قبل "ثورة 17 تشرين" في الفترة بعد انتهاء عهد ميشال سليمان والتي بقيت فيها البلاد في فراغ رئاسي لمدة سنتين لمعالجة التسويات. استطاع حزب الله أن يوصل حليفه الرئيس ميشال عون إلى الرئاسة بسبب حصول فئة "8 آذار" المؤيدة للمقاومة، والممانِعة للمحور السعودي الأمريكي على الأغلبية النيابية، والتي بدورها تمكنه إلى حدّ ما من النفوذ إلى مفاصل الدولة لحماية خيار المقاومة.

في هذا المرحلة، كانت إرهاصات النظام السياسي والاقتصادي الفاسد قد بدأت تظهر، وكانت بداية الانهيار الاقتصادي في بلد ما فتئ الفسادُ فيه نظامًا.

في إحدى المحاولات لتغطية العجز، تم اقتراح ضريبة على الواتساب كانت كالشعرة التي قصمت ظهر البعير، خرج على إثرها الناس إلى الشوارع بشكل عفوي وانخرطت بشكل متجانس أي بدون أي فرز واصطفاف، لكن سرعان ما بدأ الفرز وظهر شعار "كلن يعني كلن" في لحظة غليان الشعب.

في ساحات الاحتجاج، كان هناك فرزًا لم يكن واضحًا على كاميرات البث المباشر، لكنها سرعان ما أصبحت مقسومة إلى قسمين، منظمات غير الحكومية NGO's وقوات وكتائب ومستقبل واشتراكي، والقسم الآخر قوى وطنية لها تاريخها النضالي مع مجموعات مستقلة نظمت نفسها وليدة اللحظة الثورية. أول من أطلق الشعار المنظمات المدنية ثم تبناها المتظاهرون المتحمسون مباشرة، وسرعان ما أعقبته الشعارات التي تستهدف حزب الله وسلاحه بشكل أساسي باعتباره "الحزب الذي يهيمن على الدولة بقوة السلاح"، وبدأت وسائل الإعلام بالتصويب على هذه الفكرة تحت مبدأ تبنيها لمطالب الناس، ومن خلال الاستصراحات التي كانت تجريها مع الناس، ومن خلال تأطير الثورة بالتركيز على المجموعات التي ترفع هذه الشعارات وتكرارها، بدت هذه الاستهدافات كأنها "مطالب ثورية".

 كان توزيع الخيم الخاصة بالأحزاب المخصصة للنوم وإقامة النشاطات والندوات قد قسمت ساحة الشهداء ورياض الصلح إلى مناطق نفوذ، ذلك بالإضافة إلى توزيعهم الجغرافي في مناطقهم حيث كانوا يعمدون إلى قطع الطرق فيها.

 فكيف تفاعل كل هؤلاء مع شعار “كلن يعني كلن

- المستقبل كان لهم حضور جيد ووازن، حضر الناس منهم بصفتهم المواطنية ورددوا شعار "كلن يعني كلن" بكل أوجاعهم، ولكن، عندما استقال الحريري وبقي عون وبري في السلطة، اختلف الموضوع؛ عادوا إلى قواعدهم الحزبية.

- اعتبر القوات أنفسهم خارج السلطة، وبأنهم حزب معارض منذ البداية، وأن شعار "كلن يعني كلن" لا يشملهم. في الساحات، كان ثمة مجموعات منزعجين من وجود حزب من أحزاب السلطة بينهم، رفعوا شعار "صهيوني صهيوني سمير جعجع صهيوني"، فردّ عليهم جمهور القوات "كلن يعني كلن نصر الله واحد منن". حصل مثل هذه المناوشات والاستفزازات طيلة فترة الاحتجاجات، مع العلم أن هذه المجموعات التي هتفت ضد جعجع ليست محسوبة على الثنائي الشيعي.

- تحركات مطلبية عفوية جابت منطقة عاليه والشوف في الأيام الأولى للثورة، حملوا فيها يافطات كتب عليها كلن يعني كلن، ورددوا "كلن يعني كلن وليد واحد منن". وقاموا بقطع الطريق الدولية وطريق عاليه، وكذلك صوفر مفترق وصلة الأوتوستراد العربي، حاول موكب وزير التربية حينها أكرم شهيب المرور، وتم منعه من قبل المحتجين. كان لك قبل أن يركب الاشتراكي موجة الثورة باعتباره "أول المطالبين بالدولة المدنية العلمانية الخالية من الفساد، ودخل بشكل رسمي في الحراك، الأمين العام لـ"منظّمة الشباب التقدمي" سلام عبد الصمد، أشار إلى أنّ "منظّمة "التقدمي" شاركت "رسميّاً في المظاهرات في بداية الحراك، لكنّ الحراك أكل نفسه". بعدها هدأ الشارع الدرزي عن هذا الهتاف.

- الأحزاب اليسارية، ما عدا مجموعة "اليسار الجدد"، رددوا شعار كلن يعني كلن مضافًا إليه أسماء كل الزعماء والسياسيين ما عدا السيد نصر الله، لم يدخل معهم في الشعار.

- حتى النواب المستقلين حضروا في الساحة، مثل النائب فؤاد مخزومي الذي كان له مجموعة باسم "لبنان اللقاء"، ونصبوا خيمة وأقاموا فيها الندوات.

هكذا نرى أن جمهور التظاهرات لم يكن متجانسًا أبدًا، وأغلب الناس نزلت ضمن توجهاتها السياسية وليس بصفتهم الشخصية، ومن بقي من الجمهور انخرط مع تجمعات منظمات المجتمع المدني التي حاولت حشد أكبر عدد ممكن من الناس، والقليل الذي لا يذكر نزل بمبادرة شخصية.

والجدير ذكره، في الأيام الأولى للمظاهرات لم يكن الوضع على هذا الحد من الفرز، ومع مرور الوقت القليل، بدأت الاصطفافات تتشكل بشكل بديهي. ويعود الناس إلى أحزابهم وانتماءاتهم الطائفية، وهكذا لم يكن هناك أي إجماع على مضمون "كلن يعني كلن"، ومن كان على الأرض يعلم جيدًا أن الكثير من التظاهرات انفضًت بسبب شعار "كلن يعني كلن".

سيميائية الشعار:

ليس ثمة تعريف ومنهج واضح لهذه الشعار، ولا لمواصفات الأشخاص الذين يشملهم، عندما نقول "كلن يعني كلن"، كلهم ماذا؟ هل هناك رابطة بين الدال "كلهم" بمدلوله الحقيقي لـ "الزعماء السياسيين"، هل كلهم فاشلون، أم عاجزون، أم سارقون، أم فاسدون،.. وهل جميعهم بنفس المستوى من أي نمط سيشملهم؟

الواقع أن عدم وجود نمط pattern محدد للشخصيات الذين يشملهم الشعار سيؤدي إلى عملية تعميم غير منطقية ستؤدي بدورها إلى خلق سياقات غير محددة للشعار تبقي الخيارات مفتوحة على الاستثمار السياسي للتعميم، والإلهاء، والشيطنة، وغيرها من استراتيجيات التضليل، ذلك أن هذا الشعار لو كان يحتمل الحقيقة لكان واضحًا ومحددًا. وبالنظر إلى خصائص الجماهير المنضوية في الانتفاضات والثورات، فإن الفرد حين يكون منضويًا في جمهور، فإنه لن يبحث عن الحقيقة بالأدلة والبراهين، بل سيتحول إلى جزء من كتلة تسير نحو الهدف الذي تتوق إليه، الشعارات التي يطرحها المحركون هي العجلات، والعجلات ستصل بالجمهور إلى هدف المحرك. وفي الحالة هنا، ليس هناك تحديد واضح لهوية المحرك، أو بالأحرى ليس ثمة وجود طبيعي للزعيم أو القائد المحرك، وهذه العملية تجري عكس التيار السائد لسيكولوجيا الجماهير،فالجماهير تحتاج إلى انتماء وإلى قائد بفطرتها، والقاعدة تقول: لا جمهور من قائد.

الواضح أن تقديم هذا الشعار يأتي ضمن تصعيد واضح لمنظمات المجتمع المدني، لإخراج الجماهير التي تشكل أكثر من 80%من عباءة الطوائف والزعماء، إلى نفق لا يعرف الناس فيه اتجاههم، واللافت أن هذا الغموض يشبه الغموض الذي حصل لدى إسقاط بعض الأنظمة في أحداث ما سمي الربيع العربي، وكل الفوضى التي أعقبتها.

عناصر تشكيل الشعار:

يتم تصميم الشعارات لكي تعبر عن معتقدات المجموعات وتوجهاتهم، وإذا نجح الشعار فإنه يتحوّل من تعبير عن المعتقدات ويصبح بنفسه معتقدًا إذا كان نافذًا لقلوب الجماهير وتمّ الترويج له بشكل جيّد، لكن يمكن ملاحظة أن شعار "كلن يعني كلن" يحمل بذور سقوطه، ذلك أن عناصر تشكيله لا تتناسب مع طبيعة الجماهير بشكل عام، والجماهير اللبنانية بشكل خاص، وبالنظر إلى المعطيات السابقة بكيفية تفاعل الجماهير مع الشعار يمكن استنتاج التالي:

التبسيط: "كلن يعني كلن" يعمل على تبسيط الواقع اللبناني المعقد وتسطيح المعتقدات الخاصة بكل حزب، صحيح أن الجماهير تميل إلى التبسيط، إلا أن المسألة الأيديولوجية تصبح أكثر تعقيدًا لدى المساس بها. "كلن يعني كلن" يضع كل المعتقدات الأيديولوجيةلجميع الفئات تحت سقف واحد، وفي حالة لبنان، فإن ما يقرب 80% من الناس مؤدلجين حزبيًا وطائفيًا، وعلى الرغم من سيطرة نسبة الشباب التي تبلغ تقريبًا حوالي النصف من المكون الشعبي اللبناني، إلا أن هؤلاء بدورهم لم يتخلوا عن موروثاتهم وانتماءاتهم، فقط أرادوا تصحيحها. وهو الأمر الذي كان واضحًا على الأرض لدى دخول الأحزاب (القوات والكتائب والمستقبل) في هذا الحراك، عندما شارك هؤلاء في التظاهرات كانت الأعداد ملحوظة، وعندما انسحب هؤلاء منها لم يعد ثمة ما يقال عنها أنها تحركات جماهيرية.

التعميم: هذا التعميم عدا عن أنه يظلم محاربي الفساد، فإن الفاسد يستفيد عبر وضعه في خانة واحدة مع من يعارض الفساد، ولا يخلو أي نظام مهما كان فاسدًا من إصلاحيين، فيتم نسف كل نضالاتهم بوضعهم بنفس الخانة مع الفاسدين. والواقع أن طرح هكذا تعميم لحركة شعبية يفترض أن تكون تصحيحية،يفترض ألا يكون ساذجًا إلى حد استبعاد الفاعلين الإصلاحيين الواقفين بوجه محدلة الفساد، وأغلب الجماهير تعتبر أحزابها مُصلِحة أو على الأقل تنادي بحركات تصحيحية داخلها دون أن تتخلى عنها.

الغموض: الشعارات التي تحتوي على غموض تمنح الفكرة عمقًا فكريًا وتقدم للجمهور عنصرًا تشويقيًا. والتشويق لعمق غير واضح المعالم سيؤدي إلى إرباك الدماغ وبالتالي سيكون أسهل شيء أن يعمد الفرد إلى اتباع إرهاصات الفكرة وتأييدها بسبب تأييده للفكرة الأولى، لعلّ واضعي هذا الشعار عوّلوا على هذا العنصر لكي يتبنى الناس طروحاتهم المستقبلية القائمة على تشخيص مصلحة المحركين بحسب أي واقع جديد، إلا أن الواقع شديد الوضوح أن هذا الشعار فشل في الحصول على إجماع بسبب تشبث الجماهير بانتماءاتها.

بغض النظر عن الأهداف الحقيقية للإدارة الأمريكية في دعم المجتمع المدني، فإن فشل محاولة إخراج الجماهير اللبنانية من العباءة الطائفية ولو بنسب ضئيلة، على الرغم من كل الزخم والحشد الإعلامي والميزانيات المدفوعة، ودخولها في هذا التكتيك إلى درجة أن تضحي بزعامات حلفائها وتسقطهم، إنما ينمّ عن الجهل الأمريكي بطبيعة هذه الجماهير، فهذا الجهل،بالإضافة إلى دعمالفساد في الدول التي تغزوها لكي تبقيها مرتبطة عضويًا بوجود الاحتلال، هومن الأسباب الأساسية التي أسقطتها في العراق بعد 8 سنوات، وفي أفغانستان بعد 20 عامًا، فالانتروبولوجياودراسة الجماهير هي مهنة بريطانية ما انفكّت الولايات المتحدة الأمريكية تتجاهلها وتفشل بسببهاغزوًا بعد غزو، منذ منتصف القرن الماضي.