لطالما تعامل الر أي العام في المشرق العربي مع مغربه باعتباره جزيرةً نائيةً عنه، بعيدةً عن التفاعل الإيجابي أو السلبي، على خلاف محورية دول مثل مصر وسوريا والعراق أو حتى دول الخليج العربي، حتى كادت نشرات الأخبار تخلو تقريباً من ذكر التطورات والتحولات السياسية التي تحدث في تلك الدول.

وقد ظل ذلك سارياً حتى أطلقت ثورة الياسمين في تونس، لتسير المنطقة خلفها – من مشرقها إلى مغربها – بتحولات وتطورات لا زالنا نشهد تداعياتها إلى اليوم. الأمر الذي يجعلنا – ونحن نشرف اليوم على أعتاب تحول جديد وكبير في تونس – أن نقف على مجريات التطورات الحاصلة في الجمهورية التونسية، لنحاول فهم أعماقها وأسبابها المباشرة وغير المباشرة، واستشراف المآل الذي ستذهب إليه تونس الجديدة ومقدار تأثيرها وتأثرها بالأوضاع المحيطة بها عربياً.

ومن هذا كان لصحيفة الخندق هذا الحوار مع الباحث السياسي التونسي الأستاذ جعفر البكلي:

* أجرى الحوار: مصطفى خليفة

***

- بعد سقوط التجربة المصرية، ودخول سوريا في حرب مستمرة إلى اليوم، نُظر إلى تونس على انها تجربة النجاح الوحيدة للربيع العربي. كيف تنظر للتجربة الديمقراطية في تونس من ثورة الياسمين إلى اليوم؟ وهل يمكن الاعتبار بأن ما يجري اليوم هو سقوط الربيع العربي بتهاوي آخر تجاربه الباقية على قيد الحياة؟

هناك خلاف كبير، في تونس وخارجها، حول تقييم العشريّة الأخيرة التي مرّت بها البلاد. هناك من يرى أنّ تونس خاضت تجربة ديمقراطية رائدة. والشواهد، على وجهة الرأي هذه، عديدة. فقد تمّ إنجاز دستور جديد في البلاد أطلق العنان للحريات، ووسّع حقوق المواطنين. ونظّم وظائف السلطات الثلاث، وحدّد صلاحيات مؤسسات الدولة كي لا تنفرد مؤسسة واحدة بصنع القرار. وأنشأت هيئات دستورية مستقلة مهمتها مراقبة عمل النظام كي لا ينحرف عن مساراته المحددة له. وجرت في البلاد انتخابات تنافست فيها الأطراف السياسية بلا استثناء، وبدون عوائق. وتمخّض مسلسل الانتخابات عن نتائج متباينة في كل مرة، ممّا خلق تداولا على تولي مقاليد السلطة في البلاد. كل هذه أمور جعلت من التجربة التونسية "نموذجاً ديمقراطياً واعداً" لدى مراقبين محليّين ودوليّين. ولكن في المقابل، فإنّ هذه "الصورة الديمقراطية" شابتها عيوب ونقائص كثيرة، وتناهشتها آفات وعاهات متنوعة، فشوّهتها وبشّعتها في نظر كثير من التونسيين. ومن ذلك أن التجربة السياسيّة الجديدة أنتجت، في نهاية المطاف، بؤسا شاملا في البلاد. وم يقتصر البؤس على التدهور الاقتصادي الحادّ، بل شمل كذلك انحطاطا شنيعا في منزلة المبادئ والقيم والأخلاق، وتقهقرا حادّا في الإنتاج والتعمير والعمل والإبداع، وفسادا هائلا في إدارة موارد البلاد والتصرف فيها برشاد، وفوضى مؤذية ومؤلمة في عمل مؤسسات الدولة المتنافرة وغير المتناسقة. وكل هذا المسار المتعثر للتجربة التونسية خلق بَرَماً وضجَرا تحوّل شيئا فشيئا لدى فئات واسعة من التونسيين إلى سخط ونقمة على ما آلت إليه أوضاع بلدهم.

لأجل كل هذا، فأنا أعتبر أنّ ما آلت إليه "التجربة الديمقراطية" في تونس - رغم بعض النقاط المضيئة في ميدان الحريات - كان في المحصّلة فشلاً ذريعاً، أضيف إلى الفشل الهائل في تجارب "ثورات الربيع العربي" الأخرى. فلا يكفى أن يكون الشكل الظاهري للتجربة حسناً، إذا كان المحتوى نفسه رديئاً ومتعفّناً.

- استطاعت حركات الإسلام الحركي أن تحقق نجاحاً في العمل الشعبي في مجتمعاتها كما استطاعت أن تحقق نجاحاً أيضاً في العمل المقاوم في أكثر من تجربة في الدول المحيطة لفلسطين المحتلة، ولكنها لم تستطع أن تبني تجارب ناجحة على مستوى بناء وإدارة الدولة في أكثر من تجربة، هل توافق هذه الفرضية؟ وإن وافقتها فما السبب في ذلك برأيك؟

أعتقد أنّ تقييم تجربة حركات "الإسلام الحركي"، أو "الإسلام السياسي" يحتاج إلى تفصيل وتنظيم. فليست كل تجارب تلك الحركات متجانسة، وليست كل ظروفها متشابهة. نعم، فشلت تجربة الإسلاميين في حكم تونس، وقبلها فشل "الإخوان المسلمون" في حكم مصر. ولكن هل يمكن أن نعتبر، مثلا، أنّ تجربة الإسلاميين في حكم إيران فاشلة، أو أنّ تجربة إردوغان المحسوب على التيار الإسلامي، مخفقة في حكم تركيا؟! الإسلاميّون ليسوا كلهم سواء، وتصوراتهم السياسيّة ليست متماثلة. بل إنّ بينهم من الخلافات والتناقضات ما يجعل تجميعهم في سلّة واحدة أمرا مستحيلا.

إذا أخذنا تجربة حزب "حركة النهضة" في تونس كمثال للفشل في إدارة الدولة. فإنّ أسباب الفشل تبدو واضحة. ويمكن تلخيصها في ثلاثة أمور: أولا، الجهل بكيفية إدارة شؤون دولة. فليس كافياً، للنجاح في الحكم، أن تكون مناضلاً سياسياً سابقاً قضيت شطراً من عمرك في السجون أو في المنافي، ثم انقلب المشهد بطريقة دراماتيكية فجئّيّة فوجدت نفسك في السلطة، دون أن تتهيّأ لها أو تتجهّز لمتطلبات مهامها الجسيمة. ما حصل في تونس هو أن "النهضة" لم تكن مهيّأة لتحكم البلاد، لكنها وجدت نفسها تتولّى مهمّة صعبة في ظروف معقدة. فكان أداؤها، بطبيعة الحال مخيّبا للآمال. والسبب الثاني في فشل "النهضة" (بعد الجهل) هو الغرور. فأن تتولى الحكم دون أن تكون مستعدا له، فذلك أمر يمكن ترقيعه عبر اختيار معاونين أكفاء ومقتدرين ونزهاء وذوي دراية وخبرة في تسيير شؤون الدولة. لكن من المؤسف أنّ النهضة لم تختر هذا الطريق، بل اختارت أن تتعامل مع الحكم على اعتباره غنيمة وجائزة. فأسندت الأمر لمقرّبين وموالين ومناصرين. وحسب بعض هؤلاء أنّ الحظوة يمكنها أن تصنع وجاهة ومنزلة، وأنّ السلطة بإمكانها أن تشتري حنكة وحكمة. وليس هذا صحيحا ولكنه نتاج التوهم والغرور. والسبب الثالث للفشل هو الطمع. فلذّة السلطة تحيي في الأنفس حب الاستزادة. وهذا ما جعل قادة "النهضة" يفعلون كل شيء للبقاء في مراتب الحكم أو على مشارفه، حتى وإن خالفوا مبادئ وعهودا وقيما. ويبدو أنّ حمأة الجشع، وعمى الغرور، وسوءات الجهالة هي ما أوصلت إسلاميي تونس إلى الخروج من السلطة، مطرودين ومنبوذين من شرائح واسعة من شعبهم. 

- هل ما تشهده تونس اليوم هو انقلاب ناعم على الديمقراطية الوليدة، أم أنه نتيجة طبيعية - وإن تأخرت حتى تظهر جلية في تونس - لانكسار مشروع الإخوان المسلمين في العالم العربي؟

الانقلاب الذي حصل في تونس له أسباب متراكمة، من بينها فشل "المشروع الإخواني"، في مجمل العالم العربي. هل هو انقلاب ناعم؟ - الرئيس قيس سعيّد لا يعتبر أنّ ما قام به، في 25 تموز الماضي، انقلاباً.. لكننا إذا قيّمنا ما حصل بموضوعية، نستنتج أنّ الأمر كان بالفعل "انقلاب قصر" قام به طرف من أطراف السلطة ضد أطراف آخرين يشاركونه في الحكم. هل سيبقى هذا الانقلاب "ناعما"؟ أنا أشك في ذلك أيضا. لأنّ الرئيس قيس سعيّد ما فتئ يتوعّد خصومه ممّن يعتبرهم "فاسدين" بحساب قاس وعقاب أليم. فهل سيبقى أولئك الخصوم ينتظرون ما سيقرّره الرئيس بشأنهم، بصبر وتسليم، أم هم سيسعون إلى مواجهة الرئيس بكل وسائلهم الممكنة؟ الخيارات كلها واردة في المشهد التونسي. وإن كان معارضو الرئيس يعتمدون اليوم خيار "الصبر الاستراتيجي" بسبب ميل ميزان القوة لصالح قيس سعيّد. 

- أين كان موقع تونس النهضة من جدلية المقاومة والسلام في العالم العربي؟ وأين سيكون موقع تونس السعيد من هذه الجدلية؟

من الأمور التي أفقدت "النهضة" جزءاً من رصيدها المحلي والخارجي، هو موقفها الملتبس في قضيّة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومسألة التطبيع مع كيان العدو. فخطاب الإسلاميّين التونسيّين ظلّ يؤكّد دائما على دعمه للقضية الفلسطينية باعتبارها مبدأ ثابتا بالنسبة لهم. ولكنّ أفعال قادة "النهضة"، على أرض الواقع، كثيراً ما تناقض أقوالهم. فقانون تجريم التطبيع مع "إسرائيل"، مثلا، رفض نوّاب "النهضة"، في ثلاث مناسبات، التصويت عليه. وعطّلوا كافة هذه المشاريع التي عرضت على البرلمان خلال ثلاثة دورات نيابيّة. وكان آخرها مشروع قانون صيغ في العام الماضي، ولكنّ رئيس مجلس نواب الشعب راشد الغنوشي لم يعرضه في جلسة علنية للبرلمان، من أجل مناقشته والتصويت عليه. وأمّا موقف "النهضة" من المقاومة في لبنان، فالكثيرون لا ينسون البيان الذي صدر، في آذار 2016، عن راشد الغنوشي رئيس حركة "النهضة"، وقال فيه" إنّه يدين دور "حزب الله" اللبناني في الوقوف مع الثورات المضادة، ومع الطائفية في سوريا واليمن، مما تسبب في سفك الدماء والدمار والمعاناة في البلدين". ولم يكتفِ الغنوشي في بيانه ذاك بالتهجّم على "حزب الله"، بل هاجم أيضا ما سمّاه "الدور الإيراني في زعزعة بعض الدول العربية". وهذا موقف جاحد لجميل الجمهورية الإسلامية في إيران عليه هو بالذات. فالدولة الوحيدة التي اعترضت واحتجت، حينما قرّر بورقيبة إعدام الغنوشي في صيف عام 1987، كانت إيران. ونتج عن ذلك الموقف الإيراني أن قُطعت العلاقات بين الدولتين. ثم إن إيران أيضا كانت الدولة الوحيدة التي اعترضت، حينما قرر زين العابدين بن علي سحق حزب "النهضة"، وكافة أتباعه، في عام 1991. ونتج من جديد، عن ذلك الموقف الإيراني قطع العلاقات بين الدولتين مرّة ثانية!

وأمّا قيس سعيّد، فإنّه نال قسطاً مهمّاً من شعبيته بفضل موقف صريح تبنّاه في خضمّ الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تونس، واعتبر فيه التطبيع خيانة عظمى. وربما كان سرّ تفوق سعيّد على منافسه نبيل القروي، خلال المناظرة التلفزيونية التي جمعتهما قبيل إجراء الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية، تلك الكلمات التي أعلنها الرجل في نهاية المناظرة: "مرة أخرى في هذه الثواني المتبقية: خيانة عظمى".

لقد كانت تلك الكلمات بمثابة ضربة قاضية وجَّهها قيس سعيد لغريمه، ممّا مكّنه من الفوز بالانتخابات بنسبة تأييد كاسحة. كان هذا الأمر قبل أن يصبح سعيّد رئيساً، فهل ما زال موقفه من قضيّة تخوين التطبيع ثابتاً، بعد أن صار في السلطة؟ من سوء الحظ، فإنّ شواهد تشير إلى أنّ الرجل تحت إكراهات الخيارات الضيقة لبلاده والضغوط عليها، أخذ يساير قوى دولية ليس بمقدوره مواجهتها. ففي شهر شباط/ فبراير 2020، بعد أشهر قليلة من وصول سعيّد إلى سدّة الحكم، أقال الرئيس فجأة سفير تونس لدى الأمم المتحدة، ومندوبها في مجلس الأمن، بعد ساعات من قيادته لجهود ديبلوماسية تسعى لإصدار مشروع قرار يدين خطة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في الشرق الأوسط المعروفة بإسم "صفقة القرن". وكان جليّاً وواضحاً أنّ الرئيس التونسي قيس سعيد قام بإعفاء السفير المنصف البعتي، بعد أن هدّدت الولايات المتحدة الأمريكية تونس. ونفس هذا الموقف المتردد أبداه الرئيس قيس سعيد بعد تطبيع دولة الإمارات لعلاقاتها مع "إسرائيل". فقد أعلن يومها أنه "لا يتدخل في اختيارات بعض الدول، ولا يتعرّض لها، ويحترم إرادتها".

إذن فالموقف من مسألة التطبيع، سواء صدر عن قادة "النهضة"، أو عن الرئيس سعيّد يخضع دوما للضغوط الخارجية، وللإكراهات السياسيّة. ومن السذاجة أن نتصوّر أن السياسة الخارجية لدولة صغيرة مثل تونس يمكن أن تتغيّر جذرياً بمجيء حاكم جديد، مهما صرّح في حملته الانتخابية ووعد.

- هل يمكن اعتبار تراجع النهضة علامةً من علامات الوعي السياسي، بعد اختبارها لتجربة الإخوان المسلمين في مصر مع الرئيس السيسي؟ أو أن هذا التراجع يعود لضعف يعتري قواعدها الشعبية في الشارع التونسي؟

لا شكّ أنّ قادة "النهضة" فهموا جيداً الدرس المصريّ، في عام 2013. وبالتالي، فهم لم يجازفوا بتكرار مأساة "الإخوان". الدرس المصريّ فهمه راشد الغنوشي منذ ثماني سنوات، وليس منذ الآن. وقد بذل الرجل جهداً كبيراً لينجز توافقاً مع غريمه الباجي قايد السبسي، في تلك الفترة. وقبلت "النهضة" بتنازلات كثيرة من أجل توطيد العلاقة مع أركان النظام القديم، وتفادي أذى الدولة العميقة في تونس. وعبر ذلك التكتيك، نجح الغنوشي في أن يطيل عمر حزبه في أروقة الحكم مدّة عشر سنوات كاملة. والآن يحاول الرجل أن يلعب نفس لعبته القديمة مع قيس سعيّد. لكن الأخير لا يشبه قايد السبسي البتّة، وهو غير مستعد للتفاوض أو التفاهم أو حتى الحوار. وهذا الأمر يضع "النهضة" أمام معضلة كبيرة. فإمّا أن تسلّم بالهزيمة وتنتظر ما يصنعه الرئيس بها، وقد يكون المآل وقتها وخيماً. أو أن تجالد رئيس الدولة وتواجهه بكل الوسائل التي تستطيعها. وبذلك فإنها قد تسقط في مزالق العنف. ممّا سيكفل لخصومها الكثر في تونس أن يلصقوا تهمة "الإرهاب" بها، ويسعوا إلى استئصالها.

إنّ حركة "النهضة" اختارت حالياً نهج المهادنة والمناورة أملاً في مرور العاصفة بأقلّ الأضرار. وهذا القرار فيه شيء من البراغماتية والواقعية. خصوصاً وأنّ موازين القوى في الشارع التونسيّ ترجّح بشدّة كفّة الرئيس قيس سعيّد.

- أين الولايات المتحدة الأميركية من تطورات الأحداث في تونس اليوم؟ وهل ما نشهده هو نتيجة فراغ يتركه انصباب الاهتمام الأميركي على شرق آسيا؟

الموقف الأميركي من أحداث تونس ملتبس. فهو لا يصرّح علانية برفض ما قام به قيس سعيّد في 25 تمّوز/ يوليو الماضي، وهو أيضا لا يقبل بما صنعه رئيس تونس في بلاده. ومن الواضح أنّ قيس سعيّد يتعرّض لضغوط من الإدارة الأميركية لكي يعدّل مواقفه المتصلبة تجاه الدستور الحالي في تونس، والبرلمان، والأحزاب السياسية. ويبدو أيضاً أنّ هذه الضغوط لا تروق لقيس سعيّد، ولكنه لا يستطيع لها دفعاً. وعلى سبيل المثال، حدث بعد أيام قليلة من انقلاب قيس سعيّد على البرلمان أن أقال سفيرَ تونس في واشنطن، وقد كان عيّنه بنفسه منذ أشهر. وهذا أمر يبيّن بجلاء حجم مشاكل الرجل مع الولايات المتّحدة التي لم يستطع السفير المعزول تهدئتها. وشنّت في واشنطن، حملة سياسيّة وإعلاميّة اعتبرت ما قام به الرئيس التونسي انقلاباً على تجربة ديمقراطيّة ناشئة. وهذه الحملة الشرسة اضطرّت الإدارة الأمريكيّة للضغط على سعيّد كي لا يرتدّ عن الديمقراطية. وعلى هذا الأساس، يمكن أن نفهم ما قام به وزير الخارجيّة الأمريكي بلينكن، ومستشار الأمن القومي جيك سوليفان. فقد خاطبا قيس سعيّد، وطالباه بان يحافظ على الديمقراطيّة، ويلتزم بالدستور، ويعود بسرعة إلى الوضع الطبيعي، ويسمح للبرلمان بممارسة مهامه. كما شدّد المسؤولان الأميركيّان في حديثهما مع سعيّد على حرص الرئيس الأمريكي بايدن شخصيّا على إنجاح المسار الديمقراطي في تونس. ويسهل حينئذ أن نستنتج أنّ مطالبة بايدن للرئيس التونسي بوضع خطّة "للعودة السريعة للمسار الديمقراطي"، تعني أنّه يعتبر تونس حاليا قد خرجت عن المسار الديمقراطي. ثمّ إنّ الضغط الأميركي على سعيّد لم يخفّ بمرور الأيام، بل تواصل. فالبنتاغون أعلن أنه يتابع ما يجري في تونس "بقلق".

ووزارة الخارجية الأميركية اعتبرت الوضع في تونس "زئبقي"، وحثّت الرئيس سعيّد على "إنهاء إجراءات الطوارئ، والالتزام بالدستور والعودة سريعاً إلى الحكم الديمقراطي الطبيعي". المشكلة أنّ الرئيس قيس سعيد يحتاج بشدّة إلى الدعم الخارجيّ، ولا سيّما الماليّ منه، فالبلاد التي يديرها تشرف على الإفلاس. ولذلك فلا يمكن له أن يصمّ أذنيه عن مطالب من سيمدّ لهم يده غداً ليقرضوه. إنّ الدعم المالي الأجنبي مهم جدّا لبلد صغير مفلس، مثل تونس، لا يستطيع دفع فاتورة أجور موظفيه، أو سداد أقساط ديونه. والضغوط الخارجيّة لم تقتصر على أميركا، فسفراء إيطاليا، وألمانيا، والاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة طلبوا جميعاً إعادة البرلمان بأسرع ما يمكن. وإذا حاول سعيد تجاهل هذه الضغوط، والاعتماد على وعود الإماراتيين والسعوديين بتمويله. فإنه سيدرك لاحقاً أنّ الخليجيّين لن يستثمروا أموالهم في تونس إلاّ بعد أن يحصلوا على ضوء أخضر من واشنطن.وتجربة السودانيين مع وعود الخليجيين ما زالت ماثلة في البال.

وسيكون المرء ساذجاً إذا اعتقد أنّ تحفّظات الأميركيّين وبعض الأوروبيّين، على ما حصل في تونس، سببه الحرص على "ديمقراطيتها". إنّ خوف الغرب، ولا سيما جيران تونس في البحر الأبيض المتوسط، مثل إيطاليا، نابع في المقام الأول من الخشية على استقرار تونس الذي سيؤثر حتماً في استقرار جيرانها. وهم لا يقبلون بأن تتدهور الأوضاع التونسيّة، فيسبّب التردّي موجات من الهجرة الجماعيّة إلى أوروبا.

هل يمكن لقيس سعيّد مغالبة هذه الضغوط الخارجية الغربيّة، لا سيّما الأميركية؟ هذا أمر صعب جدّاً. يجب أن نتذكّر أنّ الولايات المتحدة قامت بالاستثمار في الانتقال الديمقراطي في تونس منذ 2011، وقدّمت مساعدات مالية وتقنيّة وبشريّة في الغرض. وأبرمت اتفاقيات أمنية وعسكرية مع تونس، وقدمت معلومات استخباريّة لمحاربة الإرهاب وحماية حدود البلاد من الخطر الخارجيّ، وجهّزت الجيش التونسي بالسلاح، ودرّبت الأجهزة الأمنية...

ولأجل كل ذلك فأميركا تتمتع بنفوذ كبير في تونس. وإذا أضفنا نفوذ واشنطن في المؤسّسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي الذي موّل ميزانية الدولة التونسية طيلة السنوات الماضية، بضمانات من واشنطن نفسها. فإنّ كل هذه الأمور تجعل من قيس سعيّد غير قادر على التفلت من الإرادة الأميركية ومطالبها، في غياب قدرة تونس على توفير موارد مالية ذاتيّة.

- مجموعة من القضايا تشكل محور اهتمام دول شمال أفريقيا من العالم العربي: سد النهضة بين أثيوبيا ومصر والسودان، قضية الصحراء المغربية بين المغرب والجزائر، وانضمام الكيان الصهيوني إلى الاتحاد الإفريقي. أين تونس من هذه القضايا؟

السياسة الخارجيّة لتونس لن تتبدّل بين عشية وضحاها. وهي منذ أكثر من ستّين عاما تعتمد ذات الثوابت والمرتكزات، رغم تغيّر الأنظمة والحكومات في البلاد. ومثلاً، ففي قضية الصحراء المغربية ستستمر تونس في ممارسة سياسة الحياد التي تبنّتها منذ انفجر ذلك الصراع. تونس لا يمكنها الانحياز لا للطرف الجزائري، ولا للطرف المغربي. أمّا في موضوع سدّ "النهضة" فقد ساند الرئيس التونسي الموقف المصري والسوداني. ويبدو أنّ علاقات قيس سعيّد بالسيسي جيّدة في الفترة الأخيرة. فأثناء زيارة سعيّد لمصر، في نيسان/ أبريل الماضي، بادر إلى إعلان موقف مساند، بلا مواربة، لمصر في صراعها مع أثيوبيا حول سدّ "النهضة". وأثناء ندوة صحفيّة، قال سعيّد: "إنّ الأمن القومي المصري هو أمننا، وموقف مصر في كل محفل دولي سيكون موقفنا. ولن نقبل أن يتعرض مستقبل مصر المائي للخطر".

- ماذا تستشرفون لتونس على مستوى الإدارة السياسية في السنوات القليلة القادمة؟

المتوقع، بعد أن تستتبّ الأمور للرئيس في الأيام القادمة، أن يعلن خطته وأهدافه، ومشروعه الذي يقوم على أمرين اثنين. أولهما: تطهير البلاد ممّن يعتبرهم "فاسدين". وهم لفيف من سياسيّين، ورجال أعمال، ومهرّبين، وقضاة مرتشين، ومدراء سارقين... وقد بدأت هذه الحملة فعلا عبر سلسلة من الاعفاءات لمسؤولين بارزين في الدولة. ومثل هذه الإجراءات تزيد من شعبيّة سعيّد المرتفعة أصلاً عند قطاعات كبيرة من التونسيّين. وتُمكّنه من الانتقال إلى خطوته التالية، وهي الاستفتاء على تغيير النظام السياسي الحالي ليصبح نظاما جمهوريّا رئاسيّا تتمركز فيه الصلاحيات كلها في يد قيس سعيّد. ومن المرجّح أنّ الاستفتاء على التحولات الجديدة في المشهد السياسي ستحظى بموافقة شعبيّة كاسحة. فإذا استوى الأمر لسعيّد فبمقدوره عندئذ أن يغيّر النظام القائم حاليّا برمّته، وأن يصنع أطرا جديدة لدولة طالما حلم بها ونظّر لها، عندما كان يدرّس، في الجامعة، مادّة القانون الدستوري.