عرف الانسان منذ قديم الازل تقنية السرد القصصي التي تمكنه من توصيل رسالة ما أو بث مشاعر معينة كذلك لعبت الأديان دورا هاما في ترسيخ قيمة القصة في التوجيه ونقل المعرفة والخبرات الاجتماعية والوصايا والحكمة.. إذ لم تخلو ديانة ما من قصص تحكي قيمة الخير وتحذر من الشر لا سيما الأديان السماوية بكتب التوراة والانجيل والقران.

ولما كانت للقصة هذه الأهمية فلقد استغلها الملوك والحكام لتوصيل أفكار معينة إلي ذهن المجتمع للسيطرة عليه ولقد تطور الأمر تطورا بالغ في الأهمية بعدما تمكن الإنسان من الوصول للتنكولوجيا التي منحته القدرة على تصوير هذه القصص في شكل أفلام سينمائية.

وبما لها من قدرات على إضافة البعد الفني لحكاية القصة بوجود ممثلين وتقنيات ومؤثرات بصرية وصوتية استطاعت الشركات الاعلامية أن تبث العديد من الافكار وتهدم الكثير من القيم وتوصل ما يريد السادة والاغنياء والحكام إيصاله.

وكان للحكومات الديكتاتورية والاستعمارية رصيد ضخم من هذا التلاعب فلقد باتت الصورة والفديو أحد أهم الأسلحة القادرة على توجيه أعظم الضربات الثقافية والاجتماعية لأي فئة مقصودة..فلكم تلاعبت هوليوود بالمراهقين والكبار وبقضايا المرأة وروجت لخلق مجتمع مغاير تماما لما عرفته البشرية طوال عمرها.

وللسياسة الأوربية عامة والأمريكية خاصة في صناعة السينما مستويات فمنها ما يختص بتغيير بنية الوعي المجتمعي الخاص بهم، ومنها ما يتعلق بتوجيه أفكار سياسية تختص بأنظمتهم...ويبق المستوى المتعلق بالترويج للهيمنة الامريكية على باقي العالم أهم المستويات التي تعنى بها مؤسسات السينما والدراما والاعلام الأمبريالية.

لقد صوروا لنا مجتمعاتنا بشكل مخزي ومخجل جعل النشء الجديد يكره التحدث عن تاريخنا وآثارنا الحضارية وينظر لنفسه بتقييم أقل..ولا يرى في بلاد الغرب إلا القدوة عبر صورة براقة تبرز معاني زائفة لا وجود لها إلا على المستوى الشكلي مثل الحريات والديمقراطية الأوربية والامريكية.. وتأثر الشباب بالخطاب الليبرالي الذي يحفز التحرر المجتمعي على أنه انطلاق الانسان نحو تحقيق ذاته وتخليصه من القيد الديني وفك الارتباط بين الفرد وأسرته التي تقمع مواهبه وأحلامه بينما يترصدهم السوق العالمي للأنقضاض عليهم كمستهلكين للمنتجات التي لن تباع في أي مجتمع محافظ والأمر لا يبدأ بزيادة القلق والتوتر الإنساني ولا بالمغريات الإعلانية فحسب ولا ينتهي حتى بتجارة الجنس والموضة بل إنها معضلات طويلة وشائكة يصعب حصرها..وبالطبع لم تكن هذه الادعاءات عن الحريات والأمركة المثالية محل فحص لما يتمتع به السناريو الإعلاني أو السينمائي من قدرة على اقناع محد دي الفكر وقليلي التجربة، والخائفين من المستقبل.. واولئك الذين أقنعهم العملاء والمخبرين بوضاعتهم وضآلة قدرهم.

لقد روجت أمريكا لنفسها بطولات خارقة وجيش لا يهزم وشرطة متفانية وشعب متحضر متعلم متطور وخير يقف مع الحق ويناضل من اجل الآخرين..يدافع عنهم ويخلصهم من الشرور.

إن رسوخ مثل هذه الأفكار ولد بيننا القابلية للاضطهاد والميل للإنقياد وجعل من التبعية أمر علمي وموضوعي وغيب معاني الكرامة والشرف والسيادة والفداء..ولا ينبغي التفكير بغير ذلك فالمقاومة تطرف والانتصار مستحيل!

إن إمبرالية الصورة وسيطرة وإرهاب الإعلام الأجنبي زاد من حدة مخاطرنا الأخرى المتمثلة في الحكومات الخائنة والمثقفين العملاء. وكل ذلك يفاقم مخاطر الفقر والجهل ويجعل من التبعية والأنقياد كما أسلفنا أمر منطقي...فكانت الحاجة إلي إعلام مضاد وسينما مقاومة حاجة ملحة وعاجلة.