بيتر غران؛ مفكر ومؤرخ أميركي. له الكثير من المؤلفات في التاريخ عامة، وفي تاريخ منطقتنا بشكل خاص. أواخر السبعينيات كان كتاب غران الأول تحت عنوان: "الجذور الإسلامية للرأسمالية: مصر 1760-1840". بعدها كان له جملة من المؤلفات منها: "ما وراء المركزية الأوروبية: نظرة جديدة لتاريخ العالم الحديث"، "صعود أهل النفوذ: نظرة جديدة لتاريخ العالم الحديث"، "استمرار الاستشراق: المؤرخون الأنجلو - أمريكيين ومصر الحديثة". وهذه الكتب كلها هي بعض من محاولة هذا المؤرخ الكشف عن تاريخ جديد لمنطقتنا من خلال مصر، وللعالم. وتاريخ غران، هو غير ذلك الذي اعتدناه، هو تاريخ غير خاضع للهيمنة ولا للمركزية الغربية. في ما يلي، تعرض الخندق لحوارها مع غران.

* أجرى الحوار: بشار اللقيس.

- لعلّي سأبدأ من كتابك الأخير؛ "استمرار الاستشراق: المؤرخون الأنجلو - أميركيين ومصر الحديثة" باعتباره استكمالاً لأعمالك السابقة حول الجذور الإسلامية للرأسمالية في مصر، وما بعد المركزية الأوروبية، فما جديدك اليوم في هذا الكتاب؟

أولاً لا بد لي من شكركم لتخصيصكم الوقت والجهد لنقاش كتبي، خاصة في مثل هذا الوقت الذي تعيشونه في لبنان، ولعلي سأبتدئ معكم من كتابي الأخير "استمرار الاستشراق". هذا الكتاب الموجود في السوق هو امتداد لدراستي عن الهيمنة الغربية على مصر. فحتى وقت متأخر في حياتي الأكاديمية كانت ما أزال أبحث عن بديل للاستشراق ولسرديات الهيمنة الغربية في قراءة التاريخ، وهو – أي الكتاب - يأتي كخطوة متقدمة في هذا المجال. إذ شعرت أن ثمة استمرار في نمط السرديات التي تُنتج حول مصر، فلسطين، وسوريا، ولكني كنت مهتماً بمصر على نحو خاص لأسباب مختلفة. وقد كنت دائم السؤال: لماذا يفكر الجميع، بالرغم من تتالي الأجيال واختلافها، لماذا يفكر الجميع باحتلال نابليون لمصر ويعتبرونه نقطة ركيزة في قراءتهم لتاريخ المنطقة؟. وكذلك كنت أسأل: لماذا يُقرأ التاريخ المصري في كل الكتب انطلاقاً من القاهرة؟ من مركزية القاهرة؟ ولماذا يغيب التاريخ الفلاحي، أو التاريخ غير المركزي عن تأريخنا لمصر الحديثة؟. في الحقيقة، هذه الأسئلة لطالما كانت محور اهتمامي وانشغالي. إذ اعتبرت ومنذ بدايات رحلتي الأكاديمية أن هذا التحيّز التاريخي مسألة خارجة عن الأكاديميا. وما أردته في كتابي الأخير هو محاولة تفكيك هذه السردية من خلال انتزاع السطوة الغربية وتفكيكها في قراءتنا لمصر والمنطقة العربية. فوصلت إلى نتيجة، أن الاستعمار مركزَ أو عمل على مركزة منطقة الدلتا والقاهرة لاحتياجه لمجال ثابت يقرأ التاريخ من خلاله. وهذا المجال كان – وللأسف – المساحة التي مارس الغرب من خلالها هيمنته. هكذا صار تاريخ مصر، والمنطقة العربية، وحتى التاريخ كله نوعاً من السرد الذي يضمر الهيمنة داخل مناهج الأكاديميا السائدة اليوم. وهكذا، تُختزل الشعوب بحيز جغرافي يكون المركز فيه هو الأساس في الاستقراء. والامبريالية هي النموذج الذي ينبغي للشعوب الامتثال له.

أما في حال رفض الشعوب للإمبريالية، فمصيرها الإبادة، إذ تًباد أو تُقتل في عملية هيمنة لا تستقرئ موت الشعوب إلا في كونها أضراراُ جانبية. إن التعاطي الأكاديمي مع مسألة دخول بونابارت إلى مصر، كما وسَوق مصر إلى الحداثة بالقوة – وكذلك بالنسبة للعالم العربي -، ما زال تعاطٍ مثقلٌ بمرجعيات العهد القديم التي تصور هذا الانتقال بنحو مشابه لخروج النبي موسى من مصر. وهكذا فالأضرار الجانبية ليست مهمة في عملية التأريخ أو التحقيب التاريخي للشعوب.

- فهل نستطيع تعميم مقاربتنا للتاريخ المصري على مجمل البلاد العربية؟ أليس لمصر خصوصية تاريخية ومجتمعية مختلفة؟

إذا قرأنا تاريخ الكتاب المقدس، يمكننا ملاحظة أمر ما زال سارياً في التقليد الأكاديمي والغربي عموماً إلى اليوم. ليس ثمة اهتمام كافٍ بالفلاحين المصريين مثلاً. وهو الأمر نفسه الذي يمكن أن نلحظة في مقاربة التقليد الأكاديمي للمسألة الفلاحية في سوريا ولبنان. فهؤلاء المواطنون ليسوا مهمين (الوضع مختلف في مقاربة ساكني القاهرة أو الاسكندرية) بالنسبة للتقليد الأكاديمي.

في الحقيقة، ما زالت الدراسات الشرق أوسطية ترزح تحت وطأة التقليد الأوروبي، الموطوء بدوره بسرديات العهد القديم، فنرى اهتماماً بفلسطين واليونان، ومصر، والعراق، نظراُ لحضور هذه البلاد في النص المقدس، فيما تنخفض الأهمية بالنسبة لدول كلبنان، أو لعموم شعوب الشرق الأوسط. لا ترِد الشعوب البلدان الأخيرة في النصوص الأكاديمية إلا في الجانب الأنثروبولوجي، ويغيب عنها الجانب التاريخي أو الاهتمام الأكاديمي التاريخي. هذه أزمة أكاديمية لا أرى أن ثمة نية للخروج منها.

- تسأل في كتابك "ما بعد المركزية الأوروبية": "ألا يعني الانفصال عن المركزية الأوروبية، ولادة العصر الذهبي للتاريخ الاجتماعي في كل من الأكاديمية وخارجها؟" فهل استطعت البدء بإنتاج هذا التأريخ الاجتماعي؟

هناك علاقة وثيقة ما بين الانفصال عن المركزية الأوروبية وولادة العصر الذهبي للتاريخ الاجتماعي، يمكن التماسه في الشعبية الكبيرة لهذا المنهج بين الطلبة والأكاديميين في المرحلة الممتدة ما بين السبعينيات والتسعينيات. كان التاريخ الاجتماعي آنذاك، جزءاً من ردة الفعل الأكاديمية ضد الدولة. كنا نلتمس في التاريخ الاجتماعي نوعاً من الخروج عن سلطة الدولة وهيمنتها على التاريخ من خلال محاولة استيلاد تاريخ بديل. كتابي "ما بعد المركزية الأوروبية" كان واحداً من عدة محاولات أسهمت في شق هذا الطريق. ولعل ما ميز كتابي هو استناده إلى غرامشي وأدبياته حول الهيمنة. لكن سبب فشل ولادة التاريخ الاجتماعي كان في التحول الاقتصادي الذي عاشه الغرب بعيد سنوات التسعينيات. لقد أدى الفشل الاقتصادي الذي عشناه إلى انهيار الطبقة الوسطى. وهذا أثر على الطلاب والأكاديميين الذين باتوا أكثر حذراً. في حالات عدم الاستقرار، يمكنك أن ترى الهوة الشاسعة بين ما يقوله الناس مشافهة وما يكتبونه. قضية كفلسطين يمكن أن تكون مورد تأييد كبير للأكاديميين في كلامهم اليومي، لكن الأمر مختلف عندما يبدأون الكتابة، فنقد الرأسمالية والإمبريالية مسألة غير ممكنة من قبل هذه الطبقة في الوضع الاقتصادي المهتز.

في الحقيقة، ثمة معضلة تكمن في المؤسسة الأكاديمية الأميركية، أو الما بعد قارية حتى، ويكمن في كونها غارقة في المركزية الأوروبية. ويعود سبب هذا الإنئسار بشكل رئيس لاختفاء الطبقة الوسطى، والانقسام المجتمعي الحاد بين الأغنياء والفقراء، ما يمنع إمكانية ولادة شيء جديد.

- ألا يمكن أن نجترح حلاً بتأسيس تاريخ من خارج الأكاديميا والجامعة؟.

نعم، للأسف أنا موافق لأن الجامعة غارقة بالليبيرالية القديمة، ولا يوجد في صرحها شيء آخر. ربما يمكن لنا في المستقبل أن نجد "ما هو جديد" في المقاهي والكنائس وغيرها من الأمكنة المدينية التي يمكن أن نراهن عليها في استيلاد البديل.

- بالنظر إلى نماذج الهيمنة الأربعة التي تتحدث عنها؛ الروسية، الإيطالية، القبلية العرقية، والديمقراطية البرجوازية. أيضاً، أنت تعتبر أن مصر تحذو حذو إيطاليا، فما هي معالم الطريقة الإيطالية في الحكم والهيمنة؟

أفكاري ليست جديدة، أنا كنت قد استلهمتها من "كراسات السجن"، "المسألة الجنوبية" وغيرها من كتابات غرامشي. يمكنني الاستنتاج أن الصفات الرئيسية لنموذج الديكتاتورية الايطالية قائم على التشويش الاجتماعي، والصراع الطبقي، وسيطرة المركز على الأطراف، أو سيطرة الشمال على الجنوب. في الحالة المصرية يمكننا التماس الأمر في سيطرة الشمال على الجنوب. ليس أمراً صعباً أن نرى التاريخ المصري يكاد يُختصر في القاهرة وفي المسألة الصناعية في الدلتا، وأن ليس هناك أي كلام حول الصعيد. غرامشي كان متنبهاُ للأمر عندما تحدث عن سيطرة الشمال على الجنوب الإيطالي. أنا نفسي كنت قد تنبهت للتشابه اللافت بين أسيوط ونابولي. ففي الجنوب والصعيد ثمة كتاب وممثلون ومغنون وأدباء، لكن دفة الاقتصاد والسياسة هي حصراً بيد أهل الشمال من أهل القاهرة والدلتا. لهذا أثره الكبير في الوعي والثقافة التي تنتجها الدولة. لاحظ مثلاً كيفية تصوير النوبي أو الصعيدي في المسلسلات والأفلام؛ هو يمكن أن يكون بواباً جيداً، لكنه يمكن أن يكون عنيفاً، بربرياً، قبلياً، وغيرها من الصفات غير المدينية. حتى بالنسبة للثقافة نجد أن ثمة انقسام بين نوعين من المثقفين؛ في الشمال ترتبط الثقافة بالعلوم الطبيعية والإدارية، بينما ترتبط ثقافة الجنوب بالشعر والعلوم الإنسانية والآداب. وهذا النموذج هو النموذج الإيطالي في الحكم.

- ألا ترى أن مدرسة ما بعد الكولونيالية، في محاولتها قراءة التاريخ الاجتماعي، هي نوع من السلطة التفكيكية الجديدة؟

فعلاً، أنا أعتبر أن الليبيرالية الجديدة هي آخر مرحلة من الاستشراق، فالمرحلة الأولى كانت مرحلة اللورد كرومر (دبلوماسي وإداري مستعمرات بريطاني؛ 1841 – 1917) والكولونيالية التبشيرية. المرحلة الثانية كانت مرحلة التنمية والتحديث، الثالثة كانت التفكيكية وأولئك الذين يعيشون نهاية التاريخ باعتبارنا أناساً مختلفين. أما نحن اليوم فنعيش آخر مراحل الليبيرالية الجديدة، وبالتالي، نعم، ما بعد الكولونيالية هي نوع من أنواع السلطة الممارسَة حتماً.