أن باكستان ترى أنها تعرضت لخسارة كبيرة بعد الغزو بفعل التقارب الاقتصادي والسياسي الفج بين الحكومة الأفغانية والهند، أما موسكو المتخوفة من عودة "الإرهاب" إلى حدودها الجنوبية والتي تصنف طالبان كحركة إرهابية فقد صرحت خارجيتها بأن "لا جدوى من الفزع وتم تجنب حمام الدم بين المدنيين الأفغان والوضع يتجه نحو الاستقرار وطالبان تفرض النظام العام" ما يوحي بتغيرات في الموقف  الروسي تجاه طالبان وتعويلاً على تركيز الحركة على بعدها القومي وجذورها الاجتماعية داخل الحدود، وإن كان الترحيب الروسي بالانسحاب بدا أكثر شماتةً بالأميركيين فهو الموقف الإيراني إزاء التطورات الأفغانية ، إلا أن إيران أكثر انخراطاً في المشهد فهي ما تزال بعيدةً عن علاقة صحية مع طالبان، فضلاً عن تحالفٍ أبعد، وبين الطرفين حسابٌ قديم فيه قتل الدبلوسيين الايرانيين عام 1998 واضطهاد الشيعة، وملفاتٌ شديدة التعقيد تبدأ من مشكلة الحدود الممتدة على مسافة 572 كيلومتراً ولا تنتهي بمشكلة تصدير المخدرات إلى إيران وتدفق المهاجرين وأزمة المليوني لاجئ في إيران، ومشكلة المثلث الحدودي البلوشي بين باكستان وايران وأفغانستان المدعوم سعودياً بالمال والاعلام والدعاة السلفيين والذي يضخ الارهاب والمخدرات باتجاه جنوب شرق ايران، كذلك ثمة ملفات اقتصادية هامة على رأسها التبادل التجاري وميناء تشابهار واتفاقيات النفط والكهرباء، وان كانت المصلحة المشتركة فرضت تعاوناً محدوداً للحرب ضد داعش فإن هذه المصلحة توسعت بشكل أكبر ويمكنها فرض علاقات متوازنة بين الجارين.

ينسحب الارتياح على موقف الصين التي ترى أنها تخلصت من الوجود الأميركي على حدودها البرية وبالتالي يمكنها التفرغ للمواجهة البحرية مع الولايات المتحدة على حدودها الجنوبية، وجاءت تصريحات بكين إيجابية تجاه الوضع المستجد لاسيما كلام مندوب الصين في الأمم المتحدة حول تفاوض طالبان من أجل حكومة إسلامية شاملة ومنفتحة وتوقع بلاده "احترام ذلك"، لتثبت أن حالة التنافس بين الولايات المتحدة والصين ستلقي بظلالها حتماً، خصوصاً أن افغانستان تقع على طريق الحرير المزعج لواشنطن وتزخر بالثروات الباطنية التي ستجد الحكومة الأفغانية العتيدة نفسها أمام خيار التعاون الاجباري مع الصين لاستخراجها.

أما موقف حلفاء واشنطن فقد بدا مربكاً حتى ضمن الدول الاعضاء في تحالف إيساف التي ظهرت كأنها مجرد زينة وهو ما ظهر في حديث بالغ الدلالةلممثل الاتحاد الاوروبي للشؤون الخارجية يقول فيه"أنا أندم كثيرا على الطريقة التي جرت بها الأمور لكن أحداً لم يسأل عن رأي الأوروبيين، يجب علينا أن ننظم أنفسنا لنتعامل مع العالم كما هو لا كما نحلم به"، وأكده تصريح المستشارة الألمانية انجيلا ميركل بأن "أسبابا سياسيةً داخلية أميركية ساهمت في قرار سحب القوات الأميركية"، فيما كان أقرب المواقف الى القرار الأميركي هو الموقف البريطاني كالعاده حيث دعا قائد الجيش البريطاني لاعطاء طالبان فرصة لربما "يكتشف العالم أن الذين حاربناهم معهم طيلة عقود على أنهم متشددون قد أصبحوا أكثر عقلانية" وهو نفس موقف جنرالات البنتاغون الذي التقوا طالبان على مدى أشهر في الدوحة.

على الساحة العربية القريبة جغرافياً كان انعدام الوزن سيد الموقف حيث اقتصر الحضور العربي على دور "السمسار" الذي لعبته قطر بين الحركة وواشنطن ودفعت مقابله ملايين الدولارات وحملةً اعلامية ضخمة، فيما تكفلت الامارات باستقبال الرئيس الأفغاني المستقيل وملياراته وتعهدت المملكة السعودية، سراً، باستقبال عشرة آلاف لاجئ من عملاء أميركا الفارين على أراضيها، كما سادت حالةٌ من اللاموقف في الشراع العربي السني الذي وقف حائراً أمام المشهد، إذ ليس من السهل تأييد حركة طالبان باعتبارها حركة مقاومة سنية هزمت الاحتلال الأميركي ولم يعد من السهل أيضاً بعد "الربيع العربي" وهزيمة داعش تبني المواقف المناهضة للولايات المتحدة حتى لو صدرت عن حركات سنية الهوية. لكن الواضح كان الترحيب الاخواني المباشر وترحيب اتحاد العلماء المسلمين الضبابي، وهي مواقف طبيعية بالنظر الى انخراط إمارة قطر في التسوية وسعي تركيا المحموم لحجز مكان لها على الخريطة القادمة لأفغانستان وحفظ حصتها من كعكة إعادة الإعمار والأسواق والاستثمار في الثروات الباطنية الواعدة لكن رغم تودد إردوغان للحركة وتصريحات الحركة المرحبة بالمواقف التركية إلا أنها أصرت على مغادرة القوات التركية ككل القوات الأجنبية، وهذا ما يُنبئ بامكانية نسخ التنافس الدموي التركي الخليجي على ليبيا في أفغانستان، خصوصاً أن لكل طرف أوراقه القوية فتركيا مستعدة لاستثمار الرابط العرقي التركي وشعارات الوحدة الاسلامية  والسعودية والامارات مستعدة لاستثمار علاقاتها القديمة مع الميليشيات الأفغانية، علماً أن طالبان غير مصنفة كحركة ارهابية في الامارات المتحدة والمملكة السعودية وباكستان.

بالمقابل، عمت موجة من القلق على المستوى الشيعي الشعبي تجاه مصير أقلية الهزاره الشيعية واستعيدت مشاهد المذابح على يد طالبان في التسعينات عقب سقوط معقلهم "مزار شريف"، لا سيما بعد تداول مشاهد وصول عناصر طالبان الى ساحات مزار شريف منذ أسابيع واسقاط الرايات الحسينية، لكن حضور ممثل طالبان السريع الى مجلس عاشوراء في الولاية واعتذاره عما بدر من مقاتليه وابداءه الرغبة في طوي صفحة الماضي والانفتاح على الجميع هدئ المخاوف مبقياً على منسوب عالٍ من الحذر والترقب وكان فارقاً موقف قائد الثورة في إيران آية الله الخامنئي الذي نظر إلى مستقبل البلد من زاوية مصلحة الشعب الأفغاني بالدرجة الأولى، إذ أن الأصل ليس أن تعجبنا أفكار طالبان أو أي جهة في أفغانستان بل ما هي الحكومة الأكثر تمثيلاً لمصالح الشعب الأفغاني وطموحاته ومن باب أولى ما هو موقفها من قضايا أمتنا وشعوبنا المحقة.

الساحة الافتراضية

بالتوازي مع عمليات الانسحاب الأميركي انطلقت حملاتٌ الكترونية وإعلامية منظمة وأخرى عفوية شوّهت مسار الأحداث ورسمت صوراً متخيّلة عن الواقع حيث تم تصويرالمشكلة وكأنها بدأت اليوم وأنها نتاج الانسحاب الأميركي خلافاً لواقع المشاكل الأفغانية المتراكمة منذ عقود والتي زادها الاحتلال تفاقماً وعمقاً باعتراف بايدن الذي أقر بأن "بناء دولة لم يكن هدفنا"، وبدأت جوقات الندب على حقوق الانسان ومصير الشعب الأفغاني، وهو شعب يستحق الرثاء بكل المقاييس ولكن دون الاستنسابية البغيضة، إذ كان الجميع غائباً عن مئات الضحايا المدنيين الأفغان الذين كانوا يُقتلون بغارات الطائرات بدون طيار في أعراسهم ومآتمهم وأسواقهم وحقولهم وعن مئات الضحايا الذين اعترف الجيش الاسترالي بأن عناصره قتلوهم بقصد التسلية و"اثبات الذات"، وعن الآلاف من المعتقلين في سجون الاحتلال في أسوأ الظروف دون التفات لأدنى معايير العدالة وحقوق الإنسان.وبعد ساعات على صور دهس الطائرات الأميركية للمحتشدين في مطار كابول عملت الدعاية الأميركية على نشر مئات الصور الدعائية لجنودٍ أميركيين يحاولون انقاذ أطفال ونساء أفغان فارين، وانضم مشاهير هوليوود كأنجلينا جولي إلى البروباغندا الأميركية الممجوجة وعادت لتطالعنا صور النساء الأفغانيات "المتحررات" بالمفهوم الغربي بالأبيض والأسود يلبسن التنورة القصيرة ويرتدن الجامعات خلال الفترة الشيوعية، لمقارنة الحاضر المظلم لأفغانستانبماضيها الوردي الذي لم يكن كذلك قط إذ أنها صورٌ لطبقة محدودةً جداً كانت مرتبطة بشكل مباشر بموسكو ومتنفّعة منها أما عموم الشعب فكان وما يزال على ما هو عليه من الفقر والجهل، (تنشر نفس الصور بسذاجة للاشارة الى مصر قبل الناصرية والعراق خلال الملكية) وفي الآن عينه تُبث عبارات الاشمئزاز وتنميط صورة القروي الأفغاني الفقير ذي الزي التقليدي واللحية الكثة وجعلها مرادفاً للإرهاب، وهو تنميطٌ لا نجده مثلاً لصورة الكاوبوي الذي قتلَ من شعوب الأرض أكثر مما قتلته جميع الأعراق مجتمعةً كما لا نجد أي إشارة إلى دور الولايات المتحدة قبل الاحتلال وبعده في تعميق الهوةِ الحضارية بين الشعب الأفغاني وشعوب العالم، وفي خلق المزيد من الأزمات المتوالدة التي جعلت أفغانستان تحل في المرتبة الثانية على قائمة الطوارئ الدولية لعام 2021 بحسب لجنة الانقاذ الدولية، أي بعد الأزمة اليمنية التي يموت فيها طفلٌ كل عشر دقائق، بحسب تقارير الأمم المتحدة، بسبب الحرب السعودية الأميركية على اليمن التي وللصدفة يخوضها حلفاء واشنطن جنباً الى جنب مع مقاتلي القاعدة وداعش وعموم أخوات طالبان.

سقطت كل شعارات واشنطن التي خيضت وتُخاضالحروببذريعتها وخسرت واشنطن الحرب الأطول في تاريخها باعتراف رئيسها،  وبقي المشهدان الأكثر وضوحاً هما مشهد مغادرة الرئيس "أشرف غني" بسياراته  الملأى بالأموال لدرجة عدم اتساع المروحية لجميعها واضطراره لتركبعضها على مدرج المطار، وهو الذي سوّق له الأميركيون ونجحوا في تلميع صورته وتقديمه للعالم كمنقذ لبلاده باعتباره رمزاً للتكنوقراط الناجح كعالم انتربولوجيا مصنف ضمن قائمة أبرز 100 عالم وصفقت لها منظمات المجتمع المدني حول العالم بما فيها لبنان–بلد زوجته-  الذي فرح فيه البعض لترؤسِ "صهرِ البلد" بلاداً يحكمها الأميركيون البيض، والمشهد الآخرهو ما نقلته الصحافة العبرية التي تخوفت من "بيت العنكبوت، نسخة 2021" وقارنت الانسحاب الأميركي المذل من أفغانستان دون تنسيق مع الحلفاء والعملاء بالانسحاب الإسرائيلي المذل من لبنان دون تنسيق مع جيش لبنان الجنوبي العميل، وتداولت مشاهد العملاء اللبنانيين الهاربين في أيار 2000 يتوسلون عند الحدود اللبنانية الفلسطينية ويصرخ أحد قادتهم العبارة الشهيرة في لبنان "كنا نتوقع أن نُطرد ولكن بشرف!" مع مقارنته بمشهد العملاء والمترجمين وأفراد الجمعيات غير الحكومية  الأفغان يتعلقون بعجلات الطائرات الأميركية في مطار كابول. أما حول العالم فثمة من كان ينظر إلى الطائرة الأميركية الهاربة ويًسقط وجوه عملاء بلاده وجمعيات المجتمع المدني المرتبطة بالغرب على أجساد الأفغان المتعلقين بعجلاتها والمتساقطين عنها من الجو.. وينتظر