عام 2014، قررت وكالة فدرالية أنشأها الكونجرس في محاولته ملء الفراغ البنيوي في رؤية الإدارة الأميركية لواقع الحال في أفغانستان. آنذاك، أطلق مكتب المفتش العام الخاص بإعادة إعمار أفغانستان، المعروف باسم SIGAR، مشروعاً بقيمة 11 مليون دولار - بعنوان "الدروس المستفادة" - لدراسة الأخطاء الأساسية للحرب. بعد إجراء مقابلات مع أكثر من 600 شخصية، من دبلوماسيين ومستشارين وخبراء عسكريين، سربت الواشنطن بوست بعضاً من هذه الوثائق التي تكشف الدور الملتبس للقوات الأميركية في أفغانستان. في التالي، تعرض الخندق لجملة من وثائق الواشنطن بوست وغيرها، مما يوضح للقارئ عبثية الحرب الأميركية على الإرهاب في أفغانستان:

في مقابلات صريحة ضمن مشروع SIGAR، قال مسؤولون خدموا في عهد الرئيسين جورج دبليو بوش وباراك أوباما إن كلا الزعيمين أخفقا في مهمتهما الأكثر أهمية، وهي وضع استراتيجية واضحة ذات أهداف موجزة وقابلة للتحقيق. كانت أسئلة بسيطة من قبيل: من هو العدو؟ من يمكننا الاعتماد عليه كحليف؟ كيف سنعرف متى انتصرنا؟ أسئلة عصية على الإجابة في دوائر القرار. لقد ارتكب كل من بوش وأوباما أخطاءً فادحة مبكرة لم يتعافوا منها أبداً، وفقاً للوثائق المسربة لصحيفة الواشنطن بوست. وقال باوتش، وهو دبلوماسي محترف شغل منصب كبير المتحدثين باسم وزارة الخارجية في عهد بوش، أن المسؤولين الأمريكيين لا يعرفون ماذا يفعلون. فلقد ذهبنا لإخراج القاعدة من أفغانستان، وحتى بدون قتل بن لادن، فعلنا ذلك". ردت طالبان بإطلاق النار علينا فبدأنا في إطلاق النار عليهم وأصبحوا أعداء. في النهاية، واصلنا توسيع المهمة بلا جدوى".

أما جيفري إيجرز، وهو مسؤول متقاعد في البحرية الأمريكية والبيت الأبيض في عهد بوش وأوباما، فقد قال: إن قلة من الناس توقفوا للتشكيك في بقاء القوات الأمريكية في أفغانستان. متسائلاً: لماذا جعلنا طالبان العدو عندما هاجمنا القاعدة؟ لماذا أردنا هزيمة طالبان؟. بالنسبة إليه كانت المشكلة كامنة في بنية الإدارة الأميركية كلها، فبشكل جماعي، كان النظام غير قادر على الرجوع خطوة إلى الوراء للتشكيك في الافتراضات الأساسية".

هكذا، وبعد سلسلة من الانتصارات العسكرية السريعة عام 2001 ومطلع عام 2002، قرر بوش الإبقاء على قوة صغيرة من القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى لمطاردة الإرهابيين المشتبه بهم. ومع ذلك، سرعان ما وضع خططاً لغزو العراق؛ متجاهلاً مصاعب أفغانستان التي لم تعد أولوية له.

أما نيكولاس بيرنز، الدبلوماسي الأمريكي الذي عمل سفيراً لحلف شمال الأطلسي في عهد بوش فقال: في الأول من أيار/ مايو من العام 2003، وبينما كان بوش يقف تحت لافتة "أنجزت المهمة" على حاملة طائرات، معلناً إنتهاء "العمليات القتالية الرئيسية" في العراق. زار في نفس اليوم، وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد كابول معلناً إنهاء "العمليات القتالية الرئيسية" في أفغانستان. إلا أن كلا الإعلانين جاءا بنتائج عكسية. إذ انزلق العراق إلى حرب أهلية، فيما أعادت طالبان تجميع صفوفها بثبات. قال بيرنز أن الإدارة غابت عن الصورة الكبيرة في أفغانستان في وقت محوري. "بعد عامي 2003 و 2004 لا أستطيع أن أتذكر أننا قلنا على الإطلاق، هل يجب أن نظل هناك؟ هل نحن مفيدون؟ هل نجحنا؟... أعتقد أننا كنا سنحقق أداءً أفضل لو وضعنا بعض الافتراضات الاستراتيجية الأكثر تحديدًا". ومن بين مئات الأشخاص الذين قابلتهم SIGAR، كان بيرنز واحداً من القلائل الذين قبلوا المسؤولية الشخصية عن دوره في إخفاقات الحرب.

بحلول عام 2009، ومع تولي أوباما منصبه، كانت القاعدة قد اختفت من أفغانستان. لكن طالبان عادت بعدما مزق أوباما استراتيجية بوش لمكافحة الإرهاب ووافق على حملة ضخمة لمكافحة التمرد، بدعم من 150 ألف جندي من الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي، بالإضافة إلى أطنان من المساعدات للحكومة الأفغانية الضعيفة. وعلى عكس بوش، فرض أوباما مواعيد نهائية صارمة ووعد بإعادة جميع القوات الأمريكية إلى الوطن بحلول نهاية فترة رئاسته. لكن استراتيجية أوباما كان مقدراً لها الفشل أيضاً. لقد أخبر المسؤولون الأمريكيون الحكومة أنهم حققوا الكثير وبسرعة كبيرة، واعتمدوا على حكومة أفغانية فاسدة ومختلة وظيفياً.

والأسوأ من ذلك، هو أن أوباما حاول تحديد مواعيد مصطنعة لإنهاء الحرب قبل أن تنتهي. وكان كل ما على طالبان فعله هو انتظار انسحابه غير المنظم.

أما بوب كراولي، وهو كولونيل متقاعد بالجيش عمل مستشاراً في مجال مكافحة التمرد عامي 2013 و2014. فقال في مقابلته "كان هناك عدد من الافتراضات الخاطئة في الإستراتيجية الأميركية من مثل: أفغانستان مستعدة للديمقراطية بين عشية وضحاها، وسوف يدعم السكان الحكومة في إطار زمني قصير،" وأضاف: "كان إعلان رامسفيلد السابق لأوانه هو الأول من عدة بين مرات افترض فيها كبار القادة الأمريكيين خطأً أنهم يستطيعون إنهاء الحرب بشروطهم. الإشكالية الأكبر أنه وبعد أن هدأت الثقة المفرطة بسبب السهولة الواضحة في غزو أفغانستان، رفضت إدارة بوش الجلوس مع قادة طالبان المهزومين للتفاوض على سلام دائم - وهو قرار سيأسف عليه المسؤولون الأمريكيون لاحقاً.

تم استبعدت طالبان من المؤتمرات الدولية والتجمعات الأفغانية من عام 2001 إلى عام 2003 عندما تشكلت حكومة جديدة، على الرغم من أن بعض شخصيات طالبان أبدوا استعدادهم للانضمام إليها. وبدلاً من ذلك، قدمت الولايات المتحدة مكافآت لأسرهم وأرسلت المئات إلى الجيش سجن في خليج جوانتانامو في كوبا.

ماذا كانت النتيجة؟، النتيجة كانت أنه وبعد أكثر من ثمانية عشر عامًا، وبعد أكثر من 775000 جندي أمريكي في أفغانستان طيلة هذه السنوات، توفي 2300 عنصر من الجيش الأميركي وعاد 20589 جندياً مصاباً، وفقًا لأرقام وزارة الدفاع الأميركية.

عام 2014، مع تراكم الأدلة على تعثر خطة أوباما، أخبر مسؤول كبير في وزارة الخارجية المحاورين الحكوميين أن المهمة لم تكن مركزة منذ البداية. وقال الدبلوماسي الكبير "سئمت من قول أوباما: لقد سئمنا الحرب". 5% فقط من الأمريكيين يشاركون في الحرب. هذا لا يؤثر على معظم الأمريكيين". وأضاف: "إذا كنت سأكتب كتاباً، فسيكون [غلافه]:"أمريكا تذهب إلى الحرب دون معرفة سبب ذلك". "لقد ذهبنا بشكل معاكس بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2001 دون أن نعرف ما كنا نحاول تحقيقه. أود أن أكتب كتاباً عن وجود خطة ونهاية قبل أن تبدأ الحرب". في الأوراق المسربة يقر الجيش الأمريكي بأن طالبان الآن أقوى من أي وقت مضى منذ عام 2001. ومع ذلك، لقد خيضت الحرب ولم يكن هناك حساب عام شامل للإخفاقات الاستراتيجية وراء أطول حرب في التاريخ الأمريكي.

برويز مشرّف خدعنا:

كان الجنرال برويز مشرف، الحاكم العسكري لباكستان، قد أعطى البنتاغون الإذن باستخدام المجال الجوي الباكستاني والسماح لوكالة المخابرات المركزية بتعقب قادة القاعدة في الأراضي الباكستانية. ونتيجة لذلك، كان البيت الأبيض في عهد بوش بطيئاً في إدراك أن باكستان تقدم في الوقت نفسه دعماً سرياً لطالبان، وفقاً لمقابلات وكالة SIGAR.

قال مارين سترميكي، كبير مستشاري رامسفيلد، في مقابلة وكالة SIGAR: "كان هناك فشل في إدراك اللعبة المزدوجة التي بدأ مشرف يلعبها بحلول أواخر عام 2002، أوائل عام 2003".

وبالرغم من تحذير الرئيس حامد كرزاي من الأمر باستمرار حتى من قبل عام 2002. إلا أنه لم يلق آذاناً صاغية بسبب الاعتقاد بأن باكستان كانت تساعدنا كثيراً في الحرب على تنظيم القاعدة. لم يكن لدينا رؤية كاملة لدور باكستان في دعم طالبان".

من هو الجنرال ماكنيل؟

أواخر عام 2002، صارت أفغانستان "حرب الأمس" بنظر بوش الإبن. إذ كلنت واشنطن تستعد لغزو أكبر بكثير، وهو غزو العراق. في الـ 21 من تشرين الأول/ أكتوبر من ذلك العام، وبعد قضاء عدة ساعات في البيت الأبيض في اجتماعات مطولة حول العراق بدا حتى رامسفيلد مندهشاً من مدى انحسار أفغانستان عن اهتمامات عقل جورج بوش، وفقاً لمذكرة كتبها وزير الدفاع في وقت لاحق من ذلك اليوم.

فقبل الثالثة مساءً بقليل، حصل رامسفيلد على بضع دقائق بمفرده مع القائد العام. سأل رامسفيلد بوش عما إذا كان يريد ترتيب لقاء مع الجنرال في الجيش تومي فرانكس، رئيس القيادة المركزية الأمريكية، واللفتنانت جنرال دان ماكنيل، الذي كان يعمل كقائد للقوات الأمريكية في أفغانستان طوال الأشهر الستة الماضية. كان بوش في حيرة من أمره. وكتب رامسفيلد في المذكرة "قال بوش: من هو الجنرال ماكنيل؟" قلت إنه الجنرال المسؤول عن أفغانستان. قال: "حسناً، لست بحاجة إلى مقابلته".